الوطن

الجنوب أمام موجات هجرة جماعية منظمة

تفرض أعباء وتحديات جديدة على الأمن القومي.

  • 1044
  • 3:21 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

بعد فترة وجيزة من التقدم والتحكم في موجات الهجرة غير الشرعية في الحدود الجنوبية للجزائر بدأت السلطات تسجل تحركات جماعية واسعة النطاق، بعضها يتم في ظروف توحي بوجود تنظيم مسبق لمسارات العبور.

وتعيد محاولة تسلل نحو 5 آلاف شخص من دولة مجاورة، التي كشف عنها وزير الداخلية السعيد سعيود، طرح الأسئلة حول طبيعة هذه التدفقات والجهات التي تقف وراء تنظيمها، في منطقة تشهد تحولات وأزمات أمنية متسارعة وتناميا لنشاط شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.


5000 شخص في محاولة هجرة واحدة

وأعادت التصريحات الأخيرة لوزير الداخلية ملف الحدود الجنوبية إلى واجهة النقاش، حيث أوضح سعيود أن والي إحدى الولايات الحدودية أبلغ السلطات بمحاولة التسلل الجماعي، مشيدا بيقظة واحترافية الجيش الوطني الشعبي ومختلف الأجهزة الأمنية التي تدخلت بشكل فوري للسيطرة على الوضع وتأمين المنطقة.

وحسب الوزير، فقد جرى تجميع الأشخاص المعنيين وتوفير وسائل النقل اللازمة لإعادتهم إلى بلدهم الأصلي في إطار منظم.

وتكتسي هذه الحادثة أهمية خاصة بالنظر إلى العدد الكبير للأشخاص الذين حاولوا العبور دفعة واحدة، وهو ما يجعلها مختلفة عن عمليات التسلل الفردية التي تعرفها المناطق الحدودية. وتطرح معطيات ممثل الحكومة فرضية وجود مسارات منظمة للعبور، خصوصا في ظل نشاط شبكات متخصصة في تهريب المهاجرين عبر المنطقة.

الجنوب.. خط تماس مع أزمات الساحل

وتواجه الجزائر منذ أكثر من عقد تحديات متزايدة على حدودها الجنوبية، الممتدة على مساحات شاسعة، في ظل استمرار الاضطرابات السياسية والأمنية والانقلابات في عدد من دول الساحل وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع أعدادا متزايدة من السكان إلى البحث عن طرق للهجرة ومن أبرزها الجزائر التي تحولت إلى منطقة عبور.

غير أن البعد الإنساني للظاهرة الذي توليه الجزائر أهمية بالغة لا يلغي، بالنسبة للسلطات، مخاطرها الأمنية، خاصة عندما تتحول عمليات العبور إلى تحركات جماعية أو ترتبط بشبكات تهريب منظمة.

وتولي الجزائر أهمية خاصة لضبط حدودها الجنوبية، بالنظر إلى طبيعة المنطقة وتداخلها مع فضاء الساحل، حيث تنشط جماعات وشبكات إجرامية عابرة للحدود، بما يجعل مكافحة تهريب البشر والهجرة غير الشرعية جزءا من منظومة أوسع لحماية الأمن الوطني.

أكثر من 82 ألف عملية إعادة

وفي مقابل التشديد على حماية الحدود، تؤكد الداخلية في أرقام حديثة أن مقاربتها لا تقوم على الجانب الأمني وحده، بل تشمل أيضا التكفل بالمهاجرين واحترام الجوانب الإنسانية المرتبطة بالملف.

وفقد سبق أن كشف الوزير سعيود عن إعادة أكثر من 82 ألف مهاجر غير شرعي إلى بلدانهم الأصلية، في عمليات قال إنها تتم بصورة منظمة وآمنة وبالتنسيق مع الجهات المعنية.

كما أشار إلى تسخير إمكانيات مادية وبشرية للتكفل بالمهاجرين، من خلال توفير الرعاية والخدمات الضرورية خلال فترة وجودهم في مراكز الاستقبال، قبل تنظيم عمليات إعادتهم.

وتعكس هذه الإجراءات محاولة لتحقيق توازن بين مقتضيات حماية الحدود والتعامل الإنساني مع المهاجرين، في ظل تعقيدات متزايدة تفرضها الظاهرة.

شبكات التهريب تحت المجهر

ولا تنظر السلطات الجزائرية إلى الهجرة غير الشرعية باعتبارها ظاهرة منفصلة عن الجريمة المنظمة، إذ يمثل نشاط شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر أحد أبرز مصادر القلق الأمني المرتبطة بالملف، خاصة أن هذه الشبكات تستفيد من هشاشة الأوضاع في دول الساحل ومن حاجة المهاجرين إلى طرق عبور آمنة، لتحويل الهجرة إلى نشاط مربح يقوم على تنظيم المسارات وتوفير وسائل النقل وتحديد نقاط العبور.

ومن هذا المنظور، فإن ارتفاع أعداد المتسللين في بعض العمليات ووصولها إلى آلاف الأشخاص دفعة واحدة يفرض تعزيز التحقيقات بشأن طبيعة هذه المسارات والشبكات التي تقف وراءها وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد تحركات عفوية.

مقاربة تتجاوز الترحيل إلى حماية الحدود

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف الهجرة غير الشرعية أصبح بالنسبة للجزائر قضية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها حماية الحدود مع مكافحة الجريمة المنظمة والتعامل مع الأزمات الإقليمية في منطقة الساحل.

وفي الوقت الذي تواصل السلطات عمليات إعادة المهاجرين إلى بلدانهم، تركز الأجهزة الأمنية على منع عمليات التسلل من الوصول إلى داخل التراب الوطني، وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح المكلفة بحماية الحدود.

وتضع محاولة التسلل الجماعي لنحو 5000 شخص السلطات أمام تحد جديد، ليس فقط من حيث حجم التدفق، وإنما أيضا من حيث ضرورة فهم طبيعة المسارات التي تسمح بتحرك أعداد بهذا الحجم نحو الحدود الجزائرية.

وبذلك، يتجه ملف الهجرة غير الشرعية في الجنوب، على ضوء تصريحات الوزير سعيود، إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تجعل من مراقبة الحدود وملاحقة شبكات التهريب، إلى جانب معالجة الأسباب الإقليمية للهجرة، عناصر أساسية في المقاربة الجزائرية لحماية أمنها القومي، مع الحفاظ على البعد الإنساني في التعامل مع المهاجرين.