اسلاميات

الحرب الجارية.. بفقه السّلف حقًّا

يحتاج عقل المسلم المعاصر إلى تجديد وتسديد وتفعيل

  • 17
  • 4:21 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

يحتاج الخطاب الديني إلى تجديد وتسديد وتنقيد؛ لما أصابه من ضعف وقلة فعالية، ولما طغا عليه من تصدر الرويبضة، والإيغال في الجدال، ودوامات التشكيك التي تضربه من كل جانب، هذا الأمر محلّ اتفاق بين العقلاء والعلماء، وتقرير هذه الحقيقة لا ينفي وجود نماذج من العلماء والدعاة ينتجون خطابا دينيا ربانيا حضاريا تجديديا يستجيب لتحديات المرحلة وينير سبيل المسلم المعاصر، ويقاوم سيل الغثاء الغالب.

في المقابل يحتاج عقل المسلم المعاصر إلى تجديد وتسديد وتفعيل؛ لما غلب عليه من تقليد وجمود؛ ولما أصابه تشوّهات، ولما دهاه من شبهات، مع أن في عموم المسلمين من تفكيره سليم، بل فيهم من نظره ثاقب وفهمه عميق، بيد أن الغالبية من عامة المسلمين تشوهت فطرتهم الفكرية، وإن حافظوا على فطرتهم الإيمانية، وأبرز مظاهر تشوه الفطرة الفكرية غلبة الجدال والمراء على حياتنا، الجدال والمراء في التوافه وصغائر الأمور والقضايا، والجدال والمراء في القضايا المصيرية. وشيوع الجدال وغلبته أمارة على الضّلال، ضلال الفكر والتفكير، وقد يصل الأمر إلى ضلال العقيدة والإيمان، كما قرر ذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام في قوله: “‌ما ‌ضلّ ‌قوم بعد هدى كانوا عليه إلّا أوتوا الجدل” رواه أحمد.

ومن التشوهات الخطيرة التي أصابت عقل المسلم المعاصر، حصره الدين في العلاقة بين العبد وربه تعالى، في الأمور الاعتقادية والعبادية والأخلاقية تأثرا بالحضارة الغربية المادية العلمانية المتغلبة، وببعض (أقول: ببعض) التوجهات السلفية والصوفية التي تتفق في النتيجة معها، ومن ثم اعتقاد البعض أن الخطاب الديني يجب أن يكون محصورا في هذا المجال فقط، وعدّ كل خطاب ديني يتطرق للحياة وتقلباتها في مختلف مناحيها، والواقع وتحولاته في كل المجالات خطابا منحرفا أو مبتدعا، وقد سمعنا من يضجر من كلام الخطباء والأئمة عن غزة العزة وجهادها الملحمي بحجة أن هذا خطاب سياسي وليس دينيا، وكأنهم لا يقرؤون (أو لا يؤمنون بها) بسورة الإسراء، ونسمع من يضجر وينكر كلام بعض الخطباء عن حرب إيران والخليج التي أشعلتها أمريكا وربيبها الكيان الصهيوني الخبيث بدعوى أن هذا سياسة، خاصة وأن موضوع الشيعة في المركز منه، فلنرجع إلى القرآن والسنة ومسلك السلف الصالح لنتبين مدى ضلال وانحراف هذا التشوه والضجر.
وذلك بأن نقف وقفة عجلى مع قوله تعالى: {آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم}، ولا بد هنا أن نستحضر زمن نزول هذه الآيات وظروفه، فقد نزلت في مكة في السنة الثامنة من البعثة، والمسلمون مضطهدون في مكة، والقرآن لما ينزل كاملا بعد، ولم تنزل الآيات المشرعة لأركان الإسلام الخمسة بعد إلا ما تعلق بالتوحيد، وانظر كيف كان تعامل الصحابة معها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {آلم غلبت الروم في أدنى الأرض}، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبوبكر لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: “أما إنّهم سيغلبون”، فذكره أبوبكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبوبكر للنبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: “ألا جعلتها إلى دون –أراه قال: العشر-” قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: {آلم غلبت الروم في أدنى الأرض...} الآيات. رواه الترمذي والنسائي.
فها هو منهج القرآن واضح، وها هو منهج الصحابة خير السلف الصالح واضح جدا: القرآن الكريم في بدء الإسلام يعلم المسلمين الاهتمام بأحداث العالم السياسية والعسكرية، وتتبع أحداث الصراعات الدولية قبل أن يوجب عليهم الصيام والزكاة والحج، والصحابة الكرام، بل أفضل الصحابة الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار يتفاعل بإيجابية ويقامر المشركين على ذلك الخبر القرآني العظيم، والرسول الكريم صلّى الله عليه وسلم يشجعه على ذلك ويوجهه في اتخاذ المواقف، إذن هذه هي السنة، وهذا هو منهج السلف، وهذا هو هدي القرآن الكريم، فلو تكلم إمام أو داعية أو خطيب أو عالم عن حرب الروس وأوكرانيا أو صراع الصين وتايوان أو غيرها من الصراعات الدولية وحللها وفق سنن الله تعالى سيكون مقتديا متبعا، ومن ينكر عليه سيكون مبتدعا ضالا. وكذلك حين يتكلم إمام أو داعية أو خطيب أو عالم عن حرب الأمريكان والصهاينة ضد إيران، ويقف مع الإيرانيين -على بدعتهم الغليظة وضلالهم- ويميل إليهم ويدعو لهم بالنصر؛ لكونهم من أهل القبلة سيكون مقتديا متبعا، مهتديا بهدي الصحابة الكرام الذي أقرهم عليه النبي صلّى الله عليه وسلم، إذ جاء في رواية الإمام الطبري للحديث السابق عن ابن مسعود رضي الله عنه: “.. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم”، وعلى كل مسلم أن يحب أن تظهر إيران على أعدائها؛ لأنهم من أهل ديننا فهم أقرب إلينا وإن كان خلافنا معهم عميقا، وعليه فمن ينكر هذا فهو مبتدع ضال؛ لأنه يخطئ الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام.
إن دلالة الآيات واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وإن موقف الصحابة الكرام، وموقف النبي الكريم صلّى الله عليه وسلم أيضا أوضح ما يكون، ولكن التشوهات التي أصابت العقل المسلم، وجعلت كثيرين يستبدلون مرجعية كبار العلماء بمرجعية الكتاب والسنة، وقد اتضح أن كثيرا منها ما هم إلا كبار العملاء لسلاطينهم تجعله (أي التشوهات) لا يستسيغ الحق، ولا يتقبل حكم القرآن وهدي السنة، ولا يتبع منهج السلف؛ لعدم تقبل هواه أو هوى عالمه الذي يقلد، والذي بدوره يدور مع هوى سلطانه حيث دار، والمسكين يحسب أنه مستمسك بالحق، فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. وإن رفع شعارات براقة وادعى ادعاءات عراض.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة