العالم

أوروبا على وقع هواجس الحرب الهجينة

تبدو القارة العجوز وكأنها تستعد لأسوأ السيناريوهات.

  • 867
  • 4:08 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في تحول استراتيجي غير مسبوق منذ الحرب الباردة، لم تعد أوروبا تنظر إلى الحرب الروسية على أوكرانيا كأزمة إقليمية بعيدة، بل كجبهة أمامية لمواجهة أوسع قد تمتد إلى أراضيها. فبين هجمات هجينة تضرب المطارات الألمانية وتحذيرات من "تعبئة خفية" روسية على الحدود الشرقية وسباق تسلح نووي يلوح في الأفق، تبدو القارة العجوز وكأنها تستعد لأسوأ السيناريوهات، وتتوزع خريطة الاستعدادات من بولندا على الجناح الشرقي إلى غرينلاند في أقصى الشمال، في مؤشر على أن حسابات الأمن الأوروبي قد تغيرت جذريا.

تقع بولندا في قلب العاصفة، فهي دولة مجاورة لأوكرانيا وبيلاروسيا الحليفة لموسكو، وتشكل الممر الرئيسي للدعم الغربي  إلى كييف. ومن هذا الموقع الحساس، حذّر رئيس الوزراء دونالد توسك من أن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أن الخطط الروسية تتضمن ضربات "هجينة" ضد الدول الداعمة لأوكرانيا، بما في ذلك بولندا نفسها. وقال توسك أمام البرلمان: "هناك خطر حقيقي من أن تسقط مسيّرات على أراضي دولة أو أكثر من دول الجناح الشرقي للناتو"، مضيفًا أن الرواية الروسية الرسمية ستكون أن الأمر "حادث".

ويكشف الوضع البولندي عن فجوة بين الاستعداد العسكري والجاهزية المدنية. فبحسب التقارير، لا تتجاوز نسبة السكان الذين يمكنهم الوصول إلى ملاجئ نحو 4%، بينما تواجه السلطات تحديات في إقناع السكان بأخذ الإنذارات الجوية على محمل الجد، خاصة في مناطق اعتاد سكانها على سماع التحذيرات دون وقوع هجمات مباشرة.

وفي العمق الاستراتيجي للأزمة، تتزايد المخاوف من أن موسكو لا تستعد فقط لتعزيز قواتها في أوكرانيا، بل لزيادة وجودها العسكري على طول حدودها الغربية مع الناتو. وتنقل تقارير استخباراتية غربية أن السلطات الروسية تعمل على تجهيز الآليات الإدارية التي قد تسمح بتجنيد آلاف إضافيين في القوات المسلحة، دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار نهائي بالتعبئة.

وتتزامن هذه المخاوف مع تحذيرات أوروبية من احتمال اتساع ما تصفه دول غربية بالأنشطة الروسية الهجينة، وسط مخاوف من أن تؤدي أي تعبئة جديدة إلى تعزيز الانتشار العسكري الروسي على الحدود الغربية، وليس بالضرورة في أوكرانيا وحدها. وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الكرملين قد يختبر تماسك الناتو.

وفي باريس، أشار الرئيس إيمانويل ماكرون أن التهديد الروسي الهجين ضد فرنسا وأوروبا "اشتد" خلال الأسابيع الأخيرة، موضحًا أن الهدف منه هو ترهيب الدول الأوروبية وإضعاف دعمها لأوكرانيا، وأمر ماكرون بإعداد خطط لحماية البنية التحتية الحيوية والصناعات الدفاعية.

ولا يقتصر الأمر على فرنسا، ففي بريطانيا تصاعد الحديث عن الحاجة إلى رفع الإنفاق الدفاعي والاستعداد لسيناريوهات صراع محتملة، فيما بدأت الحكومة تسريع خطط الطوارئ المدنية وإعادة صياغة "كتاب الحرب" السري الذي يحدد ترتيبات الدولة في حال اندلاع أزمة أو نزاع واسع. ويعكس هذا التحرك البريطاني إدراكًا متزايدًا بأن الحرب الهجينة لا تحتاج إلى إعلان رسمي، وأن الاستعداد لها يبدأ من المستوى المدني قبل العسكري.

وبينما تستعد دول أوروبية لسيناريوهات مواجهة تقليدية، تتسع المخاوف من أن تلجأ موسكو إلى أدوات غير تقليدية وتشير تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) إلى أنه بجانب "قرع الطبول النووية" من جانب  موسكو، ركزت إشارات روسية أيضا على سرديات مرتبطة بالسلاح النووي في أوكرانيا وخارجها.

غرينلاند والقطب الشمالي: الجبهة الباردة الجديدة

في أقصى الشمال الأوروبي، تنتقل الاستعدادات إلى منطقة القطب الشمالي، فقد شاركت قوات من 11 دولة في حلف الناتو في مناورات "الدرع القطبي" (Arctic Shield 2026) في غرينلاند، بمشاركة أكثر من 400 عسكري ضمن جهد أوسع لتعزيز الوجود العسكري للحلف في المنطقة.

ويأتي هذا التحرك في وقت أصبحت فيه غرينلاند محورا للتنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، مع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة وزيادة النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي. ووفقا للتقارير يركز الناتو على تحويل جناحه الشمالي إلى منطقة "يصعب استهدافها"، من خلال تدريب القوات على القتال في الظروف القطبية وتعزيز قدراتها في المراقبة والطائرات المسيّرة والعمليات البرمائية.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند في موقعها الجغرافي الفريد بين أمريكا الشمالية ومنطقة القطب الشمالي، مما يمنحها دورًا محوريًا في أنظمة الإنذار المبكر في حال وقوع هجمات صاروخية، وكذلك في مراقبة حركة السفن في المنطقة. وتدير الولايات المتحدة "قاعدة بيتوفيك الفضائية" (المعروفة سابقا بقاعدة ثولي الجوية) منذ الحرب العالمية الثانية، والتي تتولى حاليا مهام رصد الصواريخ. كما تزايد الاهتمام بالموارد الطبيعية في الجزيرة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم والحديد، مما يضيف بُعدًا اقتصاديًا للتنافس الاستراتيجي.

وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع الدانمارك وغرينلاند يمنح الولايات المتحدة "سيطرة دائمة" على الأمن و"كل الاحتياجات الأخرى" في الجزيرة. وقال ترامب في منشور على منصته "تروث سوشيال": "يسرني أن أعلن أن الولايات المتحدة الأمريكية أبرمت اتفاقًا مع مملكة الدانمارك وغرينلاند، يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الأمن وكل الاحتياجات الأخرى في غرينلاند". وأضاف: "من الآن فصاعدًا، لن يكون باستطاعة أي خصم للولايات المتحدة إنشاء قاعدة في غرينلاند على الإطلاق أو أن يكون له وجود عسكري فيها أو القيام باستثمارات حساسة هناك، دون الحصول على موافقتنا الخطية الصريحة".

وتحاول الإدارة الأمريكية تسويق هذا الاتفاق بوصفه انتصارًا يكرس سيادتها الأمنية ويقطع فرص النفوذ الصيني والروسي.

وبين التحذير من التعبئة الروسية وتصاعد الهجمات الهجينة والاستعدادات البولندية وتعزيز الجناح القطبي للناتو وتحديث القدرات البريطانية، تبدو أوروبا وكأنها تنتقل تدريجيًا من مرحلة التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية كأزمة إقليمية إلى الاستعداد لاحتمال مواجهة أوسع. ولا يعني ذلك أن حربًا مباشرة بين روسيا والناتو باتت حتمية، لكنه يعكس تغيرًا واضحًا في حسابات الأمن الأوروبي، حيث أصبحت الاستعدادات العسكرية والمدنية جزءًا من التعامل مع خطر تعتبره الحكومات الأوروبية أكثر اتساعًا وتعقيدًا من مجرد استمرار القتال داخل أوكرانيا.