رياضة

بعد سليماني.. لحسن وبن العمري "يقصفان" الناخب الوطني

الفوز على منتخب الأردن لم يوقف سيل الانتقادات ضد بيتكوفيتش.

  • 1226
  • 5:15 دقيقة
فلاديمير بيتكوفيتش
فلاديمير بيتكوفيتش

لم يكن الفوز الثمين الذي حققه المنتخب الجزائري أمام الأردن، في ثاني خرجاته ضمن منافسات كأس العالم 2026، كافيا لإخماد موجة الانتقادات التي تلاحق الناخب الوطني، فلاديمير بيتكوفيتش، بل إن الانتصار نفسه بدا وكأنه فتح بابا أوسع للتشكيك في حقيقة ما يقدمه "الخضر" فوق أرضية الميدان، وفي مدى قدرة المدرب السويسري على الارتقاء بمستوى ونتائج المنتخب في غياب هوية لعب واضحة تليق بالأسماء التي يمتلكها.

فبعد التصريحات القوية التي أدلى بها إسلام سليماني، عقب مباراة الجزائر والأردن، والتي تم تداولها على نطاق واسع، والتي انتقد فيها بشدة إدارة بيتكوفيتش للمنتخب، خرج الدولي السابق مهدي لحسن هو الآخر بتصريحات جديدة في أحد البرامج التحليلية على قناة إلكترونية فرنسية، حملت انتقادات أكثر صراحة وحدّة تجاه المدرب الأسبق لنادي بوردو، قبل أن ينضم إليه المدافع الدولي السابق، جمال بن العمري، الذي عبّر بدوره عن مخاوف واضحة من ضياع هوية المنتخب رغم الفوز المحقق أمام الأردن.

ولم يخف مهدي لحسن موقفه من العمل الذي يقدمه بيتكوفيتش، بل اختار كلمات مباشرة حين قال: "بالنسبة لي، بيتكوفيتش مدرب فاشل حقا، فأنا لا أرى أي خطة لعب واضحة للمنتخب منذ عامين أو ثلاثة أعوام"، قبل أن يضيف: "لا أعلم ما هي فكرة اللعب التي يعتمدها المنتخب الوطني اليوم، وما الهدف الحقيقي من أسلوبه؟ هل نلعب بالكرات الطويلة؟ أم نعتمد على الاختراق عبر المساحات الضيقة؟ لا توجد هوية واضحة".

ولم يتوقف لاعب "الخضر" السابق عند هذا الحد، بل عبّر عن انزعاجه من افتقاد المنتخب لما وصفه بالروح التي كانت تميّزه في السابق، معتبرا أن الإشكال لا يتعلق فقط بالنتائج، بل بما يقدمه المنتخب فعليا من صورة فوق أرضية الميدان. وقال في هذا السياق: "أكثر ما يزعجني هو غياب نهج لعب محدد، رغم أن اللاعبين محترفون ويعرفون ما يجب عليهم القيام به"، مضيفا: "المنتخب افتقد للروح التي اعتدنا رؤيتها لسنوات، وأرى أن هذه الروح غابت مع بيتكوفيتش".

هذه الخرجة تبعتها تصريحات أخرى لا تقل حدة أدلى بها جمال بن العمري لإحدى القنوات الخليجية، حيث أكد أنه وإن كان سعيدا بالفوز المحقق على الأردن، لكنه في المقابل غير مطمئن إطلاقا لما يقدمه المنتخب من الناحية الفنية. وقال بطل إفريقيا 2019 بصراحة: "أنا سعيد بفوز الجزائر أمام الأردن، لكني خائف على هوية المنتخب التي بدأت تتلاشى مع هذا المدرب"، مضيفا: "منتخبنا لا يلعب هكذا، ليس هذا أسلوبه".

وانتقد مدافع المنتخب السابق طريقة دخول "الخضر" في المباريات، معتبرا أن بيتكوفيتش يتأخر كثيرا في قراءة اللقاء والتفاعل معه، وهو ما يجعل المنتخب يدفع الثمن في الشوط الأول قبل أن يحاول تصحيح الأمور لاحقا. وقال في هذا الشأن: "يجب أن يفهم المدرب أن المباراة تبدأ في الشوط الأول من الدقيقة الأولى وليس في نهاية المباراة، وليس في الدقيقة 65"، قبل أن يضيف بلهجة غاضبة: "المدرب غائب تماما، تشعر وكأنه جاء من البيت في الدقيقة 65، بينما يجب أن يكون مركزا من الدقيقة الأولى إلى غاية نهاية المباراة".

ولم يُخف بن العمري استغرابه من تكرار نفس السيناريو في كل مرة، حين يظهر المنتخب بصورة باهتة في البداية، ثم ينتظر التغييرات في الشوط الثاني من أجل تدارك الوضع، مؤكدا أن هذا المنطق لا يمكن أن يستمر مع منتخب يملك كل هذه الإمكانات البشرية والفنية. وقال: "أريد أن أفهم نفس، الشيء يتكرر دائما.. إذا لم تمش الأمور في الشوط الأول، تأتي وتقول إن الشوط الثاني للمدربين بالتغييرات؟ أنا لا أقبل، أريد أن يبدأ المنتخب المباراة بشكل جيد وينهيها بنفس القوة". ثم أردف يقول: "مع احترامي لمنتخب الأردن هناك فوارق فنية كبيرة معه لكنه وقف معنا الند وبطلوع الروح حتى فزنا".

وإذا كانت تصريحات سليماني قد فتحت النقاش أساسا بخصوص افتقاد المنتخب لخطة لعب وهوية واضحة، فإن خرجة لحسن وبن العمري وسّعت دائرة الجدل لتشمل المشروع الفني كاملا، لأن الرجلين لم ينتقدا مجرد تفاصيل جزئية، بل وضعا الأصبع، على ما يبدو، على الإشكال الأكبر داخل محيط المنتخب: غياب هوية لعب واضحة رغم مرور فترة معتبرة على تولي بيتكوفيتش العارضة الفنية.

وقد بدا جليا للجهور الجزائري ككل أن الفوز المحقق أمام الأردن لم يكن بأي حال من الأحوال انتصارا مريحا أو مقنعا، بل جاء بشق الأنفس أمام منتخب أردني يضم في غالبيته لاعبين ينشطون في أندية الصف الثاني وحتى الثالث، وبعضهم يخوض للمرة الأولى مباريات بهذا الحجم وبهذا المستوى من الضغط. ورغم هذا الفارق الواضح على مستوى الخبرة والإمكانات الفردية، وجد "الخضر" أنفسهم متأخرين في النتيجة، قبل أن ينجحوا في العودة، ليس عبر حلول جماعية أو رد فعل تكتيكي واضح من اللعب المفتوح، وإنما عن طريق كرتين ثابتتين فقط، وهو ما يعكس مرة أخرى حجم الصعوبات التي يعاني منها المنتخب في صناعة اللعب وفرض منطقه على المنافسين، حتى عندما يتعلق الأمر بخصم يفترض أن يكون في المتناول.. وهنا تحديدا تتضح الصورة التي يتحدث عنها المنتقدون: فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالفوز أو الخسارة، بل بالمحتوى العام الذي يقدمه المنتخب، وبالانطباع الذي يتركه قبل المواعيد الكبرى. فمنتخب بحجم الجزائر، وبنوعية اللاعبين الذين يضمهم، من المفترض أن يكون أكثر وضوحا من الناحية التكتيكية، وأكثر قدرة على فرض أسلوبه، وأكثر تماسكا منذ الدقيقة الأولى، لا أن يتحول كل لقاء إلى سيناريو مكرر من الارتباك في البداية، ثم محاولة الإنقاذ لاحقا، سواء عن طريق التغييرات أو عبر الكرات الثابتة.

صحيح أن بيتكوفيتش ما يزال إلى حد الآن محميا بالأرقام والنتائج، وصحيح أيضا أن المنتخب لا يزال يملك حظوظه كاملة قبل الجولة الأخيرة، لكن ما يثير القلق فعلا هو أن هذه النتائج لا تعكس بالضرورة مستوى مطمئنا فوق أرضية الميدان.

فحتى في المباراة التي فاز بها "الخضر" أمام الأردن، لم يظهر المنتخب بتفوق واضح ينسجم مع فارق الإمكانات بين الطرفين، بل وجد نفسه أمام منافس لعب بندية كبيرة ونجح في إحراج الجزائر وجرّها إلى مباراة معقدة كان من المفترض نظريا أن تكون في المتناول.

كل ذلك يجعل المباراة الأخيرة أمام النمسا أكثر من مجرد موعد حاسم في حسابات التأهل، بل اختبارا حقيقيا لمشروع فلاديمير بيتكوفيتش بأكمله. فبعيدا عن لغة الأرقام، تتجه الأنظار الآن إلى ما إذا كان المنتخب الجزائري قادرا فعلا على تقديم وجه مقنع يعكس قيمة الأسماء التي يضمها، ويعيد بعض الطمأنينة قبل دخول المنعرج الحاسم. والأهم من ذلك، أن تصاعد الانتقادات الموجهة إلى بيتكوفيتش لا يضع المدرب السويسري وحده تحت الضغط، بل يضع أيضا رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم وليد صادي في قلب العاصفة، باعتباره الرجل الذي اختار تجديد الثقة فيه، بل وذهب إلى تمديد عقده ورفع راتبه الشهري قبيل السفر إلى كأس العالم.

وعليه، فإن أي تعثر جديد أو ظهور باهت آخر للمنتخب لن يُحسب فقط على المدرب، بل سيُقرأ أيضا على أنه ضربة مباشرة لخيارات صادي نفسه، الذي راهن على بيتكوفيتش ومنحه كل مظاهر الدعم، ليجد نفسه اليوم أمام ضغط مضاعف، بين ضرورة حماية مشروعه الفني من جهة، ومواجهة غضب الشارع الكروي إذا ثبت أن النتائج الإيجابية تخفي وراءها منتخبا بلا روح ولا هوية واضحة، من جهة أخرى.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع