في تصعيد غير مسبوق يتجاوز حدود الولايات المتحدة، تتشكل موجة رفض عالمية متنامية للحرب على إيران، حيث خرج ملايين الأمريكيين إلى الشوارع في أكبر احتجاجات منذ سنوات، تزامنا مع مظاهرات لافتة داخل الكيان الصهيوني ضد حرب "بلا هدف"، في وقت تتسع دائرة الرفض الدولي لتشمل حلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا وقوى كبرى، على غرار روسيا والصين.
وشهدت الولايات المتحدة، السبت، واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث، حيث شارك ملايين المتظاهرين في أكثر من 3200 تجمع تحت شعار "لا للملوك". وقدرت أعداد المشاركين بما بين 8 و9 ملايين شخص، مقارنة بـ5 ملايين في جوان و7 ملايين في أكتوبر، ما يعكس تصاعدا مستمرا في وتيرة الغضب الشعبي. ولم تقتصر الاحتجاجات على المدن الليبرالية، بل امتدت إلى معاقل الجمهوريين، في مؤشر واضح على تصدع القاعدة التقليدية للرئيس.
وعمت التظاهرات الولايات الخمسين، مع تسجيل زخم استثنائي في نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس ودالاس ومينيسوتا، حيث رفعت شعارات تحذر من "حرب جديدة بلا مبرر" وتندد بالانخراط العسكري خارج الحدود، مع مخاوف متزايدة من تكرار سيناريوهات حروب مكلفة بشريا واقتصاديا، على غرار حروب فيتنام والخليج وأفغانستان. أما في فلوريدا، فقد شكلت التظاهرات في منطقة "ذا فيليغز"، المعقل الجمهوري، ضربة رمزية قوية، بعد مشاركة آلاف المحتجين في أكبر تجمع تشهده المنطقة. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع في بعض المواقع لتفريق محتجين قرب مراكز احتجاز فيدرالية.
كما شكلت سياسات الهجرة المتشددة نقطة اشتعال، خاصة بعد مقتل مواطنين أمريكيين برصاص عناصر من إدارة الهجرة، ما أعاد الجدل حول ممارسات هذه الأجهزة ودفع المحتجين إلى رفع شعارات تندد بتحول البلاد إلى "دولة بوليسية".
رغم تقليل البيت الأبيض من شأن الاحتجاجات، إلا أن آثارها بدأت تتجلى بوضوح في المشهد السياسي الأمريكي، حيث تراجع تأييد الرئيس دونالد ترامب إلى نحو 36٪ وفق استطلاعات حديثة، وهو من أدنى مستوياته منذ عودته إلى البيت الأبيض. ولا يقتصر التأثير على نسب التأييد فقط، إذ تشير المعطيات إلى تسجيل أرقام قياسية في تسجيل الناخبين، خاصة في ولايات حاسمة مثل بنسلفانيا وجورجيا وأريزونا، ما يعزز فرضية أن هذا الحراك الشعبي قد يتحول إلى قوة انتخابية فاعلة في انتخابات التجديد النصفي الحاسمة شهر نوفمبر القادم، مع امتداد الاحتجاجات إلى مناطق تعد معاقل تقليدية لحزب ترامب، ما يعكس تحولات داخل القاعدة الانتخابية، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة، مع توقعات بهزيمة تاريخية للجمهوريين في استحقاقات نوفمبر القادم.
احتجاجات داخل الكيان
ومع استمرار الغضب في الولايات المتحدة، بدأ الكيان الصهيوني، الحليف المباشر في الحرب والمتضرر من الرد الإيراني بالصواريخ، يشهد احتجاجات تعكس انقسام الرأي العام حول استمرار الحرب، حيث خرج مئات المتظاهرين في عدة مدن في أكبر موجة احتجاج منذ اندلاع الحرب في 28 فيفري.
ورغم أن الدعم الشعبي للحرب لايزال مرتفعا عند نحو 78%، فإن نسبة المعارضين سجلت ارتفاعا لافتا من 4% إلى 11.5% خلال شهر واحد فقط، ما يعكس بداية تحول تدريجي في الرأي العام، حسب مراقبين.
ولم تكن الاحتجاجات التي شهدتها شوارع تل أبيب وحيفا والقدس مجرد اعتراض على الحرب كظاهرة عابرة، بل كانت موجهة بشكل صريح ومباشر ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية. ورفع المتظاهرون، الذين قمعتهم الشرطة بعنف واعتقلت العشرات منهم، شعارات تدعو إلى رحيل نتنياهو فورا، متهمين إياه بإشعال حرب على إيران بهدف الهروب من محاكمات الفساد وتمديد بقائه في السلطة.
عزلة دولية متصاعدة
على الصعيد الدولي، تتسع دائرة الرفض بشكل متسارع، سواء على مستوى الحكومات أو الرأي العام. ففي بريطانيا، خرج عشرات الآلاف في مظاهرات حاشدة بلندن، في مؤشر واضح على اتساع رقعة المعارضة الشعبية للحرب خارج الولايات المتحدة، في وقت أظهر استطلاع للرأي أن 49٪ من البريطانيين يعارضونها مقابل 28٪ فقط يؤيدونها. كما أعلنت عدة حكومات أوروبية، من بينها بريطانيا وألمانيا، رفضها المشاركة، مؤكدة أن "هذه ليست حربها". وكانت إسبانيا من أوائل الدول التي عبّرت عن موقف حاد، محذرة من تكرار سيناريو غزو العراق ومشددة على أن "الصمت أمام حرب غير عادلة هو جبن".
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال