أنجيلا ميركل نجاشية ألمانيا

روبورتاجات
4 مارس 2016 () - الجزائر: إيمان فراوسي
0 قراءة
+ -

ثقة كبيرة، قرارات صائبة، طموح حدوده السماء، إصرار على النجاح والتفوق، شجاعة تحدت أقوى الرجال، داهية تسير فوق الجثث، شخصية صارمة ومرنة، حنونة وقاسية في الوقت نفسه، صفات تأخذك إلى عنوان واحد: مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، امرأة حديدية استطاعت كسب تأييد الملايين حول العالم بسياسة الأم الحنون على أولادها في الأزمات، والأب الصارم وقت الحاجة.. استطاعت أن تخرج ألمانيا من عدة أزمات عصفت بها، واجهت عواصف دخولها منطقة اليورو، وتمكنت من الوقوف في وجه أقوى الدول فيما يخص قراراتها.

أنجيلا ميركل.. السيدة التي صنفت من بين أقوى نساء العالم، تخطت بكثير النفوذ الأسطوري للمرأة الحديدية مارجريت  ثاتشر، وباتت عنوانا وحيدا على قدرة أوروبا على حماية وحدتها وعملتها.

كانت في صباها شابة عادية، ترعرعت في ألمانيا الشرقية، ومع أنها تخرجت بدرجة ممتازة، وأصبحت فيزيائية، فإن من ينظر إلى حركاتها ونظراتها يومها كان ليقول إنها تبحث لها عن مكان كبير في الحياة السياسية التي كانت تطمح للوصول إليها، ومع أنها عنيدة فإنها لا تظهر ذلك بل تستخدم أسلوبا خفيا لتصل إلى ما تريده، حتى لو سبب ذلك الأذى لأقرب المقربين لها، كما كان الحال مع المستشار الأسبق وراعيها هلموت كول.

وصفها الكثير من السياسيين الألمان بالداهية، فهي تستغل وجهها الطفولي وابتسامتها اللطيفة والحنكة التي تعلمتها من والدها رجل الدين للوصول إلى أهدافها، ولم تتأخر يوما عن طلب المساعدة من سياسيين، حتى إن كثيرا منهم اتهموها بأنها طعنتهم في الظهر، وقد تكون هذه التهمة محقة، لكن قطار السياسة لا ينتظر أحدا، والقوي وصاحب الحنكة السياسية هو الذي يصعد في أول قاطرة.

فيزيائية بقلب سياسي
ولدت أنجيلكا دوروتيا كاسنر في مدينة هامبورغ عام 1954، وانتقلت أسرتها إلى منطقة مارك براندنبورغ في ألمانيا الشرقية حيث عمل والدها كاهناً، وكانت أنجيلا في شبابها عضواً ناشطاً في منظمة “شباب ستالين”، وتخصصت أثناء دراستها الجامعية في علم الفيزياء بجامعة لايبزغ، كما حازت على درجة الدكتوراه في الفيزياء في عام 1986 من نفس الجامعة.
وفي 1974 وأثناء دراستها للفيزياء، تعرفت أنجيلا على زوجها الأول أولريش ميركل، وهو زميل لها يدرس الفيزياء أيضا، وتزوجا فيما بعد في عام 1977، إلا أن الزواج لم يدم طويلا، وسرعان ما انفصلا، ومع ذلك بقيت أنجيلا تحمل اسمه العائلي، والتزم الزوج السابق الصمت عن فترة حياته معها رغم محاولات الصحافة الحديث معه عن تلك الفترة.
وفي عام 1984 تعرفت في الأكاديمية على زوجها الحالي الكيميائي يواخيم زاور الذي تزوجته سنة 1998، وعملت ميركل في شبابها نادلة في حانة بينما كانت تدرس الفيزياء في ألمانيا الشرقية إبان الحكم الشيوعي.

مسيحية بروتستانتية على صهوة حزب كاثوليكي
خلال سنوات قليلة، صعد نجم ميركل بسرعة فائقة، لتتحول من عالمة فيزيائية مغمورة تعمل في أحد مختبرات برلين الشرقية إلى سياسية أصبحت حديث الساعة في الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ، وقبل انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية أواخر الثمانينات، نما حسها السياسي وبدت نشيطة أكثر في هذا المجال، تدعو لحرية سياسية أكثر لمواطني ألمانيا الشرقية، وهذا ما دفعها إلى الانضمام لحزب نهضة الديمقراطي” في 1989.
وبعد الوحدة الألمانية، انضمت لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وبدأت ميركل عملها السياسي بتعيينها في 1990 مساعدة للمتحدث باسم حكومة رئيس الوزراء الألماني الشرقي المحافظ لوثر دو ميزيار، وذلك قبل من حصولها على مقعدها النيابي الأول عام 1990 في أول انتخابات حرة في عموم ألمانيا الموحدة. التحقت ميركل بمكتب المستشار السابق هلموت كول الذي شجعها ودعمها، واعتاد كول الذي أتى بميركل إلى مجلس وزرائه في 1991 أن يخاطبها بشكل أبوي، مستخدماً كلمة “فتاتي”، وبعد 10 سنوات حملت ميركل لقب “الأم الشجاعة” بعد أن تولت مقاليد الاتحاد المسيحي الديمقراطي المهزوم في انتخابات عام 2000، دون أن تتردد في الابتعاد عن كول بعد الكشف عن فضيحة التبرعات التي وضعته في مأزق أخلاقي تسبب في فقدانه المصداقية لدى الناخبين الألمان، لتهاجم المستشار السابق وتطالبه بوضوح بالكشف عن ملابسات هذه الفضيحة التي لم يشهد هذا الحزب مثلها في تاريخه، وكانت بالنسبة لكول نوعا من الخيانة ونكران الجميل، وهي “الخيانة” التي لم يغفرها لها بعض قدماء الحزب.
حصل الحزب بزعامة ميركل على أعلى نسبة في الانتخابات النيابية التي جرت في عام 2005 بفارق بسيط أمام الحزب المنافس الديمقراطي الاجتماعي بزعامة غيرهارد شرودر. وتمكن الحزبان من الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلاف تقودها ميركل، لتصبح في 22 نوفمبر 2005 أول مستشارة لألمانيا، وأول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية من شرق ألمانيا.
ورغم أن ميركل من الحزب المحافظ المعروف بكونه ضد الإنفاق الحكومي الباذخ ومع تضييق الخناق على العاطلين عن العمل، إلا أن سياستها تميزت بتسامح نسبي ومراعاة للطبقات الفقيرة وللعاطلين عن العمل، كما أن خططها الإصلاحية في الاقتصاد راعت الطبقات الفقيرة أيضا.

صرامة مارغريت ثاتشر ودبلوماسية أنجيلا ميركل
وفي وقت وصفت المستشار الأسبق هلموت شميدت المستشارية بأنها أسوأ منصب لما فيه من مسؤوليات كبيرة جدا تجعل الشخص يصل إلى حدود قدراته، تقول ميركل “لا أصف هذا المنصب بهذا الوصف، إنه منصب جميل وجدي، فعلى المرء أن يتخذ قرارات صعبة، لهذا فالأمر مثير”. ويتفق معظم السياسيين ورؤساء الدول بأن شخصية ميركل منفردة، امرأة حديدية بأتم معنى الكلمة، شخصية متكاملة تستطيع فرض نفسها وتصنع جوا مختلفا على كافة اللقاءات والاجتماعات، حيث يمتلك المرء الشعور بأن ميركل تطلق العنان لمزاجها الجيد والبهجة عندما تقوم برحلة إلى الخارج. ففي ألمانيا تسيطر على يومها نقاشات الحكومة والصراع الدائم مع المعارضة، بينما في الخارج ليس لديها سوى موضوع واحد لمناقشته ولا يطمع أحد في الاستيلاء على منصبها.
ومنذ اعتزال رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغرت ثاتشر، فإن أنجيلا ميركل هي المرأة الوحيدة منذ أكثر من ربع قرن التي لها حضور سياسي رئيسي ومهم في كل المؤتمرات الدولية، لكن وبعكس ثاتشر فإنها تتعامل مع كل مسؤول رجل بشكل يجعله يعتقد أنه المفضل لديها، وهذا سرها، فما يهمها هو مصلحة بلادها. وعندما تكون هي المضيفة للمؤتمر، فإنها تحاول خلق جو من التناغم، فمع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كانت لا تنسى إعطاءه قبلة على وجنته، وهذا كان يسعده، وكانت تعانق الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، ومع أنها لا تكن الود لرئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، فإنه كان يسر بالجلوس إلى جانبها على مائدة الغداء، وهي تبتسم لكل ضيوفها، ليشعر كل واحد بأنه في المنزلة نفسها من التكريم الكبير، وهذا دليل على مدى إلمامها بأصول الدبلوماسية.

المترجم والموضة.. لا تناقشوني
على غرار كبار المسؤولين والوزراء والرؤساء، ترفض أنجيلا ميركل رفضا قاطعا الاعتماد على الترجمة المباشرة خلال الزيارات الرسمية أو المحادثات المهمة وغيرها، فهي أول مسؤول كبير يتنازل عن المترجم، لأن الهمس في الأذن يضايقها، وتفضل الاعتماد على سماعة الرأس. وتبرر إصرارها على هذا النوع من المترجمة بتوفير الوقت، كما تخشى أن يكون المترجم المباشر خلال الرحلات الطويلة والشاقة متعبا فتكون الترجمة أيضا غير صحيحة، ما يعني بناء مواقف خطأ على ترجمة خاطئة، بينما يتناوب المترجمون في كابينة الترجمة.
أما مع زوارٍ مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنها تتحدث بالروسية التي تتقنها بطلاقة، وتقبل بالترجمة المباشرة في المحادثات السرية أو فائقة الأهمية، وتتكلم الإنجليزية بشكل جيد.
خصوصيات السيدة الحديدية لا تقتصر فقط على رفضها المترجم، بل أيضا على الملابس، فهي لا تلبس آخر الصيحات، بل تعتمد موديلات كلاسيكية، السروال المتوسط الضيق مع سترة (جاكيت) متنوعة الألوان وتغير في شكل ياقتها، ومن النادر أن تلبس فساتين، إلا في المناسبات الرسمية مثل حفل “كوكتيل” أو المهرجانات الفنية كمهرجان ماغنر في مدينة بيروت. لكن حتى الفساتين التي تلبسها لا تتغير موديلاتها كثيرا، وأخذت لها صورٌ العام الماضي تظهرها في نفس فستان السهرة الأزرق الذي كانت تلبسه عام 2008 خلال حضورها مهرجان ستراسبورغ، وما تغير هو العقد الذي يحيط برقبتها، لذا أطلق صحافيون نكتة تقول إن المستشارة مع سياسية التدوير حتى تدوير ملابسها، بينما ترى هي أنه لا داعي للتبذير، والفستان الذي يلبس مرة في العام يمكن الاحتفاظ به للمناسبات القادمة. لكن ما يتعلق بعقود الرقبة فإنها تظهر كل يوم تقريبا بعقد جديد، وأغلى عقد لديها من العنبر ولا يتجاوز ثمنه 200 يورو.كما أنها لا تضع خاتم زواج ولا تحب ارتداء المصاغ، ماعدا العقود التي تمتلك كثيرا منها، إضافة إلى أنها لا تحبذ ارتداء أحذية الكعب العالي لأنها ترتاح عندما تشعر بالأرض تحت قدميها.

فوبيا الكلاب وكلبة بوتين
رغم صلابة وقوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وقراراتها الحاسمة فى الكثير من المحافل منذ عملها في المركز الرئيسي للكيمياء الفيزيائية بأكاديمية العلوم في برلين، وحتى توليها أكبر المناصب السياسية في ألمانيا، إلا أنها تعاني من فوبيا الكلاب بسبب تعرضها لعضة كلب في طفولتها.
وكشفت بعض الكتب التى تناولت سيرتها سر معاناتها مع الكلاب بسبب هذه”العضة”، وظهر ذلك واضحا خلال زيارتها كممثلة للاتحاد الأوروبي لرئيس وزراء روسيا فلاديمير بوتين لمناقشة أزمة أوكرانيا وموقف الدب الروسي منها، فبعد انتهاء الرسميات وتبادل السلامات بين الطرفين، وبدأ مسار الحديث يحتد من جانب ميركل، فوجئت بدخول كلبة بوتين وتُدعى “كواني” إلى قاعة الاجتماع، وظلت ميركل طوال الاجتماع في حالة قلق وانتابتها حالة من الارتباك الذي لاحظه جميع الحاضرين، ولم يستطع بوتين إخفاء ابتسامة المكر والدهاء لإدراكه التام بأن الكلاب تمثل كابوسا لمستشارة الألمان.

هل السباحة بالمايوه فضيحة؟
التقطَ مصورو الباباراتزي صورًا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وزوجها أثناء قضائهما عطلة في جنوب إيطاليا، وتظهر في الصور المستشارة وهي ترتدي ملابس البحر (المايوه) من قطعة واحدة، وتسبح في أحد حمامات السباحة، وقد سببت هذه الصور التي لا تبدو ذات أهمية كبيرة للأمريكيين، في فضيحة أخلاقية في ألمانيا، وجلبت انتقادات من جانب فريق عمل ميركل.
ويشير المراقبون إلى أن أغلب القادة الأوروبيين، بخلاف نظرائهم في أمريكا، يحتفظون بحياتهم الخاصة بعيدة عن الأنظار، وميركل ربما كانت أشدهم حفاظًا على خصوصيتها، فزوجها عالم الكيمياء لم يظهر في حفل تتويجها الأول سنة 2005، ونادرا ما يظهر معها علنًا، ولم يزرها أصدقاؤها السياسيون أبدًا في منزلها، ونادرًا ما يتم تصويرها وهي ترتدي أي شيء سوى الملابس الرسمية.

ميركل الحبشية
أصبحت ميركل منذ بداية استقبالها للاجئين السوريين على أراضيها بمثابة “نجاشي الحبشة”، حتى أصبح لسان حال اللاجئين “اذهبوا إلى ألمانيا فإن بها مستشارة لا يُظلم عندها أحد”.
وتحولت أنجيلا من الأم العطوف الحنون إلى قديسة تحملت أعباء تنقل الملايين من اللاجئين إلى أراضيها واستقبلتهم وفتحت لهم أبوابا كثيرة، وسمحت لهم بتقديم طلبات اللجوء وأمرت بدراستها جميعها، ولسان حالها “يوما ما سنخبر أحفادنا عن هروب اللاجئين السوريين والفلسطينيين عبر مواكب الموت إلى أوروبا، على الرغم من أنّ مكة وأرض المسلمين أقرب إليهم.. يوما ما سنحكي لهم عن هجرة الصحابة إلى الحبشة، لأن فيها حاكما نصرانيا لا يُظلم عنده أحد”. ولم تتوقف ميركل عن هذا الحد، بل قامت بزيارة مركز اللاجئين بالعاصمة برلين، وقامت بالتقاط صور سيلفي معهم، ووقفت عند مركز التقديم للّجوء والمدرسة التي تقدم دروسًا لغوية خاصة للأطفال المهاجرين الذين وصلوا حديثًا ومأوى للمهاجرين.
كما دعت الدول الأوربية الأخرى للتكفل باللاجئين باعتبارهم فارين من جحيم الإرهاب، وحمايتهم واجب الجميع.
وأعلنت المستشارة الألمانية رفضها المطلق للتعاون مع بشار الأسد أو الحوار معه فيما يخص الشأن السوري، باعتباره إرهابيا قتل شعبه ورماهم بالقنابل، مشددة على ضرورة تدخل أممي لوضع حد للحرب التي شردت ملايين الأشخاص وتسببت في معاناتهم، رافضة إغلاق الحدود في وجه اللاجئين، خاصة بعدما اعتبروها بمثابة طوق نجاة من حرب سوريا الضروس.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول