الوطن

محمد حربي.. قصة ثوري يساري ومؤرخ خارج التصنيف

كان الراحل يعتبر أن مهمة المؤرخ ليست تمجيد الماضي بل فهمه ونقده.

  • 689
  • 2:51 دقيقة
محمد حربي. ص:ح.م
محمد حربي. ص:ح.م

شكلت وفاة المؤرخ محمد حربي، مؤرخ الثورة التحريرية، كما يلقب في الوسط الإعلامي، أمس، عن عمر ناهز 92 سنة، في باريس، نهاية مرحلة من التأريخ للثورة وبدايات الاستقلال، بوصفه واحدا من القلائل جدا الذين عايشوا وساهموا في صناعة التاريخ وكتبوا عنه، بمنهج موضوعي ونقدي، خال من الشعبوية والدعاية، ليتحول إلى ذاكرة وشاهد على حقبة 1953 و1965، تاريخ انقلاب قائد الأركان، هواري بومدين، على الرئيس أحمد بن بلة.

تختلف سيرة الثوري اليساري عن رجالات الثورة، فبقدر ما كانت في الظل نسبيا وبعيدة عن الأضواء، فهي صاخبة بمواقفه التي كانت خارج النسق، تجاه طبيعة الحكم في فترة بومدين، ودور الحزب الواحد، ومكانة الديمقراطية في الجزائر، رغم أنه كان جزء من السلطة في فترة الرئيس أحمد بن بلة.

ولد المؤرّخ في الحروش بسكيكدة، في عائلة ثرية، ودرس في ثانوية "فيليب فيل" بمسقط رأسه، وتدرّج في الأطوار الدراسية، وصولا إلى شهادة البكالوريا التي قال إنه فشل في اجتيازها بسبب "نشاطه السياسي"، بحسب تصريحات له في آخر حواراته التي أجرتها معه اليومية الفرنسية "لوموند" سنة 2019.

منذ الصغر، ظهرت على شخصية حربي ملامح الرفض للوضع القائم والجاثم على صدور الجزائريين، وكانت متناقضة حتى لتوجهات عائلته التي كانت مهتمة بالتجارة، فقاده تفكيره إلى الانخراط المبكر في النضال السياسي والثوري، عندما أرسل إلى باريس من قبل عائلته، انتهز الفرصة وشغل منصب مسؤول اللجنة الصحافية لفدرالية جبهة التحرير في فرنسا، وكان من دعاة تأسيس الودادية العامّة للعمال الجزائريين بفرنسا.

وفي اللقاء الصحفي، قدم حربي فصولا عن سيرته، وعن الأحداث المفصلية الثورية التي عايشها وشارك فيها، وكشف بأنه تجنّد قبل جبهة التحرير الوطني، في حركة انتصار الحريات الديمقراطية بقيادة مصالي الحاج سنة 1948، ثم روى شهادته على الانشقاق الذي حدث في ديسمبر سنة 1953، في قلب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، بين اللجنة المركزية ورئيس الحركة، مصالي الحاج، الذي كان له، بحسبه، ثلاثة أهداف: تعبئة الشعب، تدويل القضية الجزائرية، وتكوين إطارات عسكرية في الخارج، ليعودوا بعدها إلى الجزائر للعمل تحت سلطة سياسية.

في حين كان حربي "شخصيا من مؤيدي الكفاح المسلّح"، معترفا لاحقا في شهاداته أن تلك الخصومات "تسبّبت في أضرار بالغة"، ومقتنعا، رغم مساندته العمل المسلح، بفكرة أن "الكفاح في إطار عسكري محض، يمكنه أن يكون أيّ شيء عدا أن يكون ثورة"، وفق ما نقله عنه اللقاء.

وبعد الاستقلال ومشاركته في الجهد الوطني خلال فترة الرئيس أحمد بن بلة، رفض حربي المسار الانقلابي الذي قاده هواري بومدين، وجهر بمعارضته له، فتعرض للسجن وللوضع تحت الإقامة الجبرية لمدّة ثماني سنوات في الجنوب، قبل أن يغادر إلى باريس سنة 1973، فارا عبر تونس، ثم جنيف، ففرنسا بجوازات سفر جيء بها من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وفق ما أفاد في اللقاء، رافضا، بعدها، الانخراط في أي مسار جديد، ومفضلا التفرع للكتابة والتأريخ للأحداث التي عايشها من وجهة نظر نقدية، إلى أن وافته المنية.

ويمتلك المؤرخ، الذي كانت له علاقات شخصية ومهنية وطيدة مع المؤرخ الفرنسي، جيلبر مينييه، المتخصص في تاريخ شمال إفريقيا، نظرة مختلفة عن التاريخ الثوري وما بعد الثوري، وعبّر عنها في مختلف لقاءاته ومؤلفاته، لكنها لم تر طريقها إلى المناهج الدراسية في الجزائر. كما ساند الحراك الشعبي بوصفه تجسيدا "للابتكار وتلك الديناميكية الفريدة، والذكاء الشعبي".

من أبرز مؤلفاته: "جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع"، و"الأصول الاجتماعية والسياسية للحركة الوطنية الجزائرية"، و"الجزائر والسلطة".. في هذه الأعمال، لا يكتفي حربي بسرد الوقائع، بل يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة، والعنف الثوري، وآليات الإقصاء، وحدود الشرعية التاريخية.

تميزت أعماله بالجرأة في تفكيك السرديات حول الثورة، معتمداً على الوثائق، والشهادات، والتحليل البنيوي لمسار الحركة الوطنية وجبهة التحرير الوطني، رافضا التقديس، سواء للأشخاص أو للأحداث، كما يُصرّ على الفصل بين الذاكرة والتاريخ، معتبراً أن مهمة المؤرخ ليست تمجيد الماضي بل فهمه ونقده.