الوطن

عندما يصبح النهر شاهدا على جريمة دولة

ليلة باريس الدامية أو المجزرة التي حاولت فرنسا دفنها في السين.

  • 140
  • 3:48 دقيقة
ح.م
ح.م

في قلب باريس، وقعت واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن هذه المجزرة في زمن الاحتلال النازي، بل في زمن الجمهورية الفرنسية الخامسة. في ليلة 17 أكتوبر 1961، تحول نهر السين إلى مقبرة مفتوحة، وشوارع العاصمة الفرنسية إلى ساحة قتل جماعي، والضحايا كانوا جزائريين مسالمين خرجوا للمطالبة بحقهم في الحرية.

حظر تجول عنصري يشعل الغضب

في خضم حرب التحرير الجزائرية، وتحديداً في يوم الخميس 5 أكتوبر 1961، أصدر موريس بابون، محافظ شرطة باريس، قراراً بحظر التجول على "الفرنسيين المسلمين من الجزائر" فقط، من الساعة الثامنة والنصف مساءً حتى الخامسة والنصف صباحاً. كان هذا الإجراء تمييزياً عنصرياً بامتياز، استهدف فئة واحدة من السكان دون سواها.

وفي رد سلمي، دعت فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني (FLN) إلى مسيرة احتجاجية سلمية في شوارع باريس للمطالبة برفع هذا الحظر العنصري وباستقلال الجزائر.

يوم المجزرة ومسيرة سلمية في مواجهة آلة القمع

في صباح ذلك اليوم المشؤوم، الثلاثاء 17 أكتوبر 1961، خرج أكثر من 30,000 جزائري - عمال ونساء وأطفال وشيوخ - من أحياء نانتير وأوبيرفيلييه الفقيرة، في مسيرة سلمية نحو وسط باريس، كانوا يرتدون ملابسهم الأنيقة، في مشهد يعكس كرامتهم وعزمهم على المطالبة بحقوقهم.

مدنيون عزل مسالمون لم يحملوا أسلحة ولم يرفعوا شعارات عنف، كانوا يرددون شعارات الحرية والاستقلال، حاملين أعلام الجزائر في مسيرة سلمية تماما، لكن ما كان ينتظرهم في شوارع باريس كان أبعد عن الإنسانية من أي شيء يمكن تصوره.

القمع الوحشي أو عندما تحولت باريس إلى ساحة قتل

وبأوامر مباشرة من موريس بابون، انقضّت قوات الشرطة الفرنسية على المتظاهرين العزل بوحشية غير مسبوقة، فتحت النار مباشرة على المتظاهرين في الشوارع ومحطات المترو، تم ضرب المئات بالهراوات حتى الموت، وتم إلقاء عشرات الجثث - وبعضهم كان لا يزال على قيد الحياة - من فوق جسر سان ميشيل إلى نهر السين.

شوهدت جثث الضحايا تطفو على سطح الماء لأيام، بعضها مقيد بالأصفاد، في مشهد صادم حاولت السلطات الفرنسية التعتيم عليه بشتى الطرق. كما تم اعتقال ما بين 12.000 إلى أكثر من 34.000 جزائري، وتم نقلهم إلى مراكز احتجاز مؤقتة مثل قصر الرياضات وقصر المعارض، حيث تعرضوا للتعذيب الشديد والقتل.

حصيلة الدم وأرقام تكشف حجم الكارثة

تظل الأرقام شهودا لا يموتون، في مذبحة 17 أكتوبر 1961 في باريس تقول الرواية الرسمية الفرنسية، إن القتلى لم يتجاوزوا 3 إلى 6 والجرحى 44 إلى 64، بينما تتحدث تقديرات المؤرخين عن 200 إلى 400 قتيل أو أكثر وآلاف الجرحى. وتكتفي الوثائق الرسمية بـ11.538 معتقلا، في حين ترفع المصادر التاريخية الرقم إلى أكثر من 34.000. أما المفقودون، فلم تعترف بهم الدولة الفرنسية الاستعمارية أصلا، لكن ذاكرة العائلات والأرشيف البديل تحتفظ بمئات الأسماء. وهكذا لا تكشف هذه الفجوة بين الرقم الرسمي والرقم التاريخي عن كارثة إنسانية فحسب، بل عن معركة أخرى لا تقلّ ضراوة هي معركة من يملك حق كتابة التاريخ، حين تُغلق الدولة أبواب الأرشيف وتُخفض الستائر على الحقيقة. ورغم التعتيم الرسمي، تكشف التقديرات التاريخية عن حجم الكارثة الحقيقي، ويشير المؤرخ جان لوك إينودي، الذي كسر حاجز الصمت في كتابه "معركة باريس" عام 1991، إلى أن الحصيلة الحقيقية تقترب من 200 قتيل، وربما "مئات" آخرين، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد الشهداء قد يصل إلى 300 أو حتى 400، فضلاً عن عشرات المفقودين.

التعتيم والإنكار عقود من الصمت الرسمي وجريمة بلا عقاب

لأكثر من ثلاثة عقود، ظلت هذه المجزرة طي الكتمان، مُنعت وسائل الإعلام من تناولها وأُغلقت الأرشيفات أمام الباحثين، وحاولت الدولة الفرنسية محو هذه الصفحة الدامية من تاريخها. لم يُحاسب أي مسؤول عن هذه الجريمة، وظل موريس بابون في منصبه حتى عام 1967، ثم واصل حياته السياسية دون أي عقاب على ما اقترفته يداه.

وفي عام 1991 نشر المؤرخ جان لوك إينودي كتابه "معركة باريس: 17 أكتوبر 1961"، الذي كشف بالوثائق والشهادات حقيقة ما جرى. ثم جاءت محاكمة بابون عام 1997 بتهمة جرائم ضد الإنسانية (بسبب دوره في ترحيل اليهود خلال الحرب العالمية الثانية)، لتفتح الباب أمام إعادة فتح ملف 17 أكتوبر 1961.

وفي عام 1998 وبعد 37 عاماً من المجزرة، أقرّت السلطات الفرنسية رسميا بوقوع 40 قتيلاً فقط، في اعتراف جزئي ومشوه للحقيقة، وفي 17 أكتوبر 2012، أصبح فرانسوا هولاند أول رئيس فرنسي يعترف بـ"القمع الدموي" الذي تعرض له المتظاهرون الجزائريون. وقال في بيانه: "الجمهورية تعترف بوعي تام بهذه الوقائع"، وفي الذكرى الستين للمجزرة، وصف الرئيس إيمانويل ماكرون الأحداث بأنها "جرائم لا تُغتفر بالنسبة للجمهورية"، واعترف لأول مرة بأن عدد الضحايا يتجاوز الثلاثة المعلن عنها رسمياً. ومع ذلك، اعتبرت عائلات الضحايا والنشطاء أن هذا الاعتراف جاء متأخراً وناقصاً، إذ لم يعترف بمسؤولية الدولة الكاملة عن هذه الجريمة.

ورغم كل محاولات التعتيم، بقي دم شهداء 17 أكتوبر 1961 محفوراً في ذاكرة باريس، ولا يزال نهر السين يروي قصص الضحايا، ولا تزال عائلاتهم تطالب بالحقيقة الكاملة والعدالة. في كل عام، تتجدد المطالبات بتحويل هذه المجزرة إلى "جريمة دولة" معترف بها رسمياً، وبإدراج ذكراها في التقويم الرسمي للجمهورية الفرنسية.