مجتمع

"منشآت إيواء الأيتام والمسنين مطالبة بمعايير حماية خاصة"

الجزائر تعد من أكثر دول العالم تعرضا للمخاطر.

  • 185
  • 3:31 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

أكد رئيس نادي المخاطر الكبرى في الجزائر، البروفيسور عبد الكريم شلغوم، أن مأساة الحريق الذي شهدته مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية وأودى بحياة عدد من الأطفال، تعيد إلى الواجهة ما وصفه بغياب منظومة وطنية متكاملة لتسيير المخاطر الكبرى، معتبرا أن المشكلة لا ترتبط بوسائل التدخل فقط، وإنما أساسا بضعف إجراءات الوقاية وعدم التطبيق الصارم للقوانين الموجودة.

وأوضح شلغوم في تصريح لـ"الخبر" أمس، أن حوادث من هذا النوع تدخل ضمن اختصاص تسيير المخاطر الكبرى، مشيرا إلى أن هذا الملف ينبغي أن يكون من صلاحيات هيئة عليا تتمتع بصلاحيات واسعة، لا مجرد مديرية إدارية تابعة لوزارة الداخلية.

وقال إن نادي المخاطر الكبرى كان قد اقترح منذ سنة 2004 إنشاء مندوبية وطنية لتسيير المخاطر والأزمات تكون تابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية، على غرار ما هو معمول به في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية، إلا أن السلطات أنشأت سنة 2014 مندوبية داخل وزارة الداخلية بصلاحيات محدودة.

وأضاف أن الجزائر تُعد من أكثر دول العالم تعرضا للمخاطر، إذ تواجه عشرة أخطار كبرى من أصل أربعة عشر خطرا معترفا بها عالميا، وهو ما يستدعي، حسبه، جهازا متخصصا يمتلك الخبرة والكفاءات اللازمة لإدارة هذه الأخطار، وليس مجرد هيكل إداري محدود الإمكانات.

وأشار إلى أن نادي المخاطر الكبرى يضم خبراء يعملون على مستوى فضاء البحر الأبيض المتوسط ويتابعون باستمرار ملفات الحرائق والفيضانات والزلازل وغيرها من الكوارث، مؤكدا أن الخبرة المتخصصة تبقى عاملا أساسيا في الحد من آثار هذه الحوادث.

وشدد شلغوم على أن الوقاية تمثل الركيزة الأساسية في إدارة المخاطر، موضحا أن "90 بالمائة من العمل يتعلق بالوقاية، بينما لا تتجاوز نسبة التدخل 10 بالمائة"، وأضاف أن مصالح الحماية المدنية تؤدي واجبها في مرحلة التدخل، غير أن نجاحها يبقى مرتبطا بوجود منظومة وقائية فعالة قبل وقوع الكارثة.

وقال إن أعوان الحماية المدنية "يقومون بعملهم ويضحون بحياتهم أحيانا"، لكنهم يجدون أنفسهم في مواجهة أخطار كان يمكن الحد منها لو احتُرمت معايير الوقاية والسلامة، مؤكدا أن غياب هذه المعايير لا يعرض الضحايا فقط للخطر، وإنما يعرض أيضا فرق الإنقاذ نفسها.

وبخصوص مؤسسات إيواء الأيتام والمسنين، أوضح المتحدث أن أولى شروط السلامة تتمثل في توفير مخارج ومنافذ نجدة مخصصة للإخلاء عند وقوع الحرائق أو الكوارث، بما يسمح بإخراج المقيمين بسرعة وأمان. وأكد أن هذه المنشآت مطالبة بالاستجابة لمعايير خاصة بحماية الأشخاص أثناء الكوارث، تشمل تنظيم عمليات الإخلاء وتوفير التجهيزات المناسبة ووضع مخططات تدخل واضحة يُتدرَّب عليها بشكل دوري.

كما لفت إلى أن تسيير الكوارث لا يتوقف عند مرحلتي الوقاية والتدخل، بل يشمل أيضا مرحلة ثالثة تتمثل في التكفل بالضحايا ومرافقتهم بعد وقوع الكارثة، معتبرا أن هذه الحلقة لا تزال ضعيفة في الجزائر.

وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الهلال الأحمر الجزائري في مرحلة ما بعد الكوارث، سواء من خلال التكفل بالمتضررين أو تقديم المساعدة الإنسانية والدعم النفسي والاجتماعي، معتبرا أن هذه المرحلة لا تقل أهمية عن التدخل الميداني الأول.

واستشهد شلغوم بالتجربة الإسبانية، موضحا أن فرق الهلال الأحمر هناك تنتشر بسرعة في أماكن الكوارث وتضم مختصين ومتطوعين مدربين يتكفلون بمرافقة الضحايا وتنظيم عمليات الدعم والإغاثة، وهو ما اعتبره نموذجا ينبغي الاستفادة منه.

وأكد المتحدث أن الجزائر تمتلك إطارا قانونيا متقدما في مجال الوقاية من المخاطر الكبرى، يتمثل في القانون رقم 04-20 المؤرخ في 25 ديسمبر 2004، الذي صدر عقب سلسلة من الكوارث التي شهدتها البلاد خلال سنوات قليلة.

وأوضح أن إعداد هذا القانون جاء بعد فيضانات باب الوادي سنة 2001 التي خلّفت نحو 1200 ضحية في ظرف لا يتجاوز خمس عشرة دقيقة، ثم فيضانات جانت سنة 2002 التي تسببت حسب قوله في خسائر مادية قُدّرت بحوالي مليار دولار، إضافة إلى انفجار مركب سوناطراك بسكيكدة سنة 2004 الذي أسفر عن قرابة مائة قتيل، فضلا عن زلزال بومرداس في 21 ماي 2003.

وأضاف أن السلطات آنذاك شكّلت لجنة خبراء ضمّت مختصين من الدولة وخبراء مستقلين، تولّت دراسة مختلف هذه الكوارث واستخلاص الدروس منها، قبل إعداد القانون الخاص بالوقاية من المخاطر الكبرى وتسيير الكوارث.

ووصف شلغوم هذا القانون بأنه "من بين أفضل القوانين في العالم" من حيث محتواه، غير أنه أكد أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف تطبيقه ميدانيا، معتبرا أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي إذا لم تُترجَم إلى إجراءات عملية وآليات رقابة دائمة داخل مختلف المؤسسات والمنشآت.

وأشار إلى أن مصالح الحماية المدنية أصبحت، من جهتها، منظمة وفق المعايير الدولية وتعمل باستمرار على تطوير وسائل تدخلها، إلا أن نجاح أي منظومة لمواجهة الكوارث يبقى رهينا، حسبه، بإعطاء الأولوية للوقاية واحترام قواعد السلامة وتفعيل القوانين القائمة، وإنشاء جهاز وطني متخصص يقود سياسة موحدة لتسيير المخاطر الكبرى والأزمات في الجزائر.

رزيقة أدرغال