مجتمع

الحرائق تختبر المؤثرين.. بين صنع الأثر وصناعة المحتوى

تفاعلهم مع الأزمة أثار الكثير من الانتقادات والتقدير أيضا.

  • 1145
  • 3:05 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في الوقت الذي ما تزال فيه جيجل تعيش على وقع آثار الكارثة التي خلفت ضحايا وخسائر مادية ونفسية كبيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة للتضامن والمساندة، حيث سارعت حسابات وصفحات رسمية لعدد كبير من المؤثرين داخل الجزائر وخارجها إلى التعبير عن الدعم والمساهمة في حملات جمع التبرعات، ومحاولة الوقوف إلى جانب العائلات المتضررة وتلبية احتياجاتها.

فبينما اختار مؤثرون تحويل حضورهم الرقمي إلى فعل ميداني حقيقي، فضل آخرون التوجه الى المناطق المنكوبة والجلوس مع السكان والاطلاع على احتياجاتهم وحتى المساهمة في تنظيم المساعدات وتوزيعها، اختار البعض الآخر أن يجعل من الكارثة فرصة للظهور في مشاهد أثارت استياء واسعا لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تعليقات أكدت عمق الكارثة، ولم يعد الجدل مرتبطا بمجرد نشر صور أو فيديوهات من جيجل، بل تجاوز ذلك إلى مضمون بعض المنشورات وطريقة التعامل مع الضحايا، خاصة عندما تحولت لحظات يفترض أن تكون مخصصة للمواساة والدعم إلى مادة للتصوير وجمع المشاهدات والإعجابات.

في المقابل، برزت نماذج أخرى قدمت صورة مختلفة تماما عن معنى التأثير الحقيقي، فبينما كان البعض منشغلا بعدد الصور التي يمكن نشرها، كان آخرون منشغلين بما يمكن تقديمه فعليا للناس، ومن بين النماذج التي لاقت تفاعلا إيجابيا مؤثر جزائري مقيم في فرنسا، وهو حلاق مشهور معروف في مواقع التواصل الاجتماع تحت اسم Karim astuces ، اختار أن يحوّل حضوره من مجرد تضامن افتراضي إلى مبادرة ميدانية، فقد تمكن، وفق ما أكده، من جمع نحو مليار و750 مليون سنتيم خلال 24 ساعة فقط بفضل مساهمات أفراد الجالية الجزائرية في فرنسا، قبل أن يتوجه مباشرة إلى جيجل لمعاينة الوضع والمساهمة في مساعدة المتضررين.

وبعيدا عن الاستعراض، قام هذا المؤثر، بتوجيه جزء من هذه الأموال إلى شراء مولدات كهربائية، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية للعائلات المتضررة تجاوزت في بعض الحالات 100 ألف دينار للعائلة الواحدة، دون تحويل عملية التوزيع إلى جلسات تصوير أو محتوى دعائي.

وخلال مدة لم تتجاوز أربعة أيام تنقل هذا المؤثر بين عدد من المناطق المتضررة، بلباس عادي ودون مظاهر بروتوكولية، متأثرا بما شاهده من معاناة السكان، قبل أن يعود إلى فرنسا لمواصلة عمله كحلاق، تاركا ما تبقى من الأموال تحت إشراف أشخاص آخرين ائتمنهم على متابعة عملية توزيعها ومواصلة مساعدة العائلات، وهنا ناقش بسببه الكثير من رواد التواصل الاجتماعي التأثير الحقيقي بين ما يقاس بعدد المتابعين والمشاهدات، وبين قدرة صاحب المنصة على تحويل شهرته وعلاقاته إلى منفعة حقيقية للمجتمع.

في المقابل، أثارت بعض التصرفات غضبا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا تلك التي بدت فيها الكارثة مجرد خلفية لصناعة محتوى سريع. فقد انتقد مستخدمون قيام بعض المؤثرين بتصوير أنفسهم مع ضحايا أو سكان متضررين، في مشاهد اعتبرها كثيرون غير لائقة، خصوصا عندما يظهر التركيز على الصورة الشخصية أكثر من التركيز على معاناة الأشخاص الذين يفترض أن يكونوا محور الزيارة.

ومن بين أكثر المشاهد التي أثارت سخرية وانتقادات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ظهور إحدى المؤثرات في مقطع مصور رفقة صديقاتها وهن يضحكن، بينما قامت بتلطيخ وجهها بالفحم، في محاولة لتقديم نفسها على أساس أنها وسط المناطق المتضررة في جيجل، وهو المشهد الذي كان يفترض أن يعكس التضامن تحوّل بالنسبة لكثير من المتابعين إلى مادة للانتقاد، باعتبار أن معاناة السكان ليست ديكورا لصناعة صورة أو وسيلة للحصول على مزيد من الإعجابات.

وأكد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، أن المؤثر الذي يملك ملايين المتابعين، على غرار مختصة في الطبخ الجزائري في بريطانيا، ومعروفة بأطباقها التي حوّلتها يوميا إلى عشرات الوجبات في علب توزع على المتضررين وحتى ضيوف جيجل، كانت لها قدرة كبيرة على توجيه الرأي العام وحشد التبرعات ونقل احتياجات المتضررين. وعلق آخرون، أن جيجل اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الكاميرات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الأيدي التي تساعد، والأموال التي تصل إلى مستحقيها، والمبادرات التي تخفف عن العائلات، والكلمة التي ترفع معنويات من فقدوا الكثير، مؤكدين أن مواقع التواصل الاجتماعي ومع عدد المشاهدات والإعجابات التي حققها هذا المؤثر أو ذاك قد تزول، لكنها لن تنسى من وقف فعلا إلى جانب الناس، عندما كانوا في أمس الحاجة إليه.