مجتمع

"مطفأة الحريق".. لمن استطاع إليها سبيلا

القانون رقم 26-09 المتعلق بقانون المرور، المنشور في الجريدة الرسمية في ماي الماضي، أقر إلزامية تجهيز المركبات بمعدات للسلامة، من بينها مطفأة الحريق.

  • 611
  • 7:01 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يكن أصحاب السيارات يتوقعون أن تتحول مطفأة الحريق، ذلك التجهيز الذي ظل لسنوات منسيا في كثير من المركبات، إلى واحد من أكثر المنتجات طلبا وإثارة للجدل في السوق، فمنذ بدء تطبيق مقتضيات قانون المرور الجديد والتذكير بإلزامية حيازتها، وجد السائقون أنفسهم أمام واقع جديد: منتج أصبح اقتناؤه ضرورة قانونية، لكنه في المقابل شحيح في نقاط البيع وأسعاره تتغير من محل إلى آخر بشكل لافت.

القانون رقم 26-09 المتعلق بقانون المرور، المنشور في الجريدة الرسمية في ماي الماضي، أقر إلزامية تجهيز المركبات بمعدات للسلامة، من بينها مطفأة الحريق، مثلث التشوير والسترة العاكسة، فيما يصنف غياب هذه التجهيزات ضمن مخالفة من الدرجة الثانية، بغرامة جزافية قدرها 4000 دينار، لكن ما يحدث في السوق يبدو أبعد من مجرد ارتفاع عادي في الطلب.

جولة قادت "الخبر" بين نقاط بيع تجهيزات السيارات ومحلات قطع الغيار، إلى جانب متابعة العروض المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت عن تفاوت صارخ في الأسعار، خصوصا بالنسبة للمطفآت الصغيرة الموجهة للسيارات السياحية والنفعية الخفيفة.

ففي الوقت الذي كان فيه سعر مطفأة بوزن كيلوغرام أو كيلوغرامين يدور- حسب شهادات المتعاملين في السوق- في حدود الـ 2000 دينار جزائري، باتت بعض العروض تضع سعر مطفأة الكيلوغرامين عند 8000 أو 8800، بل وحتى 9500 و10000 دج، وأحيانا ضمن "باك" يضم تجهيزات أخرى.

المفارقة أن السعر لا يبدو ثابتا حتى داخل السوق نفسها، فبائع يعرض بسعر، وآخر بسعر مختلف تماما، فيما يختفي المنتج من بعض المحلات ويظهر في نقاط أخرى بأسعار أعلى.

والأكثر إثارة للانتباه هو ما يحدث عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تظهر إعلانات بأسعار تبدو مغرية، قبل أن يكتشف الزبون عند الاتصال أن الكمية "نفدت"، وأن توفيرها لاحقا ممكن، ولكن بسعر مختلف وأعلى، وهي ممارسات تستدعي تدقيق الجهات الرقابية، خصوصا في سوق أصبح فيه المستهلك تحت ضغط عاملين متزامنين: الخوف من الغرامة وندرة المنتج.

الطلب الإجباري يضغط على السوق

وتبدو المعادلة واضحة: بمجرد أن أصبح اقتناء المطفأة مرتبطا بالامتثال للقانون، تحولت من منتج هامشي إلى حاجة عاجلة بالنسبة لملايين أصحاب المركبات، ومع تداول شهادات سائقين يؤكدون تعرضهم لمخالفات بسبب غياب تجهيزات السلامة، ارتفعت وتيرة التحذيرات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت الدعوة إلى اقتناء المطفأة إلى حالة استعجال جماعية، وفي مقابل ذلك لا يبدو العرض قادرا على مواكبة هذا الطلب المفاجئ.

وتشير معطيات استقتها "الخبر" في السوق إلى أن مطافئ السيارات الصغيرة لم تكن تحظى سابقا بنفس الطلب الذي تعرفه اليوم، ما جعل المخزون محدودا، قبل أن يؤدي دخول الإلزام القانوني إلى رفع الطلب في وقت قصير، غير أن هذا العامل، حتى وإن كان يفسر جانبا من الندرة، لا يفسر وحده التفاوت الكبير في الأسعار ولا العروض المتضاربة، وهي نقاط تبقى بحاجة إلى تفسير اقتصادي ورقابي.

إحجام التجار عن اقتناء المطفآت بسبب تقلب الأسعار

وخلال جولتنا بين عدد من محلات بيع لوازم السيارات، لاحظنا أن المطفآت أصبحت من أكثر المنتجات التي يسأل عنها أصحاب المركبات، لكن العثور عليها ليس سهلا دائما، في وقت أكد فيه أحد الباعة لنا أن الكميات الشحيحة المتوفرة تنفد بسرعة، فيما قال آخر أن الأسعار تختلف من محل إلى آخر، خاصة بالنسبة لمطفآت 2 كلغ.

وحسب أحد التجار الذين تحدثنا إليهم كذلك، فإن ارتفاع سعر المطفآت ونقص توفرها جعلا العديد من التجار يتفادون اقتناءها وعرضها، خوفا من شرائها بأسعار مرتفعة وعدم القدرة على بيعها، ويقول أن الوضع الحالي "غير واضح، والأسعار تتغير باستمرار"، ما يجعل التاجر نفسه مترددا في اقتناء كميات كبيرة.

أما أصحاب السيارات الذين التقينا بهم، فاشتكى أغلبهم من صعوبة العثور على المطفأة بسعر يتقبله المنطق، فيما قال أحدهم "بحثت في عدة أماكن، وكل مرة أجد سعرا مختلفا"، فيما قال آخر: "الأسعار مرتفعة جدا، حتى أغلى من الغرامة بكثير، وهذا لا يتقبله العقل".

وبينما تؤكد الجهات الأمنية أن الهدف من إلزامية هذه التجهيزات وقائي بالدرجة الأولى، باعتبار أن مطفأة صالحة للاستعمال قد تساهم في السيطرة على حريق في بدايته، فإن التطبيق الميداني للقرار أفرز مشكلة أخرى مرتبطة بالسوق، في وقت أعادت فيه مصالح الدرك الوطني التذكير بوجوب توفر المطفأة ومثلث التشوير والسترة العاكسة، مع التنبيه إلى الغرامة المترتبة عن غيابها.

"غياب التنسيق بين القرار والعرض يربك السوق"

ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور حاتم حركاتي، أن أزمة مطافئ الحريق التي برزت في السوق عقب دخول إلزامية اقتنائها حيز التنفيذ، ينبغي قراءتها من زاويتين اقتصاديتين مترابطتين، تتمثل الأولى في الارتفاع المفاجئ والقوي للطلب، بينما تتعلق الثانية بمدى قدرة العرض المحلي وشبكات التوزيع على الاستجابة السريعة لهذا الطلب الجديد.

وأوضح حركاتي، في حديث مع "الخبر"، أن المعطيات المتداولة في السوق خلال سبتمبر 2026 تشير إلى ارتفاع أسعار مطافئ الحريق الموجهة للمركبات من حوالي 2000 دينار إلى ما بين 6000 و12000 دينار في بعض نقاط البيع، حسب النوع والمواصفات، وهو ما يعني في بعض الحالات زيادة تصل إلى خمسة أو ستة أضعاف السعر السابق، معتبرا أن مثل هذا الارتفاع لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تغير عادي في الأسعار.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن "ارتفاع السعر، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات وجود مضاربة"، مؤكدا ضرورة تتبع سلسلة تكوين السعر منذ دخوله إلى السوق إلى غاية وصوله للمستهلك، ويشمل ذلك معرفة سعر اقتناء المنتج لدى المستورد أو المنتج، ثم سعر بيعه بالجملة، وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع، وهوامش مختلف المتدخلين، وصولا إلى السعر النهائي لدى المستهلك.

وحسب حركاتي، فإذا ارتفع سعر البيع بالتجزئة مثلا من 2000 إلى 8000 دينار، بينما لم ترتفع تكلفة التموين أو الاستيراد إلا بشكل محدود، فإن الفارق الكبير بين السعرين يشكل مؤشرا يستدعي التحقيق. أما إذا أثبت المورد أنه اقتنى السلعة بسعر أعلى بسبب نقصها، وتحمل في الوقت نفسه تكاليف إضافية مرتبطة بالنقل والتأمين والتمويل والتوزيع، فإن جزءا من الزيادة قد يكون ناتجا عن اختلال حقيقي بين العرض والطلب.

المشكلة في توقيت القرار واستعداد السوق

ويعتبر الخبير أن جوهر الإشكال لا يكمن في مبدأ فرض تجهيزات السلامة على المركبات، باعتبار أن توفير وسائل الحماية من الحرائق أمر مرتبط أصلا بالسلامة، وإنما في "مدى التزامن بين القرار التنظيمي وجاهزية السوق لتوفير المنتج بالكميات المطلوبة".

فإذا كان هناك، على سبيل المثال، مليون مركبة مطالبة باقتناء مطفأة، فإن السوق يحتاج إلى توفير مليون وحدة إضافية خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي المقابل، يوضح حركاتي، إذا قام بعض المتعاملين بتخزين كميات من المنتج انتظارا لارتفاع الأسعار، فإن الاختلال يتحول من مجرد مشكلة في العرض والطلب إلى "ممارسة تجارية تستدعي الرقابة".

تتبع السعر من المصدر إلى المستهلك

ويرى حركاتي أن معالجة الأزمة تتطلب عدم الاكتفاء بمراقبة السعر النهائي الذي يدفعه المواطن، وإنما تتبع "السلسلة الكاملة لتكوين السعر"، بداية من سعر دخول المنتج إلى الجزائر، ثم سعر بيعه بالجملة، وصولا إلى سعر التجزئة، مقترحا النظر إلى الكميات التي دخلت السوق خلال الأشهر التي سبقت دخول الإلزامية حيز التنفيذ، ومقارنتها بالكميات المطلوبة بعد صدور القرار.

ويؤكد أن البيانات الأساسية التي ينبغي تتبعها تتمثل في أربعة عناصر: سعر المنتج عند دخوله السوق، وسعر بيعه بالجملة، وسعره النهائي للمستهلك، إضافة إلى حجم الكميات التي تم استيرادها أو توفيرها في الفترة السابقة لتطبيق الإجراء.

وفي هذا السياق، يشدد على أن إثبات المضاربة لا ينبغي أن يقوم على الانطباعات أو مجرد مشاهدة أسعار مرتفعة، وإنما على "الفواتير، وكميات الاستيراد، ومستويات المخزون وحركة السلع داخل السوق"، فهذه المعطيات هي التي تسمح بتحديد المكان الذي حدث فيه الخلل بدقة: هل كان في تكلفة الاستيراد، أم في نقص العرض، أم في هوامش البيع بالجملة والتوزيع، أم في التخزين المتعمد، أم في رفع الأسعار دون مبرر اقتصادي.

لا لتسقيف الأسعار..

وبخصوص الحلول، لا يرى حركاتي أن تحديد سعر إداري للمطفآت يمثل الخيار الأفضل، معتبرا أن المعالجة الأكثر فعالية تمر عبر "زيادة العرض وفتح قنوات قانونية إضافية للتموين والاستيراد، وإتاحة المجال أمام عدد أكبر من المنتجين والمستوردين، بما يعزز المنافسة داخل السوق.

وفي الوقت نفسه، يشدد على ضرورة مراقبة الفواتير وهوامش التوزيع، وتتبع الفاتورة السابقة وسعر الاقتناء والكميات الموجودة وحركة المخزون.

"نطالب بتأجيل عقوبات مطفأة الحريق"

من جهته دعا رئيس الفيدرالية الجزائرية لحماية المستهلك، زكي حريز، إلى تأجيل تطبيق العقوبات المتعلقة بإلزام أصحاب المركبات بحيازة مطفأة حريق، وذلك في ظل النقص المسجل في هذه التجهيزات وارتفاع أسعارها بشكل كبير في السوق الوطنية.

وقال حريز لـ"الخبر"، أن الفيدرالية ترحب بإجراء إلزام أصحاب المركبات بوضع مطفأة حريق، باعتباره تدبيرا وقائيا من شأنه تعزيز السلامة والحد من مخاطر حرائق المركبات.

وأوضح المتحدث أن تطبيق هذا الإجراء يتزامن مع نقص في عرض مطفآت الحريق في السوق، مرجعا ذلك إلى الإجراءات الجديدة المنظمة للتجارة الخارجية ومحدودية رخص الاستيراد، وهو ما انعكس، حسبه، على قدرة السوق على توفير الكميات المطلوبة من هذه التجهيزات.

وأضاف أن هذا الوضع ساهم في تسجيل ارتفاع لافت في أسعار مطفآت الحريق، التي انتقلت من نحو 2000 دينار إلى 4000 دينار، ثم 8000 دينار، قبل أن تصل حاليا إلى حدود الـ 10 آلاف دينار، مع تسجيل ندرة حادة في توفرها لدى المهنيين، حيث طالب وزير الداخلية والنقل بتعليق تحرير الغرامات المالية من طرف المصالح الأمنية وتأجيل تطبيق العقوبات إلى حين توفر مطفآت الحريق بكميات كافية في السوق.

وأكد حريز أن تأجيل تطبيق العقوبات من شأنه مراعاة وضعية المواطنين وتمكين أصحاب المركبات من اقتناء هذه التجهيزات في ظروف عادية، مع ضمان توفرها بما يتناسب مع العدد الكبير للمركبات على المستوى الوطني.