لم تكتمل فرحة الكثير من الأسر والعائلات التي كانت تعيش أجواء حفلات الزواج عند اندلاع حرائق الأربعاء الأسود بجيجل، حيث حولت ألسنة النيران في لحظات قصيرة أفراح العرسان إلى أحزان، في حين اضطرت عائلات أخرى إلى إلغاء أو تأجيل المراسيم التي كانت مبرمجة إلى مواعيد غير معلومة على وقع ما لحق بها من أضرار.
شاءت الأقدار أن تتزامن الحرائق المهولة التي شهدتها منطقة جيجل مع فترة ــ غالبا ما يفضلها الكثير من سكان المناطق الريفية لإقامة الأعراس وحفلات الزواج ــ وذلك بالنظر إلى توفر الظروف الملائمة لذلك، سيما ما تعلق بحالة الطقس والأجواء الصحوة، كون مراسيم الإحتفلات يتم تنظيمها في فضاءات مفتوحة تميزها البساطة بعيدا عن القاعات، إضافة إلى أن هذه الفترة تعرف توافد العديد من العائلات التي تقطن في المدن والمناطق البعيدة إلى مسقط رأسها، ما يسهل عليها الحضور وتلبية دعوة أقاربها من أصحاب الأعراس.
صبيحة الأربعاء الأسود وقبلها بأيام لم تكن الكثير من العائلات التي دخلت في أجواء مراسيم الأعراس التي غالبا ما تدوم لأيام، أو تلك التي كانت في مرحلة التحضير لذلك، تتوقع أن شيء ما سيعكر أجواءها، وهي التي أعدت العدة ووفرت ما يلزم من إمكانيات لذلك، لكن ما هي إلا لحظات حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.
قصص لأعراس لم تكتمل
هي قصص من الواقع لأعراس لم تكتمل، حيث توقفت الزغاريد التي كانت تملأ بعض الأمكنة فجأة، ليحل محلها صراخ الأطفال والكبار على حد سواء، والصوت المنبعث من اللهب... مشاهد عاشتها عديد المشاتي والقرى المتضررة، حينما كانت بعض البيوت تعيش على وقع مراسيم أعراس الزواج، لحظة اندلاع الحرائق المهولة. وفجأة وجد الحضور أنفسهم في كر وفر بحثا عن أماكن آمنة، بعدما داهمتهم النيران وسحابة الدخان الكثيف.
ويقول الشاب "سليم" أحد شهود عيان من بلدية العنصر، "كل شيء كان عاديا في قريتنا التي كانت تحتضن عرس زواج، أجواء الفرح تعم محيط المنزل أين كانت تقام المناسبة، والمدعوون يتوافدون الواحد تلو الآخر تحسبا لبداية السهرة، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة يتفرقون دون وداع في لحظات من الرعب وشعور لا يوصف، بعضهم انتهى بهم الأمر في المستشفيات بعد أن أصيبوا بحروق وآخرون في حالة من الصدمة".
وببلدية برج الطهر، إحدى البلديات الأكثر تضررا من الحرائق، وبينما كان أهل أحد العرسان في طريق عودتهم في موكب من بيت العروس مساء الأربعاء، حيث قاموا بمراسيم "الحنة" التي غالبا ما تقام قبل يوم العرس بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام، وفق التقاليد والعادات المتعارف عليها بالمنطقة ومناطق أخرى، فإذا بهم يتلقون خبر وصول النيران إلى قريتهم ومحاصرتها للبيوت، فما كان عليهم سوى البقاء عند الأقارب في المدينة، إثرها توقف مسار الاحتفالات، حيث قرروا إلغاء مراسيم العرس الذي كان مبرمجا يوم السبت الذي تلا الفاجعة وتم إشعار المدعوين بذلك.
أعراس أجلت وأخرى مرت في أجواء صامتة
وفي خضم هول الكارثة اضطرت الكثير من العائلات إلى تأجيل الأعراس التي كان مقررا إقامتها خلال نهاية شهر أوت أو حتى في شهر سبتمبر الجاري، بعضها لأنها فقدت أفرادا منها أو من أقاربها وجيرانها، وأخرى لكون بيوتها تضررت وأثاث العرس أتلف، مع لجوء عرسان إلى اتخاذ قرار التأجيل تماشيا مع أجواء الحزن التي خيمت على المناطق التي تقطن فيها وتضامنا مع الضحايا.
وأشار "أحمد" الذي ينحدر من أعالي بلدية الجمعة بني حبيبي بأن عائلة من جيرانه كانت لحظة اندلاع الحرائق تحضر لإقامة عرس إبنها، حيث ضبطت كل الترتيبات وشرعت في توجيه الدعوات، بعد أن حددت تاريخ تنظيم الوليمة مع بداية هذا الشهر، وأضاف "كل شيء أوقفته النيران التي ألحقت أضرارا كبيرة بالمنزل والمنازل والمجاورة، وألتفت كل ما تم اقتناؤه لهذه المناسبة، فما كان عليها سوى تأجيل العرس إلى موعد غير محدد رغما عنها".
وبنفس البلدية تبخر حلم شاب في الأربعين من عمره في الزواج، بعدما أتت الحرائق على منزله الذي جهزه لهذا الغرض، وعلى الأثاث الذي اشتراه بما في ذلك غرفة النوم، الشاب الذي كان مقررا دخول القفص الذهبي بعد حوالي شهر، حسب أحد أصدقائه، يمر منذ يوم الحادثة بوضعية نفسية صعبة.
بمقابل ذلك وجد بعض العرسان الذين نجوا من "المحرقة" سواء على مستوى المناطق المتضررة أو في المشاتي الأخرى المتاخمة لها، أنفسهم مضطرين لاجتياز المناسبة في صمت، بعد أن قاموا بجميع الإجراءات والتحضيرات، كما حصل ببلدية بوراوي بلهادف، حيث كشف أحد السكان بأن عائلة من أقاربه كانت بصدد إقامة عرس لإبنها وفق عادات وتقاليد المنطقة، غير أنها ألغت كل المراسيم ولجأت إلى جلب العروس في صمت تام، مع توزيع الأطباق التي كانت موجهة للمدعوين على العائلات المتضررة.
هبة تضامنية مع عروس أتلف جهازها
وبين هذا وذاك خلفت الحرائق التي شهدتها منطقة جيجل خسائر مادية ونفسية كبيرة لدى الكثير من عرسان المستقبل، الذين نجوا بأجسادهم، وفقدوا ما كل ما يملكونه من مستلزمات كانوا قد وفروها لأنفسهم تحسبا لدخولهم البيت الزوجية، على غرار قصة عروس من بلدية الشحنة، التي أتت ألسنة اللهب يوم الخميس 27 أوت على كافة ما حضرته من "جهاز" أو ما يعرف محليا بـ "الشورة"، والذي أصبح في لحظات قصيرة عبارة عن أكوام من الرماد والسواد بعد أن أحترق منزلها العائلي، فتحولت أحلامها فجأة إلى محنة، قبل أن تلتفت إليها أيادي الخير من خلال هبة تضامنية وتم تعويضها بكميات من هذه المستلزمات.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى