اسلاميات

كيفية مواجهة عصابات القتل والسرقة والاعتداء على الآمنين في المجتمع

الجريمة سلوك شاذ، يهدد أمن الأفراد، واستقرار المجتمعات

  • 18
  • 3:01 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

انتشرت في بلادنا عصابات إجرامية تمتهن السرقة والاعتداء على الآمنين، حتى وصل بهم الأمر إلى القتل. والمطلع على إحصائيات الجرائم الشهرية أو السنوية، يلاحظ ازديادها شهرا بعد شهر وسنة بعد أخرى يهوله كثرة عدد هذه الجرائم وتنوعها وازديادها، ويعتريه الألم الشديد من هؤلاء المنحرفين الخارجين عن سلطة القانون، المهددين للسلم والأمن المجتمعي.

لقد بيَّن لنا النبي صلّى الله عليه وسلم أن الإجرام سببه نقص الإيمان؛ وإن أكثر الجرائم التي تقع من المسلمين اليوم تقع في العادة من أناس ضعيفي الإيمان، تاركي الصلاة والصيام، ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن”.

فالجريمة سلوك شاذ، يهدد أمن الأفراد، واستقرار المجتمعات، ويقوض أركان الدول والبلاد، وأحكام الشريعة الإسلامية الغراء بعدلها القويم، ومبادئها الشاملة تدور حول صيانة الضرورات الأساسية التي لا يستطيع الإنسان أن يستغنى عنها، ويعيش بدونها، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

ولقد وضعت الشريعة الإسلامية في سبيل المحافظة على هذه الكليات عقوبات زاجرة وأليمة لكل من يتعدّى عليها، وينتهك حرمتها. ويتبنى الإسلام إستراتيجية شاملة ومحددة للتصدي لجرائم القتل والسرقة والاعتداء على الآمنين، وتتمثل هذه الكيفية في الآتي:
الردع والعقوبة (مسؤولية ولي الأمر والسلطة)، وذلك عن طريق تطبيق حّد الحرابة؛ يُعرّف المحاربون في الفقه الإسلامي بأنهم من يخرجون على الناس بالسلاح لترويعهم أو سلب أموالهم أو سفك الدماء. وقد نص القرآن الكريم على عقوبات صارمة لهم تتنوع بين القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض، وذلك بحسب جسامة الجريمة التي ارتكبوها، قال تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}. وحدّ السرقة والقصاص؛ يُقام حد السرقة (قطع اليد) متى توفرت شروطه وضوابطه الدقيقة في الفقه، كما يُنفذ القصاص في جرائم القتل المتعمد حفظا لحياة الناس، منعا لشريعة الغابة والانتقام الفردي.

التدابير الإيمانية الوقائية والمجتمعية، عن طريق تعزيز الوازع الديني؛ تقوية الروابط الإيمانية، وغرس قيم التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يمثل حائط الصد الأول لمنع النفوس الضعيفة من الإقدام على الإجرام. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، وقال عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه}. وضرورة التعاون مع السلطات، إذ يحرم أخذ القانون باليد وإقامة الحدود من قبل الأفراد لتجنب الفوضى، بل يجب التبليغ عن المجرمين والتعاون مع رجال الأمن لتطبيق المنهج الإسلامي في مكافحة الجريمة عبر القنوات الرسمية.

المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، عن طريق تجفيف منابع الانحراف، حيث يعالج الإسلام الجريمة من جذورها عبر سد حاجات الفقراء والمحتاجين ورعاية الطبقات الضعيفة، كما حدث في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أوقف حد السرقة في عام المجاعة (عام الرمادة) لانتفاء شروط العقوبة ووجود دافع الاضطرار.

إن شدة العقوبات في الإسلام إنما هي الرحمة كلها، وإنما هي صيانة لحقوق الإنسان؛ لأننا إذا طبّقناها في رجل أو رجلين، أو امرأة أو امرأتين فإننا حفظنا بذلك حقوق الملايين، يقول تعالى {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}.
والعقوبة مهما كانت سواء أكانت عقوبة قصاص أو عقوبة تعزيز فهي العلاج الحاسم الحازم لمعالجة الشعوب، ومكافحة الجريمة، وإصلاح الأمم، وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار في ربوع الإنسانية جمعاء، والأمة التي تعيش بلا عقوبة لمجرميها فهي أمة منحلَّة متميّعة متفككة الكيان، متقطعة الروابط والأوصال، تعيش في فوضى اجتماعية دائمة، وفي تخبُّط من الإجرام المستمر.

الجريمة داء سرطاني ينخر في جسم المجتمع، مما يجعلنا ندعو إلى تضافر الجميع في مكافحته وندعو إلى إقامة حدود الله والعقوبات الشرعية في الجرائم، ففيها الضمان الأكيد في رسوخ الأمن والأمان والاستقرار، للفرد والمجتمع. كما ندعو المشرّع العربي لتضمين القوانين الجنائية مواد ونصوصا قانونية من شأنها منع الجريمة قبل وقوعها، بما يتّفق مع العقوبات الشرعية التي نصّت عليها شريعة الإسلام.