حاوره: عبد الحكيم قماز
أكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، البروفسور مبروك زيد الخير، في حوار لـ "الخبر"، أن زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر للجزائر هي "زيارة دولة لدولة، يقوم بها قداسة البابا إلى الجزائر، وزيارة متميزة وحدث بارز، ذات أهمية كبيرة وحمولة أثيرة"، مفادها أن "أوغسطين للإنسانية"، و"أن مسيحيته لم تمنعه ليكون رمزا قداسيا وفكريا، يضطلع بنشر قيم الخير والعدل والسلام"، ملفتا إلى أن غاية الزيارة "نشر رسالة التسامح بين الحضارات، والتلاقح بين الثقافات، خاصة وأن أرض الجزائر، كانت على مرّ العصور مُعتزّة بإسلامها العميق، وعرقها العربي الأمازيغي العريق، ولن يكون لهذا التزاور بين الفاتيكان والجزائر تأثير على المساس بالخصوصية، ذلك أن الشعب الجزائري، يُفاخر بدينه الإسلامي المجيد، ويراه عامل وِحدة، وصمّام أمان، وإسمنتًا متماسكا، يعكس وحدة الجزائر، وحضارتها الراقية".
كيف تنظرون إلى دلالات زيارة بابا الفاتيكان للجزائر؟
. بادئا ذي بدء، أشكر جريدة "الخبر" التي أتاحت لنا الفرصة للكلام في هذا الموضوع الهام، والمتعلّق بزيارة قداسة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر للجزائر، وهي زيارة متميزة وحدث بارز، نظرا لكونها الأولى من نوعها، في توطيد العلاقات ووشائج التواصل بين الجزائر ودولة الفاتيكان، باعتبار الموقع الحضاري والجغرافي للجزائر التي هي بوابة إفريقيا، وقد كانت عبر العصور ذات مكانة حضارية رائدة، تعكس تاريخها الماجد، وإسهامها في بناء الحضارة الإنسانية، ودورها في السّلام الإفريقي والعالمي المنشود.
وعليه، فإن دلالات هذه الزيارة ستكون بارزة بالنظر إلى مكانة البابا السامية في العالم، وارتباطه روحيا بالقدّيس أوغسطين، الذي بقي أثره في التاريخ الجزائري كعنوان للسلام والتسامح وإشاعة روح المحبة بين بني البشر، وكون القديس أوغسطين ميراثا موغلا في العراقة، يعكس البعد الإفريقي والمتوسطي الذي يجمع الإنسانية قاطبة على الوفاء للقيم الروحية التي تختص بها كل ديانة سماوية، مع بقاء الخصوصية والاستثمار في نقاط التواصل التي تعتمد على الحوار البنّاء وتكريس سماحة الدين الإسلامي، والمجادلة بالتي هي أحسن، في إطار الاحترام المتبادل، والتَّوق إلى مستقبل للبشرية، مُسيّج بالمحبة والسلم والتعاون على ما فيه النفع والرفع لبني الإنسان، بوعي وحصافة وتفاؤل، بترقية الحاضر، وحصانة المستقبل.
كيف يمكن أن تعكس زيارة البابا صورة الجزائر كبلد للتسامح والتعايش الديني؟
. إن الجزائر بموقعها الاستراتيجي في شمال إفريقيا، وبوجودها على الضفة المقابلة لأوروبا، لَتُمثّل جسرا للتواصل بين الحضارتين الإفريقية والأوروبية، وهي ذات بعد استراتيجي شامل، لا يقتصر على الطابع الديني الصرف، أو الطابع البروتوكولي المغلق، بل تعكس المكانة المتميزة للجزائر جيوسياسيا، في واقع عالمي مُتَماوَج، تتسارع فيه الأحداث، وتتصادم فيه الإرادات، لتشكيل جديد لموازين القوى العالمية، ولا ريب أن الجزائر هي المعبر الاستراتيجي الآمن لدول الساحل، وعمق إفريقيا، في ذلك الفضاء الذي يشهد تحديات معقدة، ومشاكل تنموية واقتصادية وأمنية، تتشابك فيها المصالح والأبعاد، مما حدا بالجزائر أن تُوائم بين البعد الاستراتيجي الأمني، والمنحى الاقتصادي التنموي، مادّة يدها للشعوب الإفريقية في كل الأزمات، ومع توالي الضغوطات والتحولات، لضمان حزام آمن، وواقع مستقر، يحقق أمان كل الدول واستقرارها.
كما أن الفاتيكان، بما يمثله من قداسة روحية، ومرجعية دينية، في العالم المسيحي المترامي الأطراف في شتى أنحاء المعمورة، وما يمتلكه من سلطان معنوي على الشعوب المسيحية في إفريقيا، يمكن أن يسهم في بناء العلاقات السلمية بين الشعوب، لتتجاوز الزيارة المعنى البروتوكولي، رجاء ترقية وشائج التعاون على ترسية السلام، وإشاعة المحبة، وتحقيق التكامل بين الشعوب، من أجل توفير الغذاء والدواء، وحماية الأوطان من التحرش والغزو والتعنت القائم على الصدام والتناوش والشنآن.
والجزائر بلد قائم في سياسته على احترام الآخر، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين، وملتزِم باحترام الديانات، وتكريس سماحة الإسلام في بناء الجسور بين الأمم، وجعل المنحى العقائدي سبيلا للمحبة، وحفظ الحقوق، والالتزام بقواعد التواصل والتعارف وتبادل المنافع، بصورة إيجابية وحيوية فعالة.
كيف يمكن لشخصية القدّيس أوغسطين المساهمة في تعزيز التقارب الإسلامي المسيحي؟
. إن القديس أوغسطين أشهر ممثل للكنيسة الكاثوليكية، وهو من أرض الجزائر الماجدة، فقد ولد بمدينة "تاغاست" التي تسمى حاليا (سوق أهراس) سنة 354م، وتوفّي بمدينة "هيبون" المسماة حاليا (عنابة)؛ وهو رجل دين من الطراز الرفيع في التاريخ المسيحي. ولا شك أن التاريخ الجزائري يَعجّ بعباقرة آخرين أمثال: أبوليوس، ويوغرطا، ويوبا الثاني، وماسينيسا، في الأحقاب التاريخية القديمة.
ويعتبر القديس أوغسطين من أبرز هذه الشخصيات، وأكثرها تأثيرا وفاعلية وعمقا. لقد كتب كمًّا هائلا من الرسائل والخطب والمواعظ، مما كان له بُعد فكري رائد، وقدرة على تمثل الواقع والمُتوقَّع. وكان مضطلعا بدوره كأسقف مسيحي، وترك كتابه الشهير (مناجاة النفس)، الذي يؤهّله باقتدار أن يكون فيلسوفا عميق الفكر والمنهج. ولا شك أن أثره التاريخي في الجزائر سيكون فرصة لدراسة المعالم الحضارية لهذا البلد المعطاء على مدى الزمان، وهو عطاء يرقى إلى مستوى العالمية، ويعبّر عن أحقاب مضيئة بالفكر والفلسفة والدين، مما يتكامل فيه الدور الحضاري مع الفتح الإسلامي الذي غطى بتأثيره وسماحته وروحانيته على اهتمام الجزائريين قاطبة، فكانت الأغلبية الساحقة مسلمة.
ولا شك أن نفض الغبار عن عظماء الجزائر وعباقرتها في ذلك الزمن السحيق، سوف يجدد الديناميّة التاريخية، ويعكس حركية العطاء المتجدد عبر القرون لهاته الأمة الراسية بِقِيَمها ومبادئها وعطائها، على هذا الحيّز الجغرافي في شمال إفريقيا. إن أوغسطين ميراث تفتخر به الأمة الجزائريّة في تاريخها العريق السامق، والتنويه بمكانته وأثره الثقافي والريادي لا يعني تبني مسيحيته، بل ذلك الاحتفاء مقتصر على الدعوة إلى السلام مع الذات ومع الآخر، والتناغم مع الطبيعة والبيئة والكون، وهي مبادئ راقية يدعو لها الإسلام وتُنوِّه بها كل الديانات عبر التاريخ. ولا مندوحة من فهم الرسائل التي تتمخّض عنها مثل هذه الزيارات، باعتبار النظرة المتسامحة للعلاقة مع أتباع الدين المسيحي، والتي يبلورها قوله تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} المائدة الآية 82.
فالدِّين واحد جوهره الإسلام لله تعالى، والديانات كثيرة، تنوّعت بتنوع الكتب السماوية وتتابع المرسلين بها لهداية الناس عبر العصور. وقد أعطى النبي صلّى الله عليه وسلم الفرصة لنصارى نجران، فاستقبلهم في مسجده الشريف، وأبان موقفه عن تسامح منقطع النظير. وهو يجسّد قوله تعالى: {لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة: الآية 8.
وليس التسامح ذوبانا في الآخر، ولا تخليا عن العقيدة التي ننتمي إليها، ولكنه فيض من الأخلاق السامية التي تُظهر الجانب المضيء في تعامل المسلمين، في عزة وشموخ، وتألق قيمي، يسمو بالمعاملة إلى مدارج عليا، ويحمل ملامح التقدير لإنسانية الإنسان، ويمنع الظلم والعدوان، ويرقى بالعلائق الإنسانية إلى مستوى من التعاون والتعاضد، ظهرت آثاره في الحضارة الأندلسية، وفي حضارة بغداد والقاهرة والقيروان، وفي تعامل المسلمين مع الأسرى، ومع المواطنين الذين يشاركونهم السكن في كل وطن.
هل تعتقد أن هذه الزيارة يمكن أن تفتح آفاقا جديدة للتعاون بين المؤسسات الدينية في الجزائر (الوزارة، المجلس، الجامع) والفاتيكان؟
. هذه الزيارة هي زيارة دولة يقوم بها قداسة البابا إلى الجزائر، وهي ذات أهمية كبيرة وحمولة أثيرة، مفادها أن أوغسطين للإنسانية، وأن مسيحيته لم تمنعه ليكون رمزا قداسيا وفكريا، يضطلع بنشر قيم الخير والعدل والسلام. ولا شك أن عناية البابا الضيف بقضايا الكون؛ كقضايا المناخ ومشاكل الحروب، ودعوته إلى إنصاف المظلومين، وتعويض المغتصَبين من أهل إفريقيا المضطهَدين، وموقفه من مآسي العصر كالهجرة غير المشروعة، والآفات الاجتماعية، وموقفه تجاه حرب غزة واضطهاد فلسطين، كل ذلك يُحسب له، ويدخل في صميم فكره المتوازن، لضمان حرية الإنسان وكرامته وحمايته، من كل ظلم أو ضيم.
ولا شك أن المؤسسات الرسمية الجزائرية، هي جزء من كيان الدولة الجزائرية التي رحّبت بزيارة البابا إلى الجزائر، واعتبرته حدثا ذا أهمية كبيرة. وقد ثمّن الجزائريون تصريح البابا بأنه "ابن أوغسطين"، وأنه روحيا ابن هذه الأرض.
وقد عمل المجلس الإسلامي الأعلى عام 2003م على عقد ملتقى دولي بعنوان: (الفيلسوف الجزائري القدّيس أوغسطين: إفريقيته وعالميته)، وعالج فيه إفريقية أوغسطين وعالميته، ودور عنابة في تكوينه وتميّزه، وأُلقيت محاضرات عامة للجمهور، وطُبعت حصائل الملتقى ومضامين المحاضرات، في كتاب مؤلف من جزأين باللغتين العربية والفرنسية، وقد وُزِّع على نطاق واسع.
والبابا الضيف سيحظى باستقبال رسمي في فضاء جامع الجزائر الكبير، يلتقي فيه بممثلي السلطات والمجتمع المدني والهيئة الدبلوماسية، وكَون اللقاء في فضاء المسجد له دلالة كبيرة، تُكرّس المنهج النبوي في التسامح، حيث استقبل نصارى نجران داخل مسجده الشريف. وسيكون المعنى الأعمق للزيارة، هو تكريس مبدأ التوازن في العلاقات الدولية، وأن الجزائر بعد تعافيها من فتنة التسعينيات، واستقرار مجتمعها، قد بادرت إلى مباشرة التنمية، وعملت على جملة من الإصلاحات الإيجابية التي ستكون فضاء راقيا لنشر ثقافة التعايش.
برأيكم، ما هي الرسائل التي يمكن أن توجّهها الجزائر للخارج، سواء العالم الإسلامي أو الغربي؟
. لا شك أن الزيارة سوف تجسّد مبدأ الانفتاح على الآخرين، وتوحي بمعاني السلم وقيم السلام التي تضمن للعالم الاستقرار، وللجزائر العَمار والازدهار. وستعمل الجزائر على إبراز هذه "القوة الناعمة" التي توسّع دائرة العلاقات الجزائرية مع العالم المتنوّع، وأنه لا مندوحة من الحوار بين أتباع مختلف الديانات، لضمان الخصوصية المتميزة، والحفاظ على الإنِّية والأصالة، والعمل على منهجية واقعية فعّالة، تدفع للتعاون لا التصادم.
ذلك أن الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، والخطاب المتوازن القائل للناس حسنا، من شأنها أن توطّد العلائق بين الشعوب، وأن تنشر قيم الإحسان والسلام، والتصالح والتصافح، وتمنع الصدام والتنازع والحروب التي تهلك الأخضر واليابس، وتأتي على بنيان الشعوب من القواعد، فلا تبقي ولا تذر. كما توحي الزيارة بضرورة فتح آفاق جديدة للتعاون، لبناء عالم يسوده السلم وتغلب عليه المرحمة، وتكسوه المحبة.
كيف تردّون على من يرى بأن مثل هذه الزيارات قد تمسّ بالخصوصية الدينية؟
. هذه الزيارة هي زيارة دولة لدولة، وغايتها نشر رسالة التسامح بين الحضارات، والتلاقح بين الثقافات، خاصة وأن أرض الجزائر، قد كانت على مرّ العصور مُعتزّة بإسلامها العميق، وعرقها العربي الأمازيغي العريق، ولن يكون لهذا التزاور بين الفاتيكان والجزائر تأثير على المساس بالخصوصية، ذلك أن الشعب الجزائري يُفاخر بدينه الإسلامي المجيد، ويراه عامل وِحدة، وصمّام أمان، وإسمنتا متماسكا، يعكس وحدة الجزائر، وحضارتها الراقية.
والفاتيكان ترتبط بالجزائر بعلاقات سياسية ودبلوماسية، وقد زار السيد رئيس الجمهورية الفاتيكان، وكان حقيقا بقداسة البابا أن يُبادله إحسانا بإحسان، وأن يعزم على زيارة الجزائر بلد البطولات والتضحيات، وأرض السماحة والحضارات، والعلاقات المبرَمة بين الدول لا تعني المساس بالعقائد، ولا التفريط في الخصوصية والأصالة الرضية.
وقد كان للشعب الجزائري مسار بارز في التضحية والذب عن القيم الأصيلة، والعقيدة الأثيلة، وقد واجه حملات المَسخ والسلخ والفسخ، وواجه المنهج الذي تبناه لافيجري، وهو أمر لا هوادة فيه، وقد حفظه التاريخ. ولكن الزيارة هاته تدخل في إطار الدبلوماسية الناعمة، التي تُظهر الجزائر في بعدها التاريخي والحضاري، بكونها قوة حيوية، وذلك بنفض الغبار عن المنهج الأوغسطيني بإبراز الحواضر والآثار، وشتّان بين من يحارب الهُوية، ومن يمدّ يده للتعاون مع الحفاظ على الإنّية والغيرية، ولا شك أن التميز في هذا العصر لا يتأتّى إلا بإقناع الآخرين، بأن الجزائر ليست مجرد بلد طاقوي، بل وطن للاستقرار، ومجال للعَمار، وشريك واعٍ بحدود الشراكة، وغايات التعاون، ومقاصد التبادل والانفتاح، في عمل دؤوب على إعادة الثقة بين الشمال والجنوب، ليكون حوض البحر المتوسط فضاء سلام، لا ساحة صدام، ومجال احتدام. مع التأكيد على أن الحوار العقلاني في الدين والفلسفة والاستشراف، من شأنه أن يضمن الاستقرار، ويحقق مزايا الحوار الذي يخدم الإنسانية، ويمنع طوفان المظالم والمفاسد التي تُغرق البشرية في أمواجها العاتية، وذلك منتهى المأمول.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال