اسلاميات

مخاطر إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الفرد والمجتمع

أدى ظهور مواقع التوصل الاجتماعي إلى تغيير شكل الحياة في العالم

  • 9
  • 3:39 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

 بمناسبة زيارة البابا ليون الرابع عشر الأخيرة لبلادنا، ظهرت آراء متناقضة على وسائل التواصل الاجتماعي تخوّن بعضها بعضا، وترمي البعض بالكفر والردة والشرك دون خلفية علمية رصينة، وهذا الأمر المستشري مؤخرا على وسائل التواصل الإلكترونية بالتشهير والحكم على الآخرين دون وجه حق ومن غير برهان ولا دليل تترتب عليه عواقب وخيمة دينية وأخلاقية وقانونية.

إن عدم الوعي للاستخدام الأمثل والإيجابي لمثل هذه الوسائل من شأنه أن يؤدي إلى الوقوع في كثير من المحظورات والمخاطر الأمنية والأخلاقية عبر دخول مستخدمي هذه الوسائل في علاقات مشبوهة مثل التحايل على الآخرين واستدراجهم إلى مستنقع الأفكار الهدامة والفوضى والإرهاب الفكري وغيرها من عمليات التواصل التي لا يقبلها المجتمع، ناهيك عن الشارع الحكيم، مما يجعل ضرورة التمسك بالمبادئ الدينية والوطنية والأخلاقية الكفيلة بحماية الفرد والمجتمع من أي تجاوزات قد تمس وحدة الأمة والأمن المجتمعي.
لقد أدى ظهور مواقع التوصل الاجتماعي إلى تغيير شكل الحياة في العالم، وأصبح إضافة إلى الاعتماد على وسائل تقنية المعلومات الحديثة يزداد يوما بعد يوم، سواء في المؤسسات المالية، أو المرافق العامة، أو المجال التعليمي، أو الأمني أو غير ذلك، إلا أنه وإن كان للوسائل الإلكترونية الحديثة ما يصعب حصره من فوائد، فإن الوجه الآخر والمتمثل في الاستخدامات السيئة والضارة لهذه التقنية الحديثة ومنها الإرهاب المعلوماتي أصبح خطرا يهدد العالم بأسره. إن الخطر يكمن في سهولة استخدام هذا السلاح مع شدة أثره وضرره، فيقوم مستخدمه بنشر أفكاره وهو في منزله، أو مكتبه، أو في مقهى، أو حتى من الشارع.

إن مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي على أمن المجتمعات إلى الحد الذي قد يصل إلى انتشار العنف الداخلي، من خلال تهديد الانسجام الاجتماعي والثقافي، حيث يمكن عبر وسائل التواصل الاجتماعي نشر ثقافات وتوجهات وأفكار لا تنسجم مع قيم المجتمع.
وإن من أهم الأفكار الهدامة التي يتم نشرها عبر هذه الشبكات: ازدراء الأديان والتشكيك فيها، إثارة النعرات الإقليمية، والدينية، والعرقية، والعقائدية، والطبقية، نشر الشائعات المغرضة، تحريف الحقائق بسوء نية، وتلفيق التهم، التشهير والإساءة للسمعة، السخرية المهينة واللاذعة، القذف والسب والشتم، واستخدام الألفاظ النابية والعبارات الجارحة، الدعوة للخروج على الثوابت الدينية والوطنية والمجتمعية، تشجيع التطرف والعنف والتمرد، الإباحية والانحلال والفسق والفجور، وإثارة القلاقل، والدعوة للتطبيع مع الأعداء، تصيد الزلات وتتبع العورات، اجتزاء كلام من سياقه للإساءة لمن صرح به، نشر الخرافات، إضافة إلى الادعاء بحدوث معجزات خارقة تخالف العقل والعادة.

كل هذه المخاطر وغيرها التي تبثها مواقع التوصل الاجتماعي وتداعياتها على أمن المجتمع يلزم الدول النامية ومنها بلادنا الجزائر على تبني استراتيجية شاملة وفعالة في محاربة هذه الظاهرة المتعددة المخاطر والرهانات للدول والبحث عن بدائل عدة وحلولا واقعية، وتوصيات فاعلة.

لقد أكدت الدراسات التحليلية الحديثة، أن فلسفة الوقاية من مواقع التواصل الاجتماعي تقوم على مبدأ المسئولية الشخصية والمجتمعية تجاه مكافحة الجريمة الإلكترونية، وأن لجمهور المواطنين دور في غاية الأهمية في توقي الجريمة لا يقل أهمية عن إجراءات الشرطة التقليدية وأجهزة العدالة الجنائية المختلفة. ومن ثم أضحت الدعوة لمشاركة كل أفراد المجتمع وهيئاته ومؤسساته في مكافحة مواقع التواصل الاجتماعي الهدامة، أمرا تقتضيه طبيعة المرحلة، وتفرضه متطلبات التنمية المستدامة.

ونظرا للحرية التي تعطيها هذه الوسائل لمستخدمها والفضاء المفتوح أمامه، ولضعف دور رقابة الدولة وكذلك الأسرة مما يجعلنا نعول بشكل أساسي على الوازع الديني الذاتي للمستخدم فهو خير رقيب لمن يختلي بهاتفه الذي يعد نافذة واسعة لعالم مفتوح فيه معلومات عن كل شيء، ومن باب المسؤولية الشرعية نبين فيما يلي لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أهم الضوابط الشرعية المتعلقة بهذا الاستخدام، وهي:

استشعار مراقبة الله تعالى، يقول الله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير * له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور}.
إخلاص النية، على كل مسلم يتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي أن تكون نيته قائمة على تسخيرها خدمة لدين الله والوطن وتحقيق المصالح الدنيوية التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

الالتزام بالتوجيهات الشرعية، ومعيار التصفح لهذه المواقع هو الحلال والحرام وكل ما يؤدي إليهما، فمثلا الحرص على تصفح المواقع التي تضم الفوائد الشرعية أو العلوم النافعة التي تخدمك في تخصصك العلمي أو عملك، يقابله تجنب الدخول إلى المواقع التي تنشر الرذيلة أو التي تسيء للإسلام ورموزه أو تدعو إلى الإلحاد والكفر والضلالات.

الالتزام بمنظومة القيم الإسلامية، من خلال الحرص على الالتزام بالآداب العامة والأخلاق الرفيعة، من الصدق والأمانة، والابتعاد عن الألفاظ البذيئة والسب واللعن، والتشهير بالآخرين وتتبع عوراتهم وأسرارهم الخاصة وتجنب الغيبة والنميمة، وتجنب كل ما يثير المشاحنة والبغضاء بين الناس، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء”.

التثبت من المعلومة قبل إعادة نشرها، فمواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمعلومات والأخبار التي لا يعرف مصدرها، ولذا على المسلم المتصفح أن يكون حريصا على عدم إعادة نشر المعلومة قبل أن يتثبت من صحتها، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.