إن ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم بعد انقضاء شهر رمضان: المداومة على الطاعات حتى يتقبلها الله سبحانه، فإن من ثواب الحسنة؛ الحسنة بعدها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قلّ”.
وليعلم المسلم أن من رحمة الله تعالى به أن يوفقه للأعمال الصالحة، ثم أن يوفقه للمداومة عليها، وهذه المداومة علامة على قبول العمل الصالح، وهي جزء من ثوابه، قال الله تعالى: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} أي: ومن يعمل حسنة نؤته أجرا وثوابا، قال بعض السلف كسعيد بن جبير وغيره: “إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها”.
والمحافظة على الطاعات من صفات عباد الله المؤمنين، يقول تعالى: {الذين هم على صلاتهم دائمون}، وهي وصية من الله عز وجل لخير خلقه الأنبياء صلوات ربنا وسلامه عليهم: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}.
وإن من توفيق الله تعالى للعبد أن يحافظ على المكاسب الإيمانية التي حققها في شهر رمضان، فيلتزم بأداء الفرائض والواجبات، ويتقرّب إلى الله عز وجل بالمداومة على النوافل والطاعات، كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سمعوا خيرا من الأقوال أو الأفعال لم يدعه، فقد علّم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أهل بيته التكبير والتسبيح والتحميد، فقال سيدنا علي رضي الله عنه: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وهكذا كانت أمهات المؤمنين ونساء المؤمنات يلتزمن العمل الصالح من غير فتور أو قصور، فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “من صلى أربعا قبل الظهر، وأربعا بعدها، حرم الله لحمه على النار”، قالت: فما تركتهن منذ سمعتهن.
والمداومة على العمل الصالح لها ثمرات، فهي سبب لزيادة الإيمان؛ فكل عمل صالح يزيد الإيمان بحسَبِه؛ إن كان صغيرا أو كبيرا، قليلا أو كثيرا. وكل طاعة تجرُّ إلى غيرها، عن عروة بن الزبير قال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.
والمداومة على العمل الصالح سبب لمحبة الله تعالى للعبد، وكفى بها ثمرة وكرامة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “إن الله قال: وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه”، ففي هذا دليل على أن المداومة والاستمرار على العمل الصالح سبب لمحبة الله تعالى للعبد، وأنها سبب لتكفير الخطايا والآثام، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟”، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: “فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا”.
وفيها حفظ النفس من الغفلة؛ وقد ذمّ الله الغفلة وأهلها، ونهى عن الاتصاف بها؛ فقال: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}، فالمداومة على الطاعات وقاية من الغفلة التي تقود إلى الهلاك والخسران، والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
ومن آثار المداومة على العمل الصالح أنها سبب لحسن الختام؛ لأن المؤمن لا يزال يجاهد نفسه بفعل الطاعات وترك المحرمات، حتى يقوى عزمه، ويستقيم حاله، ويستمر على العمل الصالح حتى الممات، يقول تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}. فهكذا يجب على كل مسلم أن يتبع رمضان بالعبادات والطاعات، لا باللهو والغفلات والانطلاق إلى الشهوات والملهيات كما يفعله بعض الغافلين.
إن شهر رمضان سوق قام ثم انفضّ، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر. وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا رمضان لمحزونون. وها أنت تمضي وتُطوى صفحاتك سريعا، كأنك لم تكن إلا ضيفا خفيفا مرّ بنا، فأكرمنا ثم رحل.
ولكن، ليست العبرة بمن صام وقام فحسب، بل العبرة بمن استقام بعد رمضان. فلا تجعلوا القرآن يُهجر بعد أن كان أنيسكم، ولا المساجد تُترك بعد أن كانت ملاذكم، ولا الصدقات تُنسى بعد أن كانت طريقكم إلى الله. إنما رمضان مدرسة، نتعلَّم فيها كيف نكون قريبين من الله، فإن خرجنا منها فالأجدر بنا أن نثبت على ما تعلَّمنا، لا أن نعود لما كنّا عليه قبلها، فمن ذاق لذّة القُرب، فلا يرضى بمرارة البُعد.
اجعلوا رحيل رمضان بداية لا نهاية، ودافعا لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله. فإن كان الشهر قد رحل، فإن ربّ الشهر حيّ لا يموت، بابه مفتوح، ورحمته واسعة، وفضله لا ينقطع. اللهم تقبّل منا ما قدّمنا، واعف عمّا قصّرنا، واجعلنا من عتقائك من النار، ولا تجعل رمضان آخر عهدنا بك.
الخبر
22/03/2026 - 22:42
الخبر
22/03/2026 - 22:42
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال