الوطن

"لا أتفق مع من يتهم الجزائر بتقييد الحريات الدينية"

يخوض رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، الكاردينال جون بول فيسكو، في هذا الحوار مع "الخبر"، في عدد من الأسئلة حول المسائل والملفات الهامة التي تعني العلاقات بين حاضرة الفاتيكان والجزائر.

  • 613
  • 8:38 دقيقة
الكاردينال، جون بول فيسكو (على اليسار) مع صحفي "الخبر"، الصورة: "الخبر".
الكاردينال، جون بول فيسكو (على اليسار) مع صحفي "الخبر"، الصورة: "الخبر".

حاوره: محمد الفاتح عثماني

يخوض رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، الكاردينال جون بول فيسكو، في عدد من الأسئلة حول المسائل والملفات الهامة التي تعني العلاقات بين حاضرة الفاتيكان والجزائر، وفي مقدمتها زيارة البابا ليون الرابع عشر، اليوم. كما أبدى رجل الدين الذي اكتسب الجنسية الجزائرية منذ نحو ثلاث سنوات، في لقاء مع "الخبر" بمكتبه بالأسقفية في قلب العاصمة، موقفه تجاه تقرير أمريكي أدرج الجزائر ضمن دول تقيّد الحريات الدينية، وتجاه طريقة تعاطي منظمة الأمم المتحدة مع ما يحدث في غزة وفي إيران وأوكرانيا.

أوفدت الفاتيكان سفيرا جديدا منذ نحو شهر، ما هي خلفية هذا التغيير، خاصة وأن الخطوة سبقت الإعلان عن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر بأسابيع ؟

. إن الفاتيكان كدولة وكمقر الكنيسة الكاثوليكية في نفس الوقت، لديه بعثات دبلوماسية في أزيد من مائة دولة، وإحدى هذه البعثات الدبلوماسية، وهي سفارة، تقع في الجزائر العاصمة، وتغطي الجزائر وتونس. ويتمتع السفير بنفس الصلاحيات التي يتمتع بها أي سفير من أي دولة في العالم موجود في الجزائر. وكأي سفير، يُعيّن عادةً لمدة أربع سنوات تقريبًا، وعليه فهو تغيير روتيني تمامًا.

تستعد الجزائر لاستقبال البابا ليون الرابع عشر غدا، في حدث تاريخي غير مسبوق، من منطلق أن البلد يُعتبر مسقط رأس ومهد واحدا من أعمدة وأهم شخصيات المسيحية المبكرة، القديس أوغسطين، الذي يُقدّم على أنه الأب الروحي للبابا الحالي.. ما الرسائل التي تعتقد أن تحملها هذه الزيارة؟

. ما هو مهم؛ هو أن البابا ليون ينتمي فعلاً إلى نظام ديني مرجعيته مستلهمة من القديس أوغسطين، ولذلك فإن شخصية القديس أوغسطين مهمة جداً بالنسبة له. لكنّه لا يأتي إلى الجزائر، للقيام بحجّ شخصي تقفيا لأثر القديس المذكور الذي ولد وعاش في الجزائر، وإنما يأتي من أجل جزائر اليوم، ولزيارة البلد وسكانه، وأعتقد أن هذا أمر مهم جداً.

فقد سبق للبابا أن زار الجزائر عندما كان رئيساً لهذه الرهبنة الدينية مرتين، وزار الأماكن المرتبطة بالقديس أوغسطين، لذلك فهو لا يأتي لإعادة اكتشافها، بل يأتي الآن بصفته بابا، تلبية لدعوتين: دعوة الكنيسة، ودعوة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون. كما أن الزيارة تأتي بصفته كرئيس دولة، يجب أن يتلقى دعوة من رئيس الدولة، وهذا ما حدث بالفعل. وبصفته زعيم ديني، يتعين أيضا أن يتلقى دعوة من مسؤول الكنيسة.

وما هو تاريخي في هذه الزيارة، أيضا، هو أن الجزائر بلد مسلم. وبالتالي فإن أخاً مسيحياً يأتي على خطى القديس أوغسطين ليلتقي بلداً وشعباً مسلماً؛ وهذا أمر جميل جداً، وسيُستقبل بهذه الروح، وهو فعل رمز قوي للغاية.

وبودي الإشارة أيضا، إلى أن هذه الزيارة هي في الواقع ثاني رحلة له، لكنها في الحقيقة هي أول رحلة ينظمها بنفسه فعلياً، فهو لم يزر تقريباً أي بلد مسلم منذ اعتلائه المنصب الديني المرموق، سوى تركيا ولبنان. أما تركيا فكانت زيارة مبرمجة مسبقاً من قبل سلفه ولبنان بلد يتضمن في تركيبته أقلية مسيحية كبيرة نسبيا.

لذلك من الجميل أن يختار الجزائر كأول بلد بأغلبية مسلمة ساحقة، ينظم زيارته له بنفسه، ثم سيواصل جولته في القارة الإفريقية لزيارة ثلاث دول أخرى وهي أنغولا، وغينيا الاستوائية والكاميرون.

ماذا عن التحضيرات لهذه الزيارة؟ 

. الإعداد للحدث سار بسرعة كبيرة، وتم في ظروف جيدة جداً، لأن رئيس الجمهورية أعطى تعليمات واضحة لكي تكون هذه الزيارة التاريخية على أعلى مستوى من الجودة والتنظيم، وهذا ما سيحدث بالفعل ونحن نعمل من أجل بلوغ هذا المستوى مع فرق رئاسة الجمهورية ووزارة الشؤون الخارجية ووزارة الشؤون الدينية، خاصة أنها علاوة على أنها زيارة دولة، فهي زيارة رفيعة المستوى، ولها أهمية تاريخية ورمزية كبيرة في عالم اليوم.

أما فيما يتعلق بمسار الزيارة، فالبرنامج يكاد يكون قد اكتمل وهو يتضمن بشكل عام: يوماً في الجزائر العاصمة، ثم يوماً في عنابة، ثم المغادرة صباح اليوم التالي، من دون أن يتنقل إلى سوق أهراس. 

سيزور البابا عنابة، كما سيزور آثار هيبون حيث توجد "بازيليك" السلام المرتبطة بالقديس أوغسطينوس، وسيلتقي بأهل عنابة. كما سيقيم قداساً في "بازيليك" القديس أوغسطينوس.

أما بالنسبة للسؤال حول ما إذا كانت هذه الزيارة تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين العالمين، فقد قال البابا بنفسه عندما تحدث عن رغبته في زيارة الجزائر: "أود أن آتي إلى الجزائر لمواصلة بناء الجسور بين العالم المسيحي والعالم المسلم."

ما هي طبيعة الخطاب الذي سيتوجه به البابا، هل سيحمل رسائل سياسية أو دينية أو غيرها؟ 

. لا أعرف بالضبط ماذا سيقول، فنحن عندما ننظم رحلة من هذا النوع، علينا فقط أن نقترح موضوعاً أو عنواناً للزيارة، وقد اخترنا عنواناً مستلهماً من أول الكلمات التي قالها البابا فرنسيس عندما انتُخب وظهر على شرفة كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان. وهي "السلام عليكم".. وهي الكلمات الأولى التي تُقال في بداية صلاة القداس وعندما سمعتها شعرت كأنني أسمع «السلام عليكم»، لذلك فهي كلمات تحمل رسالة سلام.

وأعتقد أن هناك رسالة سلام في هذه الرحلة.. فجميع هذه البلدان لديها ذاكرة مثقلة بالعنف والاستعمار والظلم وآمل أن يحمل هذا الرجل، رجل السلام، كلمات سلام تجاه هذه الذاكرة المجروحة الموجودة في هذه البلدان، وخصوصاً الذاكرة الاستعمارية المؤلمة..

أتمنى أن يكون هذا هو مضمون الزيارة، وما أعرفه هو أن زيارة البابا لأي بلد في العالم هي دائماً لحظة بركة، لأن البابا لا يأتي ليوقع عقوداً، ولا ليعقد تحالفات، ولا ليبرم صفقات.. إنه يأتي بروح من العطاء المجاني. وما أعرفه أيضا أن خطابه لن يكون خطاباً دينياً. فالخطاب الديني سيُقدم خطاباً دينياً للمسيحيين عندما يقيم القداس في "بازيليك" القديس أوغسطينوس في عنابة وفي كنيسة سيدة إفريقيا. لكن بقية زيارته ستكون بأبعاد روحية وأخلاقية وإنسانية.

وعن الرسائل السياسية التي ذكرت، فالكثير من الناس يتخيلون أن البابا يأتي دائما برسالة سياسية، لأننا جميعاً نعيش في عالم السياسة. لكن البابا ليس رجل سياسة للجزم بذلك، بالرغم من أن كلماته لها تأثير كبير، وأنه أحياناً يضطر إلى اتخاذ مواقف سياسية، لكن في هذه الزيارة لم يأت بأجندة سياسية، بل بأجندة روحية.

ومع ذلك، يمكن القول إن الروحانيات قد يكون لها تأثيرا سياسيا على المدى البعيد، لأنها قد تمس القلوب وتفتح الطريق لتفاهم أكبر بين الناس. وبالنسبة لي، فإن هذا اللقاء مع الشعب الجزائري أهم حتى من اللقاء بتاريخ القديس أوغسطينوس.

تحدث تقرير للخارجية الأمريكية مطلع 2024 ، عن "إدراج الجزائر ضمن قائمة الدول التي توجد تحت مراقبة خاصة بسبب انتهاكات في مجال الحريات الدينية"، وأنت رجل دين مسيحي تعيش في البلد منذ أكثر من عشرين عاماً، هل لمست هذا الواقع المذكور في الوثيقة الأمريكية، وهل تطرقت إلى هذه المسألة خلال لقاءات سابقة مع السلطات الجزائرية؟

. الاختلاف الديني ليس أمراً سهلاً في أي مكان في العالم، وفي أي بلد كان. لذلك القول إنه أمر سهل أو طبيعي أو متحكم فيه كليا، ليس صحيحاً، سواء أكان هنا أكثر مما هو في فرنسا أو في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر؛ فالاختلاف الديني يحتاج إلى قدر كبير جداً من احترام دين الآخر، ويحتاج إلى الكثير من الثقة المتبادلة.

نحن، بصفتنا الكنيسة الكاثوليكية، نعمل منذ سنوات على بناء هذا الرابط من الثقة ونرى الجهود المبذولة للتقدم نحو مزيد من الحرية الدينية المطالب بها، بالتالي ثمة عمل حقيقي تقوم به السلطات، واستشعر إرادة حقيقية، وأنا لا أنكر ذلك إطلاقاً.

لكن يتعين الإدراك أيضا، أن الحرية الدينية ليست مجرد مسألة قوانين، بل هي أيضاً مسألة مجتمعية، مرتبطة بمدى قبول المجتمع كله لهذا الاختلاف وعليه فإنها مسألة معقدة للغاية. كما يجب الانتباه بأنها لا تُطرح بالطريقة نفسها هنا مثلما تُطرح في الولايات المتحدة مثلاً؛ فنحن لا نتحدث عن السياق نفسه.

لذلك من الصعب جداً الحديث عنها باختصار أو ضمن تقرير عابر، لذا ما أستطيع قوله ببساطة هو أننا نعمل ضمن علاقة من الثقة، ونواجه هذه القضايا بروح من الثقة مع شركاء لديهم الرغبة في أن تكون الجزائر بلداً يمكن فيه التعايش مع الاختلاف الديني وأنا أشهد على ذلك.

بالتالي، فالمسألة في نظري هي مسار طويل نتقدم فيه دائما، ولا أعتقد أن هناك الكثير من الدول التي يمكنها أن تعطي دروساً للآخرين في هذا المجال؛ فأنا أحذر من الدول التي تعطي الدروس، لأن مسألة الاختلاف الديني، ومع ما يمكن أن يصاحبها من استغلال سياسي، هي مسألة شديدة التعقيد، ولا يمكن اختزالها في حكم بسيط.

أما الذين يريدون توبيخ الجزائر في هذا الموضوع، فإنا لا أتفق معهم تماما. وبودي الإشارة إلى أن وزارة الشؤون الدينية تنظم كل سنة ندوة حول الحرية الدينية، وهي ندوة رئيسية بالنسبة لها، وكان يمكنها اختيار موضوع آخر، وكل سنة تتم دعوتنا للمشاركة فيها. كما يتعين التنويه بمبادرات ملموسة، مثل مشروع ترميم كاتدرائية القلب المقدس الذي نعمل فيه معا.

وبالرغم من ذلك، تظل الحرية الدينية، أساسا، مسألة تنشئة وتعليم في المؤسسات التربوية، ومسألة توعية وتحسيس في المجتمع، وليس فقط قضية قوانين وقرارات.

وفي النهاية، لا يوجد بلد يستطيع أن يعطي دروساً لبلد آخر.. فهذه القضية موجودة ومعقدة في كل مكان، ولا يوجد مكان في العالم يمكن القول إن الأمر فيه بسيط تمام.

تفرض الأحداث الدولية الراهنة نفسها علينا، لاسيما الحرب التي تُشن على إيران من قبل "إسرائيل" والولايات المتحدة، هل نتوقع أن تؤدي الكنيسة دوراً ما، ولو رمزياً، في الأحداث؟

. في هذه المسألة تحديداً، أترك الكلمة للبابا؛ فهو الذي ينبغي أن يقول ما يجب قوله، وليس لي أن أحل محله بالإدلاء بتصريح في هذا السياق، علما أن البابا ليون وأسلافه، عبروا عن مواقفهم تجاه العديد من النزاعات. وفي هذه الحالة بالذات، يعود إليه هو أن يقول شيئاً بشأنها. أما أنا فقد تكون لي آراء شخصية، وأحتفظ بها لنفسي.

تتماهى الوضعية الحالية مع ما طرحه الفيلسوف البريطاني صاموئيل هنتغتون في كتابه الشهير "صدام الحضارات" الذي استشرف "عودة النزاعات على أسس حضارية وثقافية"، بعدما كانت بخلفيات أيديولوجية واقتصادية، هل تشاركونه هذا التحليل في ضوء وصول تيارات محافظة إلى السلطة في عدد من الدول الغربية، وكذلك في ظل الأحداث الجارية في الشرق الأوسط؟

. هذا الكتاب قديم على حد ما أذكر، نشر في منتصف التسعينيات.

هو عبارة عن دراسة استشرافية متوسطة المدى وثمة من يراها قد تحققت فعلا.

صحيح، لكن بين عامي 1992 و2026، هناك تغييرات جذرية شهدها العالم بل في الأشهر الأخيرة فقط عرف العالم انقلابًا كاملًا للنظام العالمي. واليوم، هذه الحرب في إيران تمثل انهيار لميزان القوى تمامًا ووضعنا أمام قانون الأقوى، الذي ظننت أننا تركناه خلفنا.

واليوم من يمتلك السلاح الأقوى، يتجاهل جميع قوانين بلاده ويعلن الحرب على إيران دون تفويض مؤتمر، ومتجاهلا جميع القوانين الدولية. وعليه لست متأكدا إن كان الوضع الراهن يتعلق بما قاله الشخص الذي اقتبست منه.. لكن أسلافنا كانوا يعتقدون أن المؤسسات العالمية الكبرى ستجلب المزيد من السلام للعالم وفي نهاية المطاف.. لقد دمروا كل شيء.

إذن، ها هو نفس المنطق الذي رأيناه في غزة، وفي أوكرانيا ونراه في كل مكان، اليوم وأنا متأكد أن قانون الأقوى لن يجلب السلام أبدًا، لأنه سيكون هناك دائمًا من هو أقوى من الأقوى، وسيظل الصراع قائمًا؛ فالفيلسوف الذي ذكرتموه كان يتطلع إلى الأمام بثلاثين عامًا، أما اليوم فالشخص الذكي هو ذلك الذي يستطيع أن يتنبأ حتى بستة أشهر قادمة فقط.

وهنا أريد الإشارة إلى مفارقة لافتة، هي أن نحو 3 مليارات شخص من المسلمين والمسيحيين توجّهوا نحو الله، من خلال ممارسات دينية كبيرة، الصوم الكبير وشهر رمضان في نفس اليوم. صحيح أنهما لا يُعاشان بالطريقة نفسها، لكن المعنى واحد: محاولة التوجّه إلى الله، والتطهّر، والاقتراب منه، لكن وفي نفس الوقت تندلع الحرب.. إنه أمر مدهش، لكن في الوقت ذاته أظهر أن طريقنا في ممارسة أدياننا، ليس لها تأثيرا على العالم وربما على علاقتنا مع جيراننا وأصدقائنا وعائلاتنا، هذا هو ما يجب إنقاذه اليوم. 

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع