الوطن

اتساع النقاش الحزبي حول تغييرات وزارة التربية

تعددت الآراء بين مؤيد ومتحفظ ورافض.

  • 5353
  • 4:25 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

انضم عدة أحزاب سياسية للنقاش، أمس، حول الترتيبات والتغييرات التي مست بعض جوانب المقرر التعليمي في المتوسط والثانوي، وأبدوا مواقفهم تجاه المسألة، بعد الأحزاب التي انخرطت في الموضوع سابقا بعرض وجهات نظر مختلفة، على غرار حزب العمال واتحاد القوى الديمقراطية الاجتماعية وأيضا حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

وبدأت تتضح معالم المشهد الحزبي بخصوص المستجدات التربوية، بين مؤيد ومثمّن لخيارات الوزارة وبين متحفظ عليها من حيث المبدأ والطريقة التي تمت بها، وموقف ثالث رافض لها شكلا ومضمونا وداعٍ إلى فتح النقاش بخصوصها.

وبينما أبدت العديد من الأحزاب موقفها ورؤيتها، لا تزال أحزاب الأغلبية الرئاسية ومعها حركة مجتمع السلم، تلتزم الصمت تجاه الورشة القائمة، في موقف غير مألوف، لكن ينسجم مع أصوات تعالت، مؤخرا، تتحدث عن أي "إصلاح يتم على مستوى مجلس الوزراء"، في إشارة إلى إمكانية حدوث مراجعات في التغييرات او كإيحاء بأن الترتيبات لم تأت من فراغ وإنما حظيت بموافقة الحكومة.

وبرزت العديد من الأصوات الحزبية التي دعمت قرارات وزير التربية، محمد الصغير سعدواي، بالمطلق، باعتبارها "منسجمة مع التوجهات العالمية" و"حتمية يفرضها ويمليها الواقع" وغيرها من الحجج العلمية وغير العلمية.

وضمن هذا الفريق، أبدى الأمين العام لحركة النهضة، محمد ذويبي، في تصريح مكتوب على صفحة الحزب بفايسبوك، أمس،  دعمه اللامشروط لتوجه وزارة التربية الوطنية، قائلا: "إن حركة النهضة ترحب بالخطوات الرامية إلى رفع الإعاقة اللغوية عن الكفاءات الجزائرية وتعزيز انفتاحها على البحث العلمي والمعرفي والتواصل الدولي". ويقصد ذويبي بالإعاقة اللغوية مادة اللغة الفرنسية، بحسب ما أوضح في تصريح شفوي، أمس، خلال نشاط له.

ويرى السياسي أن إصلاح المنظومة التربوية يجب أن يعكس "هوية الدولة الجزائرية التي أقرها بيان أول نوفمبر"، مثمّنا "ترسيخ مكانة اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية أولى في جميع الأطوار، مع "زحزحة اللغة الفرنسية إلى مرحلة التعليم الثانوي، لتصبح شأنها شأن بقية اللغات الأجنبية كالألمانية والإيطالية والإسبانية".

وفي نفس الاتجاه، سار حزب الكرامة، بالقول "لا تجعلوا من مقاومة الإصلاح قدرًا يتكرر في الجزائر"، مدافعا عن "الإصلاح الجاد الذي لا ينبغي أن يُقتل في مهده.. ولا أن يصبح صاحبه هدفًا لكل من يخشى تغيير الواقع القائم"، مذكّرا بمصير محاولة وزير التربية الوطنية الأسبق، علي بن محمد، فتح ورش إصلاح المنظومة التربوية.

وفي نظرته للإصلاح، قال الحزب "إن دعمنا للإصلاح لا يعني منح أي كان صكًا على بياض؛ بل نريد إصلاحًا تشاركيًا، علميًا، تدريجيًا، تُسمع فيه أصوات رجال التربية والأساتذة والخبراء والأولياء"، داعيا إلى ترك الوزير يُصلح، ثم "ناقشوا الإصلاح… لكن لا تهدموا المشروع قبل أن يبدأ"، يضيف الحزب.

من جانبه، أبدى حزب "الجزائر الجديدة"، جمال بن عبد السلام، دعمه لوزارة التربية في كل التغييرات التي قامت بها، قائلا إن المستفيد الوحيد من استمرار وجود الفرنسية في المناهج التعليمية هي فرنسا، لافتا إلى أن هذه اللغة تجاوزها الزمن في مجال العلم والمعرفة والتكنولوجيا.

وفي تبريره لدعمه للوزير، قال بن عبد السلام إن التغييرات مست العديد من الجوانب، ومن بينها الفلسفة والفرنسية والعربية في الشُعب العلمية، غير أن ثمة فئة، يتابع المتحدث، ركزت على الفرنسية والفلسفة.

وفي الجهة المقابلة، ثمة أحزاب منتقدة للإجراءات الجديدة، برز منها إعلاميا حزب العمل، لزعيمته لويزة حنون، لكن سبقه في النقد التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في شكل مقال مطوّل لأمينه الوطني، عثمان معزوز، وأيضا موقف حزب اتحاد القوى الديمقراطية الاجتماعية في جزئية فتح النقاش واسع.

وكان حزب الاتحاد من أجل القوى الديمقراطية الاجتماعية، قد طالب، في بيان مؤرخ في الخامس من أوت الجاري، بإتاحة المساحة لنقاش علمي وهادئ يُعنى بالمسألة التعليمية، لا سيما ما يتعلق بملف لغات التدريس في الطور الابتدائي وتدريس الفلسفة وتحجيم أفقها المعرفي والتأملي.

ونبه الحزب الذي يقوده عبد الرحمن صالح من إعادة "إحياء ثنائيات واستقطابات الماضي بين "المُعرَّب" و"المُفرنس"، ومن "إقحام الإنجليزية في هذه المعارك العقيمة، مشيرا إلى أن اللغات الحية كلها أدوات ووسائل للتحصيل العلمي والتواصل الإنساني، تقتضي التعامل معها بمنطق الانفتاح الواعي والحفاظ على المكاسب الوطنية.

وكان حزب العمال، بقيادة الأمينة العامة، لويزة حنونة، قد خاض في المسألة، بدعوة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لتأجيل الإصلاحات وفتح بشأنها النقاش، وقدم تصوراته للموضوع، مشيرا إلى أن الجدل الدائر حاليا حول إصلاح قطاع التعليم كشف وجود "رصيد كبير من الكفاءات الوطنية" القادرة على المساهمة في صياغة منظومة تربوية تستجيب للمعايير العلمية، وتوفق بين الهوية الوطنية والانفتاح على العالم.

كما دعا الحزب إلى فتح وسائل الإعلام العمومية والخاصة أمام جميع الآراء، حتى يتمكن المواطنون من الاطلاع على مختلف وجهات النظر والاستماع إلى الحجج العلمية المتباينة، بدلا من بقاء النقاش محصورا في منصات التواصل الاجتماعي.

وقبل "الاتحاد"، و"العمال" كتب زعيم الأرسيدي، عثمان معزوز، مدافعا عن الفرنسية والفلسفة، مقالا بعنوان "لماذا يُراد حرمان أبنائنا من الفلسفة واللغة الفرنسية؟".

ويرى المسؤول الحزبي المعارض أن كل إصلاح تربوي يعكس رؤية معينة للمجتمع و"الإصلاح الذي يلوح في الأفق اليوم، من خلال التهميش التدريجي للفلسفة واللغة الفرنسية، ليس استثناءً من هذه القاعدة".

وأشار إلى أن الفلسفة تُرسخ ثقافة الشك المنهجي، ودقة التفكير، والحوار القائم على الحجة، وحرية الضمير كما تُعلّم الشباب التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين الحقائق والمعتقدات، وبين الحجة والشتيمة.

وأسقط معزوز وضع الفلسفة على مادة الفرنسية، واصفا ذلك بـ"التراجع المبرمج" لمكانة اللغة الفرنسية، نافيا وضع اللغات في مواجهة بعضها البعض، قبل أن يضيف "العربية، والأمازيغية، والفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية، والإيطالية، كلها ثروات ينبغي إتقانها".

وفي تبريره، قال السياسي إن الفرنسية لغة أساسية في العلوم، والطب، والهندسة، والبحث العلمي، والدبلوماسية، والثقافة وتعتمد عليها يوميًا آلاف الجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات عبر العالم، منبها من أن إضعاف تعليمها يعني الحد من قدرة الشباب الجزائري على الوصول إلى المعرفة، ومواصلة الدراسات العليا".

واستغرب المتحدث، تقليص الفرنسية في حين "لا يزال عدد كبير من التخصصات الجامعية يدرّس باللغة الفرنسية"، مستنتجا أن أبناء الطبقات الشعبية "سيكونون أول الضحايا، في حين أن العائلات الميسورة ستواصل توفير تعليم لغوي نوعي لأبنائها في المؤسسات الخاصة أو في الخارج".