الوطن

"يجب على فرنسا الاعتراف بتضحيات العمال الجزائريين الذين ساهموا في تشييدها"

في حوار لسعيد أورابح، رئيس جمعية العمال الجزائريين في فرنسا، لـ"الخبر".

  • 790
  • 7:51 دقيقة

يرى سعيد أورابح، رئيس جمعية العمال الجزائريين في فرنسا ورئيس فدرالية العمال الأفارقة في فرنسا، أن ملف العمال الجزائريين في فرنسا لا يمكن فصله عن قضايا الذاكرة والاعتراف والعدالة الاجتماعية.

وفي هذا الحوار مع "الخبر"، يقدّم أورابح قراءة معمّقة لوضع الجالية العمالية الجزائرية، ومساهمتها التاريخية والراهنة في الاقتصاد الفرنسي، كما يتناول أوضاع المهاجرين غير النظاميين، وتشديد سياسات الإقامة، والجدل السياسي حول اتفاق 1968. ويمتد النقاش إلى العلاقات الجزائرية - الفرنسية، والقضية الصحراوية، ودور العمل النقابي الإفريقي في مواجهة التحديات الدولية الراهنة.

كيف تقيّمون اليوم وضع العمال الجزائريين في فرنسا، وكذلك مساهمتهم في الديناميكية الاقتصادية وخلق الثروة داخل الاقتصاد الفرنسي؟

لا يمكن الحديث بهدوء عن وضع العمال الجزائريين في فرنسا اليوم من دون طرح مسألتي الذاكرة والاعتراف. فالهجرة الجزائرية لم تبدأ في ستينيات القرن الماضي، بل تعود إلى القرن التاسع عشر، وهي جزء مكوّن من التاريخ الاقتصادي الفرنسي.

لقد كان العمال الجزائريون حاضرين في جميع القطاعات التي صنعت القوة الاقتصادية لفرنسا الحديثة: مناجم الشمال والشرق، موانئ لوهافر ومرسيليا، الورشات الصناعية والحضرية الكبرى، بناء مترو باريس، ثم بعد الحرب العالمية الثانية في إعادة الإعمار وبناء المجمعات السكنية الكبرى في الضواحي. وقد شغلوا أعمالاً شاقة وخطيرة، وغالباً غير مرئية، لكنها كانت أساسية وحاسمة.

تطرح هذه المسيرة اليوم سؤالاً سياسياً محورياً: كيف يمكن تفسير أن فئات سكانية ساهمت بهذا القدر في خلق الثروة في فرنسا ما تزال ممثلة بشكل مفرط في البطالة والهشاشة، ومعرّضة للتمييز؟

هناك فجوة عميقة بين الإسهام الحقيقي في الاقتصاد الوطني والمكانة الرمزية والاجتماعية التي تُمنح لها. إن المهاجرين الجزائريين وأبناءهم ليسوا على هامش المجتمع الفرنسي، بل هم جزء تاريخي وبنيوي منه. فهم يعملون، ويستثمرون، ويعالجون، ويعلّمون، وينتجون الثروة. وبالتالي فالمشكلة ليست في اندماجهم الاقتصادي، بل في الاعتراف السياسي والاجتماعي بهذه المساهمة.

لدينا اليوم وفقاً للإحصاءات، نحو 2.6 مليون جزائري يعملون في فرنسا ويحملون بطاقات إقامة، من بينهم أكثر من 7 آلاف طبيب، ما يمثل حوالي 40 في المائة من مجموع الأطباء الأجانب الممارسين في فرنسا.

إن الاعتراف الكامل بدور العمال الجزائريين ليس مجرد لفتة رمزية مرتبطة بالذاكرة، بل هو وضع أسس لنقاش عمومي أكثر صدقاً حول المساواة الفعلية والعدالة الاجتماعية والتماسك الوطني. ومادام هذا التاريخ مهمّشاً، فإن الشروخ التي خلّفها ستظل تثقل كاهل المجتمع الفرنسي.

يوجد عدد كبير من الجزائريين في وضعية غير قانونية في فرنسا.. هل هم، في رأيكم، معرّضون بشكل خاص لأشكال من الاستغلال المهني.. وإلى أي مدى يبقى وجودهم ضرورياً لبعض قطاعات الاقتصاد الفرنسي؟

يعيش الجزائريون في وضعية غير قانونية في فرنسا نوعاً من الاستعباد الحديث، سواء في العمل أو في حياتهم اليومية. فبسبب حرمانهم من تصاريح الإقامة، يتعرضون لأجور زهيدة، وساعات عمل طويلة، وغياب تام للحقوق الاجتماعية. ولا يتوقف الاستغلال عند العمل فقط؛ فكثير منهم يتكدسون في مساكن غير صحية، وآخرون ينامون في أماكن عملهم في ظروف مهينة، وبعضهم لا يملك أي مأوى ويعيش في الشارع أو في ملاجئ هشة. كما أن الخوف من المراقبة أو الترحيل يجعلهم صامتين ويجعل وضعهم شبه غير مرئي. ومع ذلك، فإن هؤلاء العمال ضروريون للاقتصاد الفرنسي: البناء، المطاعم، التنظيف، الزراعة، الرعاية والخدمات الاجتماعية. يُستفاد من عملهم ووجودهم، في الوقت الذي تُنكر فيه كرامتهم وأمنهم. إنه نظام يقوم على هشاشتهم، نوع من الاستعباد المتسامح معه قانونياً.

وأخيراً، لا ينبغي إغفال أن لهذه الظاهرة كلفة أيضاً على بلدان الأصل؛ فالجزائر، وبشكل أوسع بلدان الجنوب، تفقد طاقات شابة مبادرة وكفؤة كان يمكن أن تسهم بشكل كامل في التنمية والبناء الوطني.

خلال الأشهر الأخيرة، طُرحت شكاوى عديدة بشأن صعوبات تجديد تصاريح الإقامة للجزائريين، وتشديد إجراءات تسوية الأوضاع بعد مرسوم روتايو الذي ألغى مرسوم فالس.. كيف تنظرون إلى الممارسات الحالية للمقاطعات (préfectures)؟

نعم، بالفعل، تعمل المقاطعات على تشديد الشروط بشكل منهجي تجاه الأشخاص من أصول أجنبية، ولا سيما الجزائريين، خصوصاً في ما يتعلق بتجديد تصاريح الإقامة. الإجراءات باتت معقّدة إلى حدّ عبثي، ومصمَّمة عمداً لتكون مرهِقة، ما يضيف هشاشة جديدة إلى هشاشة قائمة أصلاً. وتجد عائلات بأكملها نفسها في أوضاع صعبة: أمهات وآباء يفقدون وظائفهم، يُحرمون من المساعدات الاجتماعية، وأحياناً يُطردون من مساكنهم. وحتى الأشخاص الذين كانوا في وضعية قانونية منذ عقود قد يتلقون أوامر بمغادرة التراب الفرنسي (OQTF) بسبب عدم تجديد وثائقهم في الآجال المحددة.

والأسوأ من ذلك أن رقمنة الملفات، التي كان يُفترض أن تُسهّل الإجراءات، تحولت إلى أداة حقيقية للعرقلة: منصات إلكترونية لا تعمل، وثائق تضيع، ومواعيد يستحيل الحصول عليها. وبدلاً من تبسيط المسار الإداري، يتم عملياً منع الناس من الوصول إلى حقوقهم.

وتعيد هذه الوضعية إلى الأذهان صفحة قاتمة من التاريخ الجزائري - الفرنسي. ففي سبعينيات القرن الماضي، وبعد الاعتداء على القنصلية الجزائرية في مرسيليا، وما عُرف بـ"الصيف الأحمر" لسنة 1973 الذي تميّز بموجة عنف واعتداءات عنصرية في جنوب فرنسا، جرى ترحيل نحو 500 ألف جزائري، رغم دورهم الأساسي في إعادة إطلاق الاقتصاد الفرنسي. واليوم، ومع الرفض الجماعي للملفات وأوامر الترحيل، يبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه. ومع تعليمة روتايو، أصبحت تسوية الوضعية شبه مستحيلة، سواء عبر العمل أو الروابط العائلية. وحتى الأشخاص المقيمون منذ أكثر من عشر سنوات، الذين يفترض أن تسوى أوضاعهم قانونياً بموجب اتفاق 1968، يواجهون حالة من انعدام الأمن القانوني الكامل.

إن هذه الممارسات تُضعف العائلات، وتعرّض عمالاً أساسيين للخطر، وتحوّل الإدارة إلى أداة للظلم، تكاد تكون منفّذاً لسياسة معادية للهجرة وموجّهة بشكل واضح.

يتعرّض الاتفاق الجزائري - الفرنسي لسنة 1968 المتعلق بالتنقل والعمل وإقامة الرعايا الجزائريين لانتقادات حادة من تيارات سياسية واسعة في فرنسا. لماذا، في رأيكم، أصبح هذا الاتفاق محوراً مركزياً للنقاش والصراع السياسي؟

أصبح الاتفاق الجزائري - الفرنسي لسنة 1968 قضية سياسية بالأساس لما يحمله من دلالة رمزية، لا بسبب مضمونه الحقيقي. وعلى عكس الخطاب السائد، فإنه لم يمنح الجزائريين أي امتيازات خاصة. بل إن اتفاقيات إيفيان لسنة 1962 كانت تضمن حرية تنقل الأشخاص والبضائع، وجاء اتفاق 1968 ليقيّد تلك الحرية بدل توسيعها.

ويجب توضيح أمر أساسي: هذا الاتفاق لا تعارضه غالبية الشعب الفرنسي ولا تيارات سياسية واسعة، بل يعترض عليه بالدرجة الأولى تيار سياسي ينحدر من النزعة الحنينية إلى "الجزائر فرنسية"، بالنسبة إليه لم تُطوَ صفحة حرب الجزائر بعد. وفي هذا السياق، يُستخدم الاتفاق كهدف إيديولوجي في نقاش حول الهجرة يتم توظيفه سياسياً عن قصد. وتستند هذه الحملة إلى سرديات مبسّطة ومبتعدة كثيراً عن الواقع القانوني، وتندرج ضمن استراتيجية إيديولوجية وانتخابية تقوم على تحويل الهجرة الجزائرية إلى كبش فداء، وإحياء التوترات المرتبطة بالذاكرة التاريخية لأغراض سياسية بحتة.

هل تعتقدون أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا قابلة اليوم للاستعادة أو التحسن في ظل رئاسة إيمانويل ماكرون؟

لطالما اتسمت العلاقات الجزائرية - الفرنسية بمراحل من التوتر والتذبذب، وأحياناً القطيعة، غير أن التاريخ يُظهر أنها كانت تُستعاد في كل مرة. فهذه العلاقة بطبيعتها معقّدة، مثقلة بإرث التاريخ والذاكرة، ومتشابكة مع اعتبارات سياسية داخلية في كلا البلدين. وتبقى الدبلوماسية، في جوهرها، مسألة مصالح متبادلة. وفي هذا الإطار، تجمع الجزائر وفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية وإنسانية وأمنية تجعل أي قطيعة دائمة أمراً غير واقعي ولا مرغوباً فيه. ففترات الاحتقان لا تكون نهائية أبداً، إذ سرعان ما تعود الضرورات الدبلوماسية لتفرض نفسها.

وبعيداً عن الحكومات والظروف السياسية الظرفية، ترتبط الجزائر وفرنسا بروابط عميقة ودائمة. فهناك تاريخ مشترك، وإن كان مؤلماً، لكنه ترافق أيضاً مع واقع إنساني يتمثل في زيجات مختلطة، وتداخل اجتماعي، وعائلات ثنائية الجنسية، وروابط ثقافية يصعب فصلها. وهذه الحقائق تتجاوز بكثير الدورات السياسية.

وفي هذا السياق، يبقى تحسّن العلاقات أمراً مرغوباً فيه، ليس فقط من أجل استقرار المنطقة، بل أيضاً لمصلحة العائلات المختلطة والفئات المعنية على ضفتي المتوسط. غير أن أي استعادة مستدامة للعلاقات تقتضي إطاراً قائماً على الاحترام المتبادل، والاعتراف، والحوار الصادق، بعيداً عن التوظيف السياسي أو نزعات الهيمنة.

أنتم منخرطون أيضاً، في إطار نقابي إفريقي، في ملف الصحراء الغربية.. كيف تقيّمون التطورات الأخيرة لهذا الملف على الصعيدين الإقليمي والدولي؟

إن فدرالية العمال الأفارقة في فرنسا وأوروبا (FETAFE)، التي أتولى رئاستها منذ مؤتمر ديسمبر 2023، تُعد هيئة متخصصة تابعة لمنظمة الوحدة النقابية الإفريقية (OUSA) . وقد أُسست في فرنسا قبل أكثر من خمسين سنة على يد مناضلين أفارقة وحدويين، وتهدف إلى الدفاع عن المصالح المعنوية والمادية للعمال الأفارقة. ومنذ تأسيسها، وقفت الفدرالية دائماً في صف القضايا العادلة، وعلى رأسها نضالات التحرر وإنهاء الاستعمار. وبالنسبة إلينا، تُعد القضية الصحراوية من أكثر القضايا عدالة وإلحاحاً في القارة الإفريقية. فالصحراء الغربية لا تزال اليوم آخر إقليم خاضع للاستعمار في إفريقيا، ويواصل الشعب الصحراوي معاناته من احتلال ينتهك حقوقه الأساسية وحقه في تقرير المصير. إنها قضية تصفية استعمار، وعدالة تاريخية، واحترام للقانون الدولي.

وفي هذا السياق، ندّدنا بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي نعتبره مخالفاً لميثاق الأمم المتحدة، لأنه يُضعف مبدأ تقرير المصير ويتجاهل قواعد القانون الدولي. ويأتي هذا القرار ضمن سياق تسعى فيه بعض الأطراف الدولية إلى توظيف هذا الملف لأهداف جيوسياسية، على حساب الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي.

ونؤكد دعمنا وتضامننا الكاملين مع الشعب الصحراوي وهيئاته التمثيلية، كما قدّمنا دعمنا للنقابة الصحراوية UGTSARIO، وسنواصل مرافقة نضالها، الذي نعتبره نضالنا أيضاً، على الصعيد الدولي.

أخيراً، كيف يمكن، في رأيكم، تعزيز العمل النقابي الإفريقي في مواجهة عودة أشكال من الإمبريالية التي يصفها كثيرون بأنها أكثر شراسة في السنوات الأخيرة؟

تواجه إفريقيا اليوم شكلاً جديداً من الإمبريالية لا يتجسد في الاحتلال المباشر، بل في الهيمنة الاقتصادية والمالية والجيوسياسية، من خلال آليات مثل المديونية، والاتفاقيات التجارية غير المتكافئة، والاستغلال المفرط للموارد، والخصخصة المفروضة، والتدخلات السياسية. وتؤدي هذه الممارسات إلى إضعاف الدول الإفريقية وتعميق هشاشة أوضاع العمال.

ولتعزيز العمل النقابي الإفريقي، لا بد من تجاوز نموذج نقابي يقتصر على المطالب الاجتماعية الضيقة، وإدماج بعد استراتيجي وسياسي أوسع. فعلى النقابات الإفريقية أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في الدفاع عن سيادة الشعوب، وكرامة العمال، وحق الدول الإفريقية في اختيار نماذجها التنموية بحرية.

وفي هذا الإطار، تضطلع منظمة الوحدة النقابية الإفريقية (OUSA) بدور محوري، إذ تقف في صلب مسار إحياء النقابية الإفريقية، من خلال المساهمة في بناء وعي جماعي بالتحديات الاقتصادية والجيوسياسية والاجتماعية التي تواجه القارة.

كما تتيح المنظمة تنسيق النضالات، وبناء رؤية مشتركة، وتعزيز التضامن بين النقابات الإفريقية، وهي ديناميكية قارية أساسية لمواجهة بيئة اجتماعية - اقتصادية تزداد قسوة وعدوانية تجاه العمال.

ورغم الصعوبات الكبيرة، والضغوط السياسية، ومحاولات الترهيب من قبل بعض الحكومات وأرباب العمل، يواصل العمل النقابي الإفريقي نضاله بإصرار، دفاعاً عن المكتسبات الاجتماعية، والحقوق الأساسية للعمال، ومنع تفكيك منظومات الحماية الاجتماعية التي تحققت بنضال طويل.