العالم

ترامب يكشف عورات القوة الأمريكية

راهنت واشنطن على العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية لإجبار طهران.

  • 2701
  • 2:48 دقيقة
الصورة: وكالات
الصورة: وكالات

كشفت المواجهة مع إيران عن حدود القوة الأمريكية في فرض النتائج على الأرض، فمنذ اعتماد إدارة دونالد ترامب سياسة "الضغط الأقصى"، راهنت واشنطن على العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، وكان الفشل الأكبر خلال العدوان العسكري الذي استطاعت إيران أن تمتص صدمته الأولى، واستطاعت أن تتفوق استراتيجيتها على القوة العسكرية الأمريكية الصهيونية، ما أفقد الاستراتيجية الأمريكية فعاليتها المرجوة.

هذا الفشل النسبي امتد إلى المجال السياسي والدبلوماسي، حيث تراجع الإجماع الدولي حول النهج الأمريكي، وبرزت تباينات واضحة بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين الذين فضلوا الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة.

وفي المقابل، نجحت طهران في توظيف هذا التباين لتعزيز موقعها التفاوضي، مستفيدة من صمودها الداخلي ومن قدرتها على فرض كلفة متزايدة على خصومها، بإلحاق ضرر غير مسبوق بالكيان الصهيوني ووضع واشنطن في مأزق استراتيجي بضربها المنشآت النفطية بدول الخليج دون أن توفر الولايات المتحدة الحماية المطلوبة لها، ولأدل على ذلك تسيير طهران قبضتها على مضيق هرمز وفرضت على الدول التفاوض معها مقابل السماح للسفن بالمرور.

ويبدو أن الانتقال نحو التفاوض لم يكن خيارا بقدر ما كان نتيجة انسداد الأفق أمام خيارات أخرى، فمع تراجع فعالية العقوبات واستبعاد الخيار العسكري الشامل بسبب كلفته العالية، باتت العودة إلى طاولة الحوار ضرورة أكثر منها خيارا.

وفي موازاة ذلك، يواجه دونالد ترامب تآكلا متزايدا في رصيده التفاوضي نتيجة مواقفه المتناقضة وتصريحاته المتضاربة. فبينما أعلن في أكثر من مناسبة عن وقف استهداف المواقع الطاقية والدخول في مسار تفاوضي، عادت الولايات المتحدة لتنفيذ ضربات استهدفت مواقع حساسة، من بينها بوشهر، في خطوة أربكت الرسائل السياسية وأضعفت مصداقية واشنطن. هذا التذبذب لا يمر دون كلفة، إذ يمنح إيران مبررا إضافيا للتشدد، ويعزز قناعتها بأن الضغوط العسكرية تُستخدم كورقة تفاوضية، ما يدفعها إلى رفع سقف شروطها قبل أي انخراط جدي في المفاوضات.

وتبرز باكستان كقناة تفاوضية محتملة ومعلوم أن باكستان حليفة لكل من العربية السعودية وتركيا، هذا التطور يعكس إعادة تشكيل خرائط الوساطة في المنطقة، إذ تتقدم إسلام آباد كلاعب دبلوماسي صاعد، في وقت كانت فيه أدوار الوساطة تقليديا من نصيب دول مثل سلطنة عمان.

ويشير هذا التحول إلى تغير أعمق في موازين القوى الإقليمية، حيث لم تعد الوساطة حكرا على أطراف محددة، بل أصبحت جزءا من تنافس أوسع على النفوذ السياسي والدبلوماسي.كما يعكس سعي بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تموضعها في ضوء التحولات الجارية، سواء عبر دعم مسارات التهدئة أو من خلال لعب أدوار الوسيط بين أطراف النزاع.

غير أن هذه المفاوضات تنطلق في ظروف أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، حيث يتمسك كل طرف بسقف مرتفع من المطالب، ما يجعلها أقرب إلى صراع إرادات منها إلى عملية تسوية تقليدية. فإيران تدخل من موقع تعتبره متقدما، مستندة إلى صمودها وقدرتها على الردع، بينما تحاول الولايات المتحدة استعادة زمام المبادرة دون تقديم تنازلات كبرى، وهو ما يخلق توازنا هشا قد يطيل أمد التفاوض أو يعرقله.

من جهة أخرى، تبرز تساؤلات جدية حول الفرص التي ضاعت في مراحل سابقة، خصوصا خلال قنوات الوساطة التي وفرتها سلطنة عمان، حين كانت الظروف أكثر ملاءمة للتوصل إلى تفاهمات أقل كلفة وأكثر استقرارا. التأخر في استثمار تلك اللحظة منح طهران وقتا لتعزيز أوراقها، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي، وقلّص في المقابل هامش المناورة أمام واشنطن.

إقليميا، تعكس هذه التطورات حالة من إعادة تشكل موازين القوى، حيث باتت دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، أكثر عرضة لتداعيات التصعيد، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. كما أن صورة الاستقرار التي ارتبطت بمراكز حيوية مثل دبي تواجه اختبارا حقيقيًا في ظل هذه التحولات، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه الدول على التكيف مع بيئة إقليمية أكثر اضطرابا.