الوطن

"الجزائر أمّنت عمقها الاستراتيجي قبل القطيعة مع الإمارات"

أبوظبي كانت من الفواعل التي تسببت في تصدع علاقات الجزائر مع جيرانها في الساحل.

  • 3140
  • 2:56 دقيقة
رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال استقباله مؤخرا، الوزير الأول المالي، عبد الله مايغا، الصورة: رئاسة الجمهورية.
رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال استقباله مؤخرا، الوزير الأول المالي، عبد الله مايغا، الصورة: رئاسة الجمهورية.

أكد المحلل السياسي، نبيل كحلوش، إن الجزائر أمّنت عمقها الاستراتيجي قبل القطيعة، مؤكدا أن الإمارات لا تملك فرصا للتصعيد خاصة في ظل تقاطعات بين الموقف الجزائري والمواقف الإقليمية.

وقال في اتصال مع "الخبر"، إن الخطوة تصب في تأمين العمق الاستراتيجي، موضحا أن مالي والنيجر تمثلان فضاء أمنيا في الصحراء الكبرى يمس الأمن الحدودي للجزائر بشكل مباشر ويرتبط أيضا بالحركية التجارية للطوارق الجزائريين الذين يتقاسمون أكثر من 2000 كلم من الحدود مع تلك الدولتين. وأضاف أنه لذلك فقد كانت الأزمة التي اندلعت بين الجزائر وبينهما ذات أثر عميق سواء على أمن الحدود أو المبادلات التجارية، مشيرا إلى أن الإمارات كانت من الفواعل التي تسببت في تصدع تلك العلاقات بسبب اختلاف مقاربتها في حل الأزمات مع المقاربة الجزائرية.

وتابع قوله مقدما مثالين عن ذلك، المثال الأول بيّن فيه أن الجزائر تفضّل حل الأزمة في مالي باتفاق سياسي بين كل أطراف الأزمة حتى تُحل جذورها السياسية والأمنية والاقتصادية والعرقية، واستدرك قائلاً إن الإمارات تفضل إدارة الأزمة بمقاربة وحيدة وهي الدعم بالسلاح والمال للمجلس الانتقالي، مما يعني عدم حل الأزمة من جذورها والتسبب في المزيد من الصراع.

أما المثال الثاني، فأوضح فيه أن الجزائر تنظر لدول الساحل بصفتها جيرانا وجزء لا يتجزأ من المحور الإفريقي، ولذلك فإنها تسعى للتقارب معهم بدلا من فصلهم عن محيطهم الجيوسياسي الطبيعي، بينما قال إن الإمارات تنظر إلى كونفيديرالية دول الساحل الثلاث كفضاء إقليمي منعزل عن بيئته الجيوسياسية ويمكنه الاكتفاء بذاته عن باقي جيرانه، مؤكدا أن هذا لا يتوافق تماما لا مع ظروف هذه الدول أمنيا ولا اقتصاديا، حيث أن عزلها عن محيطها واستغلال ضعفها سيسبّب انفلاتات أمنية حدودية لن تسيطر عليها وهذا سيمس مباشرة بكل الدول المجاورة.

وأردف أستاذ العلوم السياسية بالقول "إن التحدي الجزائري قبل قطع العلاقات مع الإمارات كان يتمثل في هدفين: أولا، إعادة الاعتبار للحل السياسي في مالي. وثانيا، استرجاع دول الساحل من المحور الإماراتي وإعادة دمجهم مع محيطهم الإقليمي.

وأكد أن المقصد الاستراتيجي من ذلك هو تأمين الجزائر لعمقها الاستراتيجي حتى ينكمش أي دور إماراتي مستقبلا في الحدود الجنوبية.

وتابع مؤكدا أنه بالفعل فإن فشل الحل العسكري في مالي أمام الأزواد خصيصا وعودة العلاقات بين كل من مالي والنيجر مع الجزائر، وإبداء الأخيرة التزاما عاليا وسريعا في تجسيد البرامج العسكرية والاقتصادية المشتركة مع دول الجوار، قد أسهم كل في استرجاع الجزائر لكل من مالي والنيجر من يد الإمارات لتأمين عمقها الاستراتيجي قبل أن تبادر أخيرا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها فعليا.

وفي تعليقه حول فرص التصعيد الإماراتي ضد الجزائر، قال إن دراسة بؤر التوتر التي تدخلت فيها الإمارات ستجعلنا نستشف جيدا الآليات الثلاث التي تستعملها بشكل متكرر وهي: التحريض الإعلامي ضد طرف معين، ثم التمويل المالي لطرف ما، ثم التمويل اللوجيستي بالعتاد والسلاح لإحدى أطراف النزاع.

واستدرك موضحا أن الظروف الموضوعية لتطبيق هذه الآليات تلزم أن تتوفر بيئة من الفوضى والانهيار المؤسساتي والانقسام الداخلي، وهذا ما لا ينطبق على الجزائر داخليا ولكن ينطبق على محيطها خارجيا. وأضاف أنه بما أن مالي والنيجر وليبيا تشهد مثل هذه الظروف فإن فرص تصعيد الإمارات ضد الجزائر قد تتمثل في دعم وتمويل الجماعات المسلحة في دول الجوار.

التحريض الإعلامي

واستطرد قائلاً إنه في ظل استمرار الحرب الإيرانية والهوة التي تشكلت بين السعودية والإمارات وصمود الحوثيين في غرب وشمال اليمن، والتقدم المحرز للجيش السوداني، فإن كل ذلك يضع الإمارات في وضعية استراتيجية معقدة تجعل التصعيد مع دولة بثقل الجزائر خيارا غير عقلاني.

وحول التقاطعات بين مواقف الجزائر والإقليم، أوضح أن القرار الجزائري بقطع العلاقات مع الإمارات هو تعبير عن موقف سياسي لا يخص الجزائر لوحدها، بل كان صدى لوضعية جيوسياسية شاملة في المنطقة. إذ بيّن أن رفض العديد من الأطراف التي تشهد حروبا مدمرة للسياسة الإماراتية على غرار السودان واليمن وإيران وليبيا، يعكس الصورة المشوّهة التي وصلت إليها الإمارات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.