العالم

المخزن يبيع مستشفياته ومدارسه..

ديون مخفية ووضعية مالية على حافة الاختناق وصحة المواطنين آخر اهتماماته.

  • 1758
  • 2:16 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

في تطور يكشف الوجه الآخر الحقيقي للصورة الاقتصادية التي يسعى المغرب إلى تسويقها دوليا، فجر تحقيق نشرته مجلة "أوريان 21" الفرنسية معطيات ثقيلة بشأن ما وصفه بالديون المستترة وراء آليات "التمويلات المبتكرة"، كاشفا كيف لجأت الدولة المغربية إلى بيع مئات العقارات العمومية، بينها مستشفيات ومؤسسات تعليمية ومبان إدارية، ثم إعادة استئجارها بعقود طويلة الأمد، في عملية أتاحت ضخ سيولة مالية فورية في الخزينة، لكنها تركت وراءها التزامات مالية تمتد لعقود.

كشف تحقيق نشرته مجلة "أوريان 21" الفرنسية عن لجوء المغرب، منذ سنة 2019، إلى آلية التمويل عبر بيع العقارات العمومية، بما فيها المستشفيات والمؤسسات التعليمية والمباني الإدارية، ثم إعادة استئجارها بعقود طويلة الأمد. وبحسب التحقيق، بلغت قيمة هذه العمليات نحو 158 مليار درهم (14.6 مليار يورو)، وشملت 592 أصلا عقاريا، من بينها ستة مراكز استشفائية جامعية من أصل سبعة تابعة للدولة.

وتقوم هذه الآلية على توفير سيولة مالية فورية لخزينة الدولة مقابل التخلي عن ملكية عقاراتها، مع استمرار استعمالها مقابل أداء إيجارات دورية لسنوات طويلة، الأمر الذي سيحول الالتزامات المالية المستقبلية إلى ما يشبه ديونا مستترة لا تظهر بالكامل في مؤشرات المديونية الرسمية.

وتضيف المجلة أن الأخطر في هذه العمليات أنها لم تكن مصحوبة بمستوى كاف من الشفافية، إذ لم تنشر العقود التفصيلية التي تحدد شروط البيع وإعادة الاستئجار ومددها وقيم الإيجارات. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن طبيعة الالتزامات التي وقعت عليها الدولة، والجهات المستفيدة من هذه الصفقات، والضمانات التي تحمي المال العام من أي اختلال في التقييم أو التسعير.

وتكشف الأرقام حجم الرهان المالي الذي أقدمت عليه الحكومة المغربية، فبينما بلغت نسبة الدين العمومي الرسمي 67.1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2025، يرى التحقيق أنه إذا أضيفت قيمة عمليات التفويت وإعادة الاستئجار إلى احتساب المديونية، فإن النسبة قد ترتفع إلى 75.9 بالمائة، وفق منهجية الحساب التي اعتمدها معد التحقيق. وهذا تقدير تحليلي وليس رقما رسميا معتمدا من المؤسسات المالية الدولية، لكنه يسلط الضوء على الفجوة المحتملة بين الدين المعلن والالتزامات المالية المستقبلية.

أما على مستوى عجز الميزانية، فيشير التحقيق إلى أن المغرب سجل عجزا بقيمة 60.5 مليار درهم سنة 2025، غير أن هذا الرقم احتسب ضمن الإيرادات 40.1 مليار درهم متأتية من عمليات التمويل المبتكر. وبحسب إعادة الاحتساب التي قدمها التحقيق، كان العجز سيبلغ 100.6 مليار درهم، أي ما يعادل 5.58 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، بدلا من النسبة الرسمية المقدرة بـ3.5 بالمائة.

وما كشفته "أوريان 21" يضع النموذج المالي المغربي أمام اختبار حقيقي: هل يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي مستدام بينما تتحول المستشفيات والمباني العمومية إلى أدوات لتوفير السيولة؟ وهل يكفي تحسين الأرقام المعلنة إذا كانت كلفة ذلك ستتحملها ميزانيات قادمة وأجيال لم تشارك في اتخاذ هذه القرارات؟

حين تضطر الدولة إلى بيع ممتلكاتها العمومية ثم استئجارها من جديد، فإن السؤال لم يعد عن حجم الأموال التي دخلت الخزينة، بل عن حجم الثروة التي خرجت منها، وعن الفاتورة التي ستبقى مفتوحة أمام المغربيين لسنوات طويلة.