اسلاميات

أهمية التضامن والوقوف إلى جانب المتضرريـن وعائلات ضحايا الحرائق

إن مواجهة هذه الكوارث مسؤولية جماعية يتحملها كل مواطن على هذه الأرض الطيبة

  • 22
  • 3:34 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

قال رسول الله ﷺ: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”، ويقول صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”.

إن القلوب لتتفطر كمدا، وإن الأعين لتدمع حزنا، مما شهدته وتشهده بلادنا الحبيبة الجزائر في هذه الأيام القاسية، من حوادث أليمة وفواجع مفجعة جراء حرائق الغابات التي طالت عدة ولايات من وطننا الغالي. مشاهد مروعة؛ ألسنة النيران تلتهم الأخضر واليابس، صرخات عائلات ثكلى تهجر مساكنها، وأرواح طاهرة تزهق، وحيوانات بريئة تحترق وهي تصارع الموت، ومحاصيل وأشجار عمرت سنينا طوالا حولت في لحظات إلى رماد هباء منثورا.

إن ما تشهده عدد من ولايات الشرق الجزائري، خاصة في جيجل وبجاية وتيزي وزو وخنشلة وميلة وقسنطينة وغيرها، لا يمكن اختزاله في كونه مجرد “حرائق صيفية”، إذا نظرنا إلى التوقيت الموحد والخسائر المسجلة..

ولقد تعدّدت الأسباب والتأويلات، لكن الشيء المؤكد أن الجزائر اليوم أمام اختبار حقيقي من نوع آخر، وليس من الحكمة أن نزيد النار نارا بتأويلات لا نملك عليها دليلا، ولا أن نحول كل حريق إلى رواية جاهزة.

ونظرا لتكرار الحرائق سنويا، وهذه السنة بشكل أوسع وأكبر على ما يبدو، بات من الضروري أن يكون هناك تحقيق فيما حصل وأن يوضع الجميع في الصورة... فالأرواح التي حصدت ليست قليلة، والغطاء النباتي الذي تآكل ليس سهل الاسترجاع، وأرزاق الناس، كلها باتت مهددة.

صحيح أن السلطات بذلت في السنوات الأخيرة جهودا معتبرة؛ من استئجار طائرات الإطفاء، وتحديث عتاد الحماية المدنية، ورفع مستوى الجاهزية والتدخل، غير أن الحرائق الموسمية لا تُواجه بردود الفعل وحدها، بل بمنظومة وطنية دائمة للوقاية والاستباق: فرق متخصصة ومدرَّبة حصريا على حرائق الغابات، وشبكة فعالة للإنذار المبكر، وخزانات مياه موزعة داخل المناطق الغابية، ومسالك مفتوحة تصل إليها آليات التدخل، وخطط دقيقة لإجلاء السكان، وتجهيز المتطوعين، ومراقبة صارمة للغابات في مواسم الخطر، وعقوبات رادعة لكل من تثبت مسؤوليته عن إشعال النار عمدا أو إهمالا. لقد آن الأوان أن ننتقل من ثقافة إطفاء الحريق إلى ثقافة منع الحريق؛ ومن انتظار الكارثة إلى الاستعداد لها؛ ومن بطولات الأفراد في مواجهة النار المشتعلة إلى قوة المؤسسات وحسن التخطيط.
كما أنه بات من الضروري أيضا، أن يتم تغيير المقاربة كليا، فهناك أدوات استشعار (محطات أرضية) وطرق حديثة والاستعانة بالأقمار الصناعية لاكتشاف بؤر أغلب الحرائق والسيطرة عليها مبكرا، وإعداد العدة البشرية والمادية كل صيف... وإن أهم ما نحتاجه هو سماع صوت المختصين وآرائهم وأن يسند الأمر إلى أهله.

رغم الألم الذي يعصر قلوبنا من هول مأساة الحرائق في بلادنا وخاصة فإن المقام مقام مواساة وإسناد ومرافقة وبذل وعطاء، وتكافل وتضامن، وإن التضامن مع ضحايا الحرائق واجب شرعي وإنساني يعكس قيم التكافل والأخوة التي بني عليها المجتمع المسلم قال النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، وإعانة المتضررين من أفضل الأعمال، لقوله ﷺ: “ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة”. وإطعام الطعام والكسوة في مثل هذه الظروف من أفضل الأعمال قال تعإلى: (ويُطْعِمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).

ومن صور التضامن العملي مع ضحايا الحرائق:

الدعم المالي: تقديم التبرعات النقدية لشراء المستلزمات الأساسية وإعادة بناء البيوت المهدمة.
الإيواء العاجل: استضافة العائلات التي فقدت منازلها وتأمين مساكن مؤقتة لهم.
الدعم العيني: توفير الغذاء، الماء، الأدوية، والأغطية بشكل فوري.
الدعم النفسي والمعنوي: مواساتهم وتذكيرهم بأجر الصبر، حيث يعتبر من مات في الحريق شهيدا في الآخرة لقوله ﷺ: “والحريق شهيد”.
المساندة الميدانية: التطوع في عمليات الإخماد، الإنقاذ، وتنظيف الآثار الناتجة عن الكارثة.

إن مواجهة هذه الكوارث مسؤولية جماعية يتحملها كل مواطن على هذه الأرض الطيبة. قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ومن أوجب صور التعاون في هذه الأيام أن يتحلى الجميع باليقظة والاحتراس، وذلك بتجنب أسباب الحرائق، كإشعال النيران في أماكن النزهات، أو رمي الزجاج والمواد القابلة للاشتعال، أو إتباع الممارسات الزراعية الخاطئة التي قد تتسبب في اندلاع الحرائق، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تتركوا النارَ في بيوتكم حين تنامون”.

والعالم يشهد كثيرا من مظاهر عظمة الله وقدرته، وكثيرا من دلائل ضعف الإنسان وشدة افتقاره إلى الله ولطفه، فلنبادر إلى التوبة والاستغفار والاعتبار، والأخذ بأسباب اللطف والعفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة. وفي مثل هذه اللحظات، لا نملك إلا أن نقف أمام قضاء الله وقدره خاشعين، نستحضر قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.

وفي هذه اللحظة العصيبة، لا ينبغي أن ننسى أيضا أولئك الذين وقفوا في وجه النار: رجال الحماية المدنية، وأعوان الغابات، وأفراد الجيش والأمن، والأطقم الطبية، والمتطوعون، وأبناء القرى الذين خاطروا بأنفسهم لإنقاذ جيرانهم وممتلكاتهم. جزاهم الله خيرا جميعا.