العالم

هكذا تعيد حرب إيران تشكيل قواعد اللعبة الطاقوية

بعد أن سادت نظرية "صدمة العرض" التي صاغها مايكل بوسكين لفهم العلاقة بين السياسة والطاقة، تم تجاوز اليوم هذه النظرية الكلاسيكية.

  • 443
  • 3:36 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

شكّل شهر مارس 2026 لحظة فارقة في تاريخ أسواق الطاقة العالمية، ففي غضون أربعة أسابيع فقط، قفزت أسعار خام برنت بنسبة 63 بالمائة، مسجلةً أكبر مكسب شهري منذ عام 1988، وفق بيانات شبكة "سي إن بي سي" الأمريكية. ولم تكن هذه القفزة وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة مباشرة لحرب مفتوحة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم هو مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي يمر عبره نحو 15 مليون إلى 20 برميل يومياً من الإمدادات النفطية، قبل أن تتحول الحرب إلى كابوس لوجستي يعيد تشكيل موازين القوى العالمية.

لكن مع مطلع أفريل 2026، بدأت الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، حيث هبط خام برنت إلى حدود 101.35 دولاراً، وخام غرب تكساس إلى 98.69 دولاراً، مدفوعة بتصريحات أمريكية وإيرانية توحي بقرب التوصل إلى حل دبلوماسي.

وبعد أن سادت نظرية "صدمة العرض" التي صاغها مايكل بوسكين لفهم العلاقة بين السياسة والطاقة، تم تجاوز اليوم هذه النظرية الكلاسيكية، فإيران لم تكتفِ باستخدام النفط سلاحاً بالمعنى التقليدي (كما فعلت الدول العربية في 1973)، بل طورت إستراتيجية أكثر تعقيداً من خلال تحويل مضيق هرمز إلى ساحة حرب غير متكافئة، حيث يُستخدم التهديد المستمر والهجمات المحدودة مثل استهداف ناقلات النفط للحفاظ على حالة من "اللااستقرار المدار".

وجاءت التصريحات الإيرانية الأخيرة حول الاستعداد لإنهاء الحرب، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية عن الرئيس مسعود بيزشكيان، لم تكن مجرد دعوة للسلام، بل جاءت مشروطة بإعادة التأكيد على مطالب طهران: إنهاء النزاع على جميع الجبهات، والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز. هذا الطرح يعكس تطبيقاً لمقاربة "المساومة المتشددة" التي تفيد بأن الطرف الأضعف أي إيران يستخدم الورقة القوية بيده أي المضيق لانتزاع اعتراف دولي بوضعه كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

أما الإدارة الأمريكية، فتصريحاتها كانت متأرجحة بين التهديد والتطمين. فمن جهة، قال الرئيس ترامب إن الولايات المتحدة "لن تبقى هناك لفترة أطول"، واصفاً الحملة ضد إيران بأنها "إبادة كاملة". ومن جهة أخرى، هدد بتدمير محطات الكهرباء ومنشآت النفط وحتى البنية التحتية لتحلية المياه إذا لم تعد إيران فتح المضيق. هذا التباين يعكس مقاربة "الردع بالغموض"، حيث يبقى الخصم في حالة ترقب دائم، مما يعزز النفوذ التفاوضي للولايات المتحدة.

وفي ظل عدم اليقين السائد، تظل أسعار النفط تحت الضغط، فقد ظلت الأسعار متأرجحة، بمنحى منخفض، حيث بلغ برنت بحر الشمال مساء أمس 101.8 دولار للبرميل بخسارة -2.16 دولار وبلغ خام غرب تكساس الوسيط 99.31 دولارا للبرميل بخسارة -2.07 دولار.

من جانب آخر، تسود تطبيقات الحرب غير المتكافئة في الحرب التي تشهدها منطقة الخليج، مع استهداف ناقلة "السالمي" في ميناء دبي، والهجمات بطائرات مسيّرة على سفن قرب العراق، والاعتداءات الصهيونية على أهداف في طهران وميناء بهمن في جزيرة قشم، وكلها تشكل نموذجاً لمقاربة "القتال متعدد الأبعاد" فإيران لا تواجه الولايات المتحدة والكيان في معركة تقليدية، بل تمدّد الصراع إلى الفضاء البحري واللوجستي وحتى إلى حلفاء واشنطن في المنطقة، مما يرفع تكلفة الصراع على الجميع.

الملاحظ أن إيران تحافظ على مستوى معين من التصعيد لا يصل إلى حرب شاملة، لكنه كافٍ لإبقاء أسعار النفط مرتفعة (ما بين 100 و120 دولاراً) وإبقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية قائمة وفق منظور يتم من خلاله استخدام الدولة الصراع كوسيلة ضغط مستمرة بدلاً من حسمه نهائياً.

ويظل شهر مارس 2026 محفوراً في ذاكرة المتعاملين: خام برنت أنهى الشهر عند 118.35 دولاراً، مسجلاً مكاسب 63%، فيما حقق الخام الأمريكي أفضل أداء شهري منذ ماي 2020 بنسبة 51%. لكن مع مطلع أفريل، تغيرت المعادلة مع تراجع برنت إلى 101.35 دولاراً، ووصل غرب تكساس إلى 98.69 دولاراً، مع تصريحات دبلوماسية خففت من علاوة المخاطر.

وكانت أحد المؤشرات الأكثر دلالة على استمرار الأزمة هو الفارق الكبير بين عقد خام برنت تسليم ماي (الذي سوي عند 118.35 دولاراً) والعقد الأكثر نشاطاً لشهر يونيو (الذي أغلق عند 103.97 دولاراً). هذا الفارق الذي يصل إلى نحو 14 دولاراً يعكس أن السوق تتوقع أن تستمر الاضطرابات على المدى القريب، لكنها تراهن على انفراج تدريجي.

يأتي ذلك في وقت حذّر تقرير بنك "سوسيتيه جنرال" من أن "مع خروج ما يقرب من 15 مليون برميل يومياً من الإمدادات القادمة من الخليج، ارتفاع وتيرة إغلاق المصافي وتزايد المخاطر على البنية التحتية"، فإن متوسط سعر برنت في أبريل قد يصل إلى 125 دولاراً، مع احتمالات واقعية لارتفاعه إلى 150 دولاراً. وهذا يتسق مع تحذيرات "غولدمان ساكس" و"أوبك" من أن الأسواق ستظل تحت مجهر التقلبات خلال الربع الثاني.

بالمقابل، استقرت أسعار الغاز عند 2.83 دولار لكل مليون وحدة حرارية، متأثرة بانخفاض الطلب الموسمي مع دخول الربيع، لكن هذا الاستقرار قد يكون مؤقتاً، خاصة أن إغلاق مضيق هرمز يؤثر أيضاً على شحنات الغاز الطبيعي المسال، كما تظهر بيانات شركة إيناغاس الإسبانية التي تشير إلى اعتماد أوروبا المتزايد على واردات الغاز عبر الممرات البحرية.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع