العالم

الحرب على  إيران تتحول إلى متاهة إستراتيجية وتهديد عالمي

ما يزيد من ضبابية المشهد التناقض في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بين إعلان تحقيق الأهداف والتلويح بمواصلة الحرب والتحضير لعملية برية.

  • 729
  • 4:10 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

دخلت الحرب على إيران أسبوعها الثالث وسط جدل واسع داخل الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية حول أهدافها ومآلاتها. فحتى الآن، لا تبدو مبررات التصعيد جلية لعموم الأمريكيين، كما أن تطورات الصراع لا توحي بأنه يستند إلى إستراتيجية متماسكة.

ويزيد من ضبابية المشهد التناقض في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بين إعلان تحقيق الأهداف والتلويح بمواصلة الحرب والتحضير لعملية برية، في وقت تواصل إيران ضرب فلسطين المحتلة وتلحق خسائر بالجيش الأمريكي في المنطقة. ويرتفع منسوب الخطورة كون مسرح المواجهة يقع في منطقة حيوية للاقتصاد العالمي وصراع النفوذ بين القوى الكبرى.

في آخر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال إن الولايات المتحدة وجهت "ضربة قوية" لإيران. وأضاف: "قضينا على البحرية وسلاح الجو في إيران، وانتهى كل شيء تقريبا"، مبينا أن "معظم القدرات العسكرية الإيرانية اختفت ولم تعد لديهم رادارات أو أنظمة دفاع جوي تقريبا". وتابع: "لا يمكنني القول متى ستنتهي الحرب ولدي رأي خاص إزاء ذلك"، مؤكدا أن الحرب على إيران ستستمر طالما كان ذلك ضروريا، كما أشار إلى أن إيران تعرضت لدمار هائل وأن بلادهم في وضع سيئ للغاية وأن كل شيء بصدد الانهيار.

وأكثر من ذلك، ربط ترامب قرار إنهاء الحرب بشعور داخلي شخصي وليس بما يمليه الواقع العملياتي على الأرض، حيث قال في رده على سؤال خلال مقابلة هاتفية بُثّت الجمعة على برنامج "ذو بريان كيلميد شو" The Brian على راديو "فوكس"، عن موعد انتهاء الحرب: "عندما أشعر بذلك… حسنا، عندما أشعر به في عظامي". وفي وقت سابق من المقابلة، أشار الرئيس إلى أن الصراع قد لا يستمر لفترة أطول، كما أعلن قبل أيام أن الحرب تشارف على الانتهاء.

وقد أفادت صحيفة يسرائيل هيوم العبرية، نقلا عن مصدر عربي في الشرق الأوسط، بأن واشنطن ترغب في إنهاء الهجوم العسكري على إيران، حيث منح الرئيس الأمريكي تل أبيب مهلة أسبوع واحد لإنهاء حربها على الجمهورية الإسلامية. وقد توصلت إدارة ترامب إلى هذا الاستنتاج بناء على معطيات تشير إلى أن النظام الإيراني لن يسقط تحت وطأة الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

لكن في المقابل، طلب وزير الدفاع بيت هيغسيث من القيادة المركزية المسؤولة عن القوات في الشرق الأوسط إرسال مجموعة الاستعداد البرمائية مع وحدة من قوات مشاة البحرية الاستكشافية، التي تتكون عادة من عدة سفن حربية ونحو خمسة آلاف عنصر من مشاة البحرية والبحارة، مع تزايد الحديث عن احتمال عملية برية تستعد الولايات المتحدة لخوضها.

وقد أثار هذا التوجه قلقا واسعا داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية. بعد إحاطة مغلقة في مجلس الشيوخ، قال السيناتور الأمريكي ريتشارد بلومنثال: "الأسئلة كانت أكثر من الإجابات، خصوصا حول تكلفة الحرب وخطرها على الأمريكيين. ما يقلقني أننا قد نكون على طريق نشر قوات أمريكية على الأرض في إيران، ما يعرض جنودنا للخطر، كما أن هناك مخاوف من دعم روسي وربما صيني لإيران قد يزيد من خطورة التصعيد".

هذه المعطيات تكشف حجم التناقض وتطرح تساؤلات حول غياب رؤية واضحة لإدارة الحرب: هل هو غموض استراتيجي يحاول ترامب وصانع القرار الأمريكي استثماره في خلط حسابات الطرف الإيراني؟ كما أن إعلان تحقيق إنجازات عسكرية كبيرة في مرحلة مبكرة يطرح السؤال التالي: إذا كانت الأهداف العسكرية قد تحققت بالفعل، فما مبرر استمرار الحرب؟

على الجانب الآخر، تبدو تصريحات ترامب غير متماسكة ولا يدعمها الواقع العسكري، إذ لا تزال إيران تحتفظ بقدرات تمكنها من ضرب فلسطين المحتلة والقواعد الأمريكية في المنطقة بعشرات الصواريخ يوميا، ما يؤدي إلى خسائر ليست بالهينة. كما تتحدى طهران واشنطن عبر التلويح بالسيطرة على مضيق هرمز وتهديد الملاحة فيه، وهو ما قد يخنق الاقتصاد العالمي ويتكبد دافع الضرائب الأمريكي أعباء اقتصادية إضافية بسبب قرار الحرب، ما يضع ضغوطا كبيرة على إدارة ترامب ويشكك في دقة تصريحاته حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية.

هذه المؤشرات المتناقضة دفعت حتى بعض المقربين من ترامب إلى الدعوة للانسحاب من الحرب. فقد قال ديفيد ساكس، مستشار البيت الأبيض لشؤون العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي، خلال مشاركته في بودكاست، إن على الولايات المتحدة "إعلان النصر والانسحاب". وتابع: "إذا لم يسفر التصعيد عن أي نتيجة إيجابية، فعلينا التفكير في طريقة للتهدئة. أعتقد أن التهدئة قد تتضمن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أو تسوية تفاوضية مع إيران"، وفق ما أفادت به صحيفة "فاينانشال تايمز".

كما نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مستشارين مقربين من ترامب قلقهم من احتمال تحول العملية العسكرية إلى حرب طويلة قد تحمل مخاطر سياسية واقتصادية على الإدارة الأمريكية، خصوصا إذا أدت إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية. ويخشى بعض حلفاء ترامب أن تتحول الحرب إلى عبء سياسي داخلي، خاصة إذا ارتفعت أسعار النفط أو طال أمد العمليات العسكرية، ما قد ينعكس على المزاج الانتخابي في الولايات المتحدة.

ويحذر المفكر الأمريكي فريد زكريا من أن الحرب قد تمثل مثالا جديدا لما يسمى "الفخ الإمبراطوري"، أي انجذاب القوى العظمى إلى نزاعات إقليمية تستنزف مواردها دون تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة. ويشير التحليل إلى أن الإمبراطورية البريطانية خلال أوج قوتها في القرن التاسع عشر انخرطت في صراعات محلية عديدة في الشرق الأوسط وإفريقيا، ما أدى إلى استنزاف قدراتها تدريجيا رغم تفوقها العالمي آنذاك.

وبينما ترى دوائر استراتيجية أمريكية أن التحدي الأكبر لواشنطن يتمثل في صعود الصين وتنافسها التكنولوجي والاقتصادي، فإن الانخراط العسكري مجددا في الشرق الأوسط قد يشتت الموارد والاهتمام بعيدا عن هذا التحدي الأكبر. وهكذا، بينما تسعى واشنطن إلى إضعاف إيران، قد تجد نفسها أمام معضلة أوسع، حرب تستنزف مواردها وتشتت تركيزها الاستراتيجي، في وقت تتقدم الصين لفرض نفسها كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع