الشلعلع.. مَصْدَرُ الثروات و الثورات

روبورتاجات
4 مارس 2016 () - باتنة: هشام بطاهر
0 قراءة
+ -

بعد أيام من الأحداث التي شهدتها بلدية وادي الماء بدائرة مروانة شمال غرب ولاية باتنة، انتقلت “الخبر” إلى جغرافية البلدية لتسليط الضوء على واحدة من أبرز مطالب السكان، والمتمثلة في تعبيد الطريق الرابط بين وادي الماء بعاصمة الولاية والمعروف لدى الأوساط الشعبية بطريق الشلعلع، كونه يمر بالجبل الذي يحمل ذات الاسم، بالإضافة إلى معرفة المعطيات التقنية لهذا المشروع “الحلم” بالنسبة لسكان وادي الماء، وما يتوفره من تنوع إيكولوجي، سواء تعلق الأمر بالغطاء النباتي أو التنوع الحيواني، فضلا عن بعض الأحداث التاريخية التي لا تزال صفحات تاريخ الشلعلع تحتفظ بها، رغم مرور الأعوام والسنين، وكذا المد والجزر الذي تعاملت به السلطات المحلية مع هذا الطريق منذ عقود من الزمن، بين وعود سحرية وردية وواقع مأساوي متخم بإخلاف الوعود الشفوية ومفتقد للإنجازات الميدانية.

قصص عن الاستعمار الفرنسي و “أساطير” الاستقلال
إذا أرجعنا عجلة التاريخ إلى الوراء وأعدنا شريط الأحداث إلى حوالي قرن ونصف قرن من الزمن، وبالضبط إلى سنة 1871، فإن مرتفعات وتضاريس جبل الشلعلع ستروي قصة من قصص الكفاح الجزائري ضد المستعمر الفرنسي. ويتعلق الأمر بثورة بن رحمون وبن دروي اللذين قاما بمقاومة الاستعمار بمساعدة شعبية من أهل المنطقة، وأجبرا فرنسا على الاستعانة بالجنرال ماري الذي كان متواجدا بعين التوتة في باتنة، حيث دخل عن طريق الشلعلع باعتباره نقطة استراتيجية عسكرية هامة، وهنا حاصر الثوار وقتل العشرات منهم، كما تم حرق مصنع خاص بالخشب ليقضي على هذه الثورة، وذلك بعد فشل أحد الجنرالات في تحقيق ذلك.

وكان السكون الذي ميّز الشلعلع بعد ذلك حوالي نصف قرن بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة التاريخية التي جاء بها القائد الثوري عمرو موسى سنة 1916، والتي جاءت كرد فعل على التجنيد الإجباري الذي قامت به السلطات الفرنسية المتواجدة بالجزائر وقتها، واستخدام الجزائريين جنودا يدافعون عن الدولة الفرنسية في أوروبا، وهو ما رفضه عمرو موسى وجعله يقوم بثورة أقلق فيها المستعمر الفرنسي كثيرا. وإذا كان سكان الشلعلع ووادي الماء قد رفضوا الاستعمار الفرنسي بكل أشكاله وقدموا الغالي والنفيس من أجل طرده لغاية تحقيق الاستقلال، فإنهم بمقابل ذلك يرفضون جملة وتفصيلا كل أنواع الاستعمار التنموي الذي تشهده المنطقة منذ عقود من الزمن، معتبرين بلديتهم بمثابة البلدية المنسية من الاستقلال، لاسيما مع عدم استفادتها من المشاريع الاقتصادية التي من شأنها أن تقلّص من حجم البطالة المتزايد ولو جزئيا، بل جعلها منطقة شبه معزولة عن العالم الخارجي، وهي الآليات التي من شأنها أن تلقي بتبعاتها السلبية على الجانب الاقتصادي، بشقيه الجزئي والكلي، وكذا تبعاتها السلبية أيضا على المجتمع السكاني.

وادي الماء.. حبلى بثرواتها
مثلما كان الشلعلع ووادي الماء زاخرين بالثورات، كانا كذلك خزانين طبيعيين للثروات الطبيعية، ولا أدل على ذلك من الأعداد الكبيرة من الأصناف الحيوانية المتنوعة والنباتية النادرة التي تتوزع على مساحة مقدرة بـ17500 هكتار، حسب إحصائيات معهد لوتي للأبحاث بفرنسا سنة 1994، متموقعا على قمة جبلية بلغ ارتفاعها 1848م عن سطح البحر والمعروفة بقمة تالمات.  ومن أبرز الأصناف النباتية بالشلعلع، نجد شجرة الأرز التي لا تتواجد سوى في 4 دول من العالم من بينها الجزائر، حيث تبلغ مساحتها 5700 هكتار في حظيرة بلزمة في باتنة بشكل عام، وكذا أصناف نباتية أخرى على أرضية صخرية، كنبات القرنفل والسيدوم وشجرة العفرون والياسمين، فضلا عن زهر العسل، الأولم الورد البري والامجوج، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الأشجار كالبطم الأطلسي، القيقب، البهشية، الصفندر، البلوط وثاقة، بينما تتنوع الأصناف الحيوانية بين الثدييات من جهة كالشيهم (الضربان) والقط البري، والطيور من جهة ثانية كالقرقب الأزرق، البلبل، وأبو الحنّاء. ولم تتوقف الخيرات التي تزخر به المحمية الطبيعية بوادي الماء عند هذا الحد، بل كانت المنابع المائية، وأبرزها منابع تيزي نليسر وبرجم وثشرشارث على طول طريق الشلعلع، بمثابة اللمسات الأخيرة التي تمنح لهذه اللوحة الطبيعية مكانتها الجمالية التي تستحقها بين باقي اللوحات الفنية الطبيعية، بالإضافة لجبالها المكسوة بالثلوج أحيانا والمحتوية لبعض المناطق الساحرة كمنطقة ثيط الغار التي تحوي كهفا صغيرا كان بمثابة المشهد النهائي لهذه اللوحة الطبيعية الربانية، الموقع السياحي الذي صنف كأجمل موقع سياحي في إفريقيا لسنة 1978 حسب الحصة الإذاعية الفرنسية “نظرة على الطبيعة”. ولم تتوقف خيرات جبل الشلعلع عند حدود الثروات النباتية والحيوانية فحسب، بل تجاوزها إلى الثروات المنجمية، إذ كان المكان في وقت سابق يحوي 3 مناجم: الأول للنحاس والثاني للحديد وآخر للفضة، وهو ما يجعله خزانا طبيعيا مفتوحا أمام الاستثمار السياحي والاقتصادي.

طريق الشلعلع.. الحبل السُرِّي لوادي الماء
بإلقاء نظرة طبوغرافية عن التموقع الجغرافي لبلدية وادي الماء وولاية باتنة، يتضح بشكل جلّي الأهمية البالغة لطريق الشلعلع الشبيه إلى حد بعيد بالحبل السري والجغرافي للبلدية بعاصمة الأوراس، خصوصا أن الطريق يختصر المسافة بين البلدية من 57 كلم إلى 28 كلم، أي إلى قرابة النصف، كما يختصر الوقت من قرابة الساعة إلى حوالي نصف الساعة، وهو ما استحسنه مستعملو هذا الطريق، كما أفاد أحد سائقي سيارات الأجرة لـ “الخبر” بأنه يقضي حوالي 20 دقيقة في هذا الطريق، وهو وقت قياسي بالنسبة للسكان الذين يقصدون مقر الولاية بشكل كبير، سواء للطلبة أو العمال.
كما أن تعبيد الطريق وتهيئته من شأنه أن يبعث النشاط السياحي والتجاري الخدماتي بالمنطقة التي ذكر لنا أحد السكان تشغيلها لأزيد من 60 شابا ممن يقدمون مختلف الخدمات للزوار القادمين من مختلف ولايات الوطن.

تهميش رسمي للمشروع “الحلم”
تحويل طريق الشلعلع من وادي الماء باتجاه باتنة من طريق وطني رقم 77 إلى طريق ولائي رقم 161، وإيفاد لجنة إيطالية لإنجاز دراسة حول نفق جبلي سنة 1976 من بلدية وادي الماء إلى ولاية باتنة عبر مسافة مقدرة بـ15كلم، بقيت كلها دون أي جديد، والوعود التي قدمها وزير الأشغال العمومية خلال 2011 بتعبيد وتهيئة ذات الطريق، بعد مطالبة الجمعيات المممثلة للمجتمع المدني وأعيان المنطقة بضرورة تعبيد وتهيئة المشروع، وغياب هذه الوعود على أرض الواقع، كلها أسباب تبيّن التهميش والنسيان الرسمي الذي يعانيه السكان منذ مدة، لدرجة أن هذا الطريق الذي يعتبر من أبسط الحقوق قد تحوّل إلى حلم حقيقي لا يزال السكان ينتظرونه.
كما أن هذا الطريق الذي أنشئ سنة 1912 من طرف الاستعمار الفرنسي، وكان قبل ذلك مسلكا ترابيا سنة 1848 تستعمل فيه الحمير، تم غلقه خلال العشرية الدموية، ليُعاد فتحه في 8 مارس 2011، إلا أن تعبيد وتهيئة الطريق لم تتم لحد الآن. وفي حديث جمع “الخبر” بأحد السكان، أكد أن الكثير من الخواص ينتظرون تعبيد وتهيئة الطريق من أجل الاستثمار فيها كمنتجعات سياحية، فنادق ومطاعم ومؤسسات خدماتية، وكذا منشآت رياضية.
كما أن مشروعا حاول شباب المنطقه إنجازه في إطار تعاونية خاصة، يتعلق بإنجاز مصعد هوائي، على مسافة 14 كلم من حدود بلدية وادي الماء باتجاه قمة تالمات، قصد بث روح المواصلات السياحية بالمكان، غير أن عدم تعبيد هذا الطريق حال دون تطبيق المشروع على أرض الواقع، وهي قصص كلها تعطي الآمال الكبيرة المعلقة على إنجاز هذا المشروع.

الشجر يموت واقفا.. وشعب وادي الماء أيضا
الزائر للمناظر الطبيعية بجبل الشلعلع يلحظ بعض الأشجار التي تماوتت بسبب مناخي أو بشري، غير أن الغريب في هذه الأشجار المتماوتة هي الرسالة الدلالية والسيميولوجية التي تحملها، ببقائها شامخة واقفة رغم جميع الظروف غير المساعدة، بشكل يجعل الزائر يجري مقاربة بين هذه الأشجار التي أبت إلا أن تموت صامدة واقفة، وبين شعب وادي الماء الذي أبى إلا يبقى صامدا في وجه جميع أشكال التهميش الذي عاناه منذ الاستقلال، والنسيان السلطوي المطبق منذ عقود من الزمن، وكانت الأحداث الأخيرة كفيلة بأن توصل هذه المطالب إلى الرأي العام المحلي والوطني.

رئيس بلدية وادي الماء لـ”الخبر”
 “الدراسة انطلقت عبر شطرين”
اتصلت “الخبر” برئيس بلدية وادي الماء حسين سلطاني من أجل معرفة آخر المستجدات عن موضوع تعبيد الطريق، حيث أكد أن الاجتماع الأخير المنعقد بولاية باتنة قد تم فيه مناقشة مشروع تعبيد طريق الشلعلع الذي انطلقت الدراسة فيه بعد تقسيمها إلى شطرين: الشطر الرابط بين باتنة وقمة تالمات على مسافة 14 كلم، والشطر الثاني من قمة تالمات إلى بلدية وادي الماء، مؤكدا أن الأشغال ستنطلق مباشرة بعد انتهاء الدراسة التقنية للمشروع، على أن يكون الإمداد من ميزانية الولاية، في انتظار تخصيص وتسجيل القيمة المالية للمشروع، كما أشار إلى إعطاء الوالي لأمر في 25 سبتمبر 2015 كلف فيه مكتب دراسات بإنجاز المهمة، وهذا بعد الزيارة التي قادته لبلدية وادي الماء، وسمع بمطالبة شباب المنطقة بهذا المشروع، دون أن يذكر ذات المتحدث القيمة المالية للمشروع لأن الدراسة لم تنته بعد.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول