ما اقترفـه الإرهاب تكمله "الميزيريـة"

روبورتاجات
23 مارس 2016 () - غليزان: مبعوث “الخبر” نوار سوكو
0 قراءة
+ -

تراهن الحكومة الجزائرية على قطاع الفلاحة للخروج من عنق الزجاجة في غمرة انهيار أسعار النفط، خاصة أن غليزان تحصي قرابة 300 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة. لكن المفارقة الجارحة التي لم يستوعبها المسؤولون في هذه الولاية، هي عزوف الشباب عن خدمة الفلاحة، مفضلين مهن حارس، حاجب، عون أمن، سائق..، حتى أن مستثمرين استنجدوا بيد عاملة من ولايات أخرى، بل وترفض الشريحة الشبانية الاشتغال أيضا في قطاع البناء ويعتبرون المهنة شاقة، ما يطرح  بالتالي تساؤلا عما إذا كانت الحكومة مستعدة أيضا لاستقدام اليد العاملة  الصينية والمصرية وغيرها لخدمة الفلاحة.

 الزائر لولاية غليزان يستنتج أن التنمية الحقيقية لم تلامس البنية العميقة للمجتمع المحلي، إذ مازالت أحزمة الفقر والبؤس تطبع مشهد عديد البلديات ولاسيما تلك الواقعة بمحور الونشريس الغربي كالرمكة، حد الشكالة، سوق الحد، أولاد يعيش لحلاف.. التي ارتكبت بها أكبر المجازر خلال العشرية الدموية. إذ يرفض سكان مداشر وقرى هذه البلديات العودة وينتظرون التفاتة السلطات إليهم بإيصال الكهرباء وفتح الطرقات.. ومع ذلك تراهن السلطات العمومية على تغيير المشهد الاقتصادي في هذه الولاية بعد إنجاز المركب الصناعي للنسيج بالشراكة مع الأتراك، وكذا احتمال احتضان الولاية لمصنع “سوفاك” لتركيب السيارات.

البارز في المشهد العام لمدينة غليزان وباقي بلدياتها هو الثروة الشبانية التي تتمتع بها الولاية، لكن كثيرا من الشباب بقدر ما يبدون حساسية مفرطة إزاء الحديث عن آفاق صيرورتهم المستقبلية، يحملون في مخيالهم الجماعي صورة مظلمة عن ولايتهم.

البراني” بدل الغليزاني
هؤلاء يصارحونك في الشارع وفي الساحات العمومية والمقهى وغيرها قائلين “غليزان.. هي آخر ولاية في الوطن.. بل هي أفقر ولاية عبر التراب الوطني”. حسب منظور هؤلاء هذه الولاية تخون أبناءها، على اعتبار أن كافة من تحدثوا إلينا يجمعون على أنها تمد ذراعيها لـ”البرانية”، أي الآخرون القادمون من ولايات أخرى، تعطيهم الشغل والسكن وباقي الامتيازات على حساب أبنائها، حتى أن البعض قال لنا إن المنطقة الصناعية لبلعسل وحتى سيدي خطاب يشتغل بها “البراني” على حساب “الغليزاني”.

لكن مدير التشغيل لولاية غليزان، عبد اللطيف عاصيمي، رسم لوحة قاتمة عن علاقة شباب المنطقة بعالم الشغل ويقول: “شباب المنطقة تعود على السهولة في ربح المال دون تعب، ففي كل مرة تكون الحاجة إلى يد عاملة في كافة الميادين نجد الشباب غير مؤهل، شباب يرفض أي عمل يعرض عليه سواء في الفلاحة أو البناء”، ويضيف “الشباب في غليزان يفضل مهنة حارس، حاجب، عون أمن، سائق وغيرها، وهؤلاء يقولون إن حرفة البناء والفلاحة.. شاقة لا يمكن ممارستها”.

“أنا شاهد على ما يفعلون”
وبلغة صريحة، يواصل مدير التشغيل كشف مظاهر الخلل في علاقة شباب المنطقة بالتشغيل، من منطلق أنه شاهد على ما يحصل يوميا في مكاتب التشغيل “أنا أشهد على أن هناك شبابا كثيرين رفضوا التربص في مراكز التكوين المهني بغية الحصول في النهاية على منصب شغل”. مدير التشغيل المنحدر من مدينة سيدي بلعباس لا يؤمن بما يسميه “الشعبوية”، ما جعله يحرص في كل مرة على كسر التقاليد التي دأب عليها الشباب في غليزان، بينها المرور على آليات التشغيل (المرور على الوكالة الولائية للتشغيل والإدماج الاجتماعي) التي تسمح لهم بتقاضي 12 ألف دينار و8000 دينار والبقاء في بيوتهم من دون عمل، وامتد هذا المنطق ليشمل طلبة الجامعات ممن مارسوا ضغطا رهيبا على وكالة ومديرية التشغيل لأجل افتكاك أجر قدره 12 ألف دينار رغم أنهم لم يكملوا بعد دراستهم و«هذه الذهنية التي دأب عليها الشباب في غليزان تعتبر خطرا على المجتمع، وعلى هذا الأساس لما قطعت الطريق أمام المرور على وكالة التشغيل، راح كثير من الشباب يلتحق بمراكز التكوين المهني”، يضيف.

حارس وحاجب وسائق
الزائر لولاية غليزان بوسعه اكتشاف ولاية فلاحية بامتياز بالنظر للأراضي الخصبة الممتدة على مد البصر، لكن هذا القطاع الاستراتيجي الذي تراهن عليه الحكومة الجزائرية لتجاوز الأزمة الناجمة عن تدهور أسعار النفط والخروج من التبعية للريع البترولي، مازال إلى غاية اليوم غير قادر على استقطاب شريحة الشباب إليه، لأنه يرفض خدمة الأرض والاستثمار فيها، إذ ورغم أن القائمين على تسيير قطاع التشغيل في غليزان ينسقون في إطار آليات التشغيل (الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب والصندوق الوطني للتأمين على البطالة) لمنح شهادات تأهيل للشباب في قطاع الفلاحة بحكم بنود الاتفاقية المبرمة بين مديرية المصالح الفلاحية ومديرية التكوين المهني لمساعدتهم على الاستثمار، خاصة أن الوكالة الولائية لدعم تشغيل الشباب أقرت تسهيلات في هذا الميدان تقضي بأن يحوز الشاب المستثمر على 3 هكتارات من الأراضي فقط بدل 5 هكتارات ليحوز على القرض، إلا أن عملية إقبال الشباب على الاستثمار مازالت ضعيفة، فهل يتحمل المسؤولون في غليزان مسؤولية عدم تجنيد الشباب وتحسيسهم بالأمر. يقول رئيس مصلحة التشغيل إن “مدير الوكالة الولائية للتشغيل لديه عروض عمل في الفلاحة لم تلب إلى غاية اليوم، لذلك فإن عدم انخراط الشباب في قطاع الفلاحة راجع إلى كونهم يفضلون مهن الحراسة، السياقة، حاجب، عون أمن.. أي شيء سهل”. هذا العزوف عن خدمة الأرض لا يقتصر على شباب المدينة، بل طال حتى شباب البلديات الريفية، إذ ورغم تحسن الوضع الأمني في عدد من البلديات التي عرفت ويلات الإرهاب، مثل الرمكة، سوق الحد، حد الشكالة، عين طارق، عمي موسى، لحلاف.. إلا أن الأراضي مازالت إلى غاية اليوم مهجورة.

الفلاحة.. مستقبل واعد
الأراضي الفلاحية لولاية غليزان هي امتداد لسهل الشلف، تمتد من عين الدفلى إلى غليزان، وهي أراض خصبة تدعمها الموارد المائية المتواجدة عبر ثلاثة سدود، هي: سد مرجة سيدي عابد وسد غرغر بواد ارهيو وسد سيدي محمد بن عودة. ويقول مدير المصالح الفلاحية لولاية غليزان، عبد القادر كتو، إن “الأراضي الفلاحية للولاية تتربع على مساحة تقدر بـ348951 هكتار، منها 281875 صالحة للزراعة تضم 50 ألف هكتار مساحة مسقية، ومن أصل 50 ألف توجد 20 ألف هكتار عبارة عن أشجار مثمرة من زيتون وحوامض، بالإضافة إلى 3 آلاف هكتار مخصصة للخضراوات ولاسيما إنتاج الأرضي شوكي “القرنون”، بينما تتربع المساحة المخصصة لإنتاج البطاطا لوحدها على 5 آلاف هكتار”. أما بالنسبة للإنتاج الحيواني، فيشير المسؤول ذاته إلى أن غليزان تعتبر حوضا لإنتاج الحليب بفضل مجموع قطعان الأبقار الحلوب المقدرة بأزيد من 32 ألف رأس منتجة لأكثر من 70 مليون لتر سنويا، فيما تزيد نسبة كمية الحليب التي تجمع وتوجه للملبنات على 30 مليون لتر. لكن “الملاحظ أن الكمية الكبيرة المجموعة توجه إلى خارج الولاية تستعمل في إنتاج معلبات الصومام ودانون وكذا مجمع الحليب لعين الدفلى وملبنات بعض الخواص المتواجدة بسيدي بلعباس والشلف..”، يضيف المسؤول، أي هناك عجز في الاستثمار الخاص بجمع وتحويل مادة الحليب في غليزان، على اعتبار أن الملبنتين الموجودتين تختص الأولى منها في إنتاج الأجبان (كامومبار سيدي سعادة)، والثانية في بسترة الحليب ومشتقاته.  ورغم أن ولاية غليزان تتميز بمناخ حار، إلا أن المنطقة تخلو من أي عمل استثماري خاص بغرف التبريد، على اعتبار أن المنطقة منتجة للخضر والفواكه، ما يستدعي تخزينها. لكن مدير المصالح الفلاحية لا يتردد هو الآخر في كشف أوجه المفارقة الخاصة بعزوف شباب المنطقة عن خدمة الأرض “إلى غاية اليوم، لا يوجد إقبال من قبل الشباب على خدمة الأرض، لأنها تبدو لهم عملا شاقا ومتعبا وغير مربح، والدليل على ذلك أن المتجول في مدينة غليزان وبلدياتها يجد شباب يبيعون الشيفون ومختلف الملابس بدل خدمة الأرض”، بل “وخلال جولة مرافقة للوالي لبعض البلديات، قام بطالون بمصارحة الوالي بأنهم يرفضون مهنة الفلاحة والبناء، الأمر الذي أثار استياء الوالي”. ويضيف “الشاب إذا اشتغل في الفلاحة، فلمدة يومين أو ثلاثة أيام فقط، أي يأخذ معدل مصروف يومين أو ثلاثة أيام وبعد ذلك لن تراه مرة أخرى”.

يأتي بالعمال من عين الدفلى
ويروي مدير المصالح الفلاحية في هذا السياق ما مفاده أن صاحب مزرعة بغليزان واجه مشكل ندرة اليد العاملة ولم يجد 30 عاملا إلا بشق الأنفس، بعد أن استقدمهم من ولاية مستغانم، والمشكل نفسه وقع فيه مستثمر آخر يحوز 120 هكتار من الأشجار المثمرة ببلدية المطمر، هذا المستثمر يقوم إلى غاية اليوم باستقدام 80 عاملا من ولاية عين الدفلى على متن حافلة، هؤلاء العمال يشتغلون في مزرعته إلى غاية الرابعة مساء ثم يقوم بإرجاعهم إلى ولايتهم. فهل سيلقى مدير المصالح الفلاحية الذي يقول إن قطاعه سنة 2016 يحتاج إلى 30 ألف منصب شغل مؤقت قصد جني الخضراوات والفواكه والزيتون والمشاركة في حملة الحصاد والدرس، المصير نفسه الذي لقيه هذين المستثمرين ويقوم باستقدام اليد العاملة من ولايات أخرى؟ أم أنه سيستنجد بيد عاملة أجنبية؟ والى ذلك يقول مسؤولون آخرون وشهود عيان في بلديات ريفية فلاحية إن هناك انخراطا ضعيفا من قبل الشباب في خدمة الأرض، ما يطرح بالتالي تساؤلات أخرى عن دور السلطات المحلية والمجتمع المدني بتلك الولاية في تحسيس وتجنيد الشباب للاستثمار في الفلاحة، خاصة أن المنطقة تتوفر على أخصب الأراضي وقادرة على أن تتبوأ مكانة امتيازية في هذا المجال، بل وإلى متى تظل الشريحة الشبانية غير آبهة بخدمة الأرض، أم أن السلطات الولائية والقائمين على تسيير قطاع الفلاحة بشكل عام عازمون على استقدام الأيدي العاملة من الصين
والفلبين ومصر وغيرها على نحو ما تم عند بناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية عبر التراب الوطني؟

من يزرع الأرض؟
العارفون بقطاع الفلاحة في غليزان يقولون إن عزوف الشباب عن الفلاحة يطرح مشكلة في غاية التعقيد، حيث إن غالبية الفلاحين في المنطقة قد تجاوز سنهم الـ60 عاما، ما يستدعي إشراك جيل جديد من الشباب في العملية، في وقت تلح الحكومة على رفع التحدي في هذا المجال لأنها عازمة على تحقيق 2 مليون هكتار من الأراضي المسقية في أفق 2019. وتحصي ولاية غليزان اليوم 50 ألف هكتار من الأراضي المسقية، 32 ألف هي اليوم قيد الاستغلال والباقي منها مبرمج للاستغلال خلال السنوات المقبلة. وإن كانت أقلية من الفلاحين في شعبة إنتاج الحبوب تستعمل منذ بضعة أعوام السقي التكميلي في ظل شح الأمطار، وراحت تستعمل مختلف التقنيات الحديثة لتحسين مردودها، بدليل أن نحو 30 فلاحا دخلوا نادي الـ50 المخصص للفلاحين الممتازين، بينهم فلاح حاز على 75 قنطارا في الهكتار بعد أن استفادوا من تكوين فلاحي وعمليات تحسيسية وإرشادات، فإن غالبية الفلاحين، استنادا لأقوال مدير المصالح الفلاحية، مازالت تسكنهم أفكار وتصورات تقليدية في عملهم، بدليل أنهم يستعملون تقنيات تقليدية بعيدة عن استعمال التكنولوجيا في إنتاج الحبوب ولاسيما استعمال البذر باليد، عدم استعمال التسميد، عدم استعمال السقي التكميلي، والحرث التقليدي.

عراقيل
ويواجه كثير من الفلاحين، استنادا لأقوال بعضهم ممن التقينا بهم في محيط مديرية المصالح الفلاحية، مشاكل من جانب كون ملفاتهم المقدمة للبنوك في إطار حيازة قرضي الرفيق والتحدي تلقى عراقيل. يقول مدير المصالح الفلاحية: “لدينا طلب ملح لمنحنا حصة أولية من مياه السقي تقدر بـ12 مليون متر مكعب لسقي محصول البطاطا الموسمية المقدربـ3 آلاف هكتار، وهو طلب مر عليه شهران ولم يحظ بعد بالقبول”.

مهن البناء منبوذة
ومع أن الكبير والصغير في غليزان يشهد على أن البطالة مرتفعة بالنظر لتوفر عدة عوامل، بينها الطابع الفلاحي للمنطقة وافتقارها أيضا لمصانع ووحدات إنتاجية، إلا أن القائمين على تسيير قطاع التشغيل بغليزان (رئيس المصلحة ومدير التشغيل..) يقولون إن نسبة البطالة لا تتجاوز 83، 6 بالمائة، فيما بلغت نسبة البطالين ممن لا يحوزون على أي مستوى 36 بالمائة، وهي الفئة التي يتم توجيهها عادة إلى مراكز التكوين المهني، بينما وصلت نسبة البطالة في أوساط الشباب حاملي الشهادات الجامعية 28 بالمائة، وهي الفئة المعنية بآليات التشغيل (وكالة دعم تشغيل الشباب، الصندوق الوطني للتأمين على البطالة، الوكالة الولائية للتشغيل). وما عرفناه من لدن رئيس مصلحة التشغيل، أن عزوف الشباب عن الشغل غير مقتصر على الفلاحة، بل حتى قطاع البناء، على اعتبار أن المقاولين يشتكون من ندرة اليد العاملة، طالما أن غالبية الشباب يعتبرونها مهنة شاقة، ما يطرح بالتالي تساؤلات عما إذا كان المقاولون في غليزان سيستنجدون باليد العاملة القادمة من ولايات أخرى أو اليد العاملة الصينية والمصرية لإنجاز البرامج السكنية المقررة سنة 2016، إذ تشير التوقعات المرتقبة لتلك السنة إلى أن عدد مناصب الشغل التي سيتم توفيرها في إطار قطاع البناء ستصل إلى 100106 منصب، بعد أن تقرر إنجاز 5033 وحدة سكنية، يعادلها 15099 عامل، أي بمعدل 3 عمال لكل مسكن، فضلا عن إنجاز 23 ألف وحدة سكنية ريفية، فيما يرتقب استحداث 1300 منصب شغل في القطاع الاقتصادي و6550 منصب آخر في النشاط الاجتماعي و3000 منصب في إطار الوكالة الولائية للتنمية الاجتماعية و1143 منصب في إطار آليتي التشغيل (وكالة دعم تشغيل الشباب وصندوق التأمين على البطالة) و30599 منصب مؤقت في الفلاحة. وترتب مديرية التشغيل حاليا، استنادا إلى أقوال رئيس مصلحة التشغيل بالتنسيق مع مديرية التكوين المهني ومفتشية العمل، للقيام بمبادرة تقضي بتحفيز وتشجيع المتفوقين الأوائل في مراكز التكوين المهني بإيجاد مناصب لهم في شركات أجنبية أو وطنية، في خطوة لتشجيع الشباب على الالتحاق بمراكز التكوين المهني.

لكن شهادات الناس بينها لمسؤولين بعدد من البلديات (مدينة غليزان، جديوية، واد ارهيو، عمي موسى..) عن البطالة التي قالوا عنها إنها مرتفعة جدا، تقود إلى طرح تساؤلات أخرى عن نسبة البطالة التي حصرتها مديرية التشغيل في حدود 83، 6 بالمائة، إذ بوسع الزائر لهذه البلديات في حدود الساعة العاشرة أو الحادية عشرة صباحا من كل يوم أن يقف على الحشود الهائلة من الشباب التي تشبه خلايا النحل تملأ الشوارع والساحات العمومية والمقاهي. والزائر لواد ارهيو سيجد تفاصيل هذه الصورة ماثلة أمامه، حيث تلتقي تلك الكتل البشرية من الشباب، القادمة من البلديات المجاورة. ويقول أحمد (36 عاما): “هؤلاء يتدفقون يوميا على واد ارهيو، يملأون ساحاتها وشوارعها، بينهم من يبيع الشيفون وفيهم من يشتغل كلونديستان وغالبيتهم يأتون هروبا من الفراغ..”، والصورة ذاتها ماثلة في بلديتي جديوية وعمي موسى وأولاد يعيش ومازونة وعين طارق وغيرها.

عودة مؤجلة إلى الرمكة وحد الشكالة
شئت أم أبيت، ستلحظ وأنت تعبر شوارع قلب مدينة غليزان جيوشا من الشباب يبيعون الشيفون والألبسة الصينية وآخرين حريصون على بيع الخضر والفواكه على طاولاتهم المتنقلة. الناس تختبئ وراء أعينهم أشواط من المعاناة، كما لو أنهم خرجوا من الحرب، هل هي الآثار التي تركتها ويلات العشرية الدموية في غليزان من مجازر جماعية ومداهمات ليلية وحواجز مزيفة؟ ففي بلديات الرمكة وحد الشكالة وسوق الحد تم اقتراف واحدة من أكبر المجازر في تاريخ الجزائر، لقي فيها 1200 شخص مصرعهم في ليلة واحدة على يد الجماعات الإرهابية. عندما وصلنا إلى بلدية عمي موسى الواقعة على بعد 65 كم جنوب شرق مدينة غليزان، كانت الأصداء الواردة من البلديات المجاورة كالرمكة وحد الشكالة وسوق الحد وأولاد يعيش تقول إن الذين فروا من جحيم المجازر الجماعية منتصف تسعينيات القرن الماضي نحو البلديات الآمنة وبعض الولايات المجاورة، اكتشفوا المسافة الفاصلة بين الريف والمدينة ولم تعد لهم أي إرادة في الرجوع إلى قراهم ومداشرهم، ذلك بعد أن اكتشفوا الحياة الجديدة في المدينة، حيث الحمام وروضة الأطفال والمخابز ومحلات التسوق وغيرها. يقول رئيس بلدية عمي موسى إنه “رغم حرص الدولة على إنجاز الطرقات وتقديم الدعم الفلاحي وبناء السكن الريفي بالبلديات التي تضررت كثيرا من الإرهاب كالرمكة، حد الشكالة، سوق الحد وعين طارق قصد إعادة إعمار الريف، إلا أن الأغلبية من السكان رفضت الرجوع”.

ويضيف: “مداشر وقرى عمي موسى عرفت ويلات الإرهاب وفرض عليها حصار أجبر سكان 62 دوارا على الهجرة والاستقرار بقلب البلدية، فيما وصل آخرون إلى واد ارهيو ومدينة غليزان ومستغانم”.

ننتظر الكهرباء وفتح الطرقات
ومع ذلك، هناك عودة محتشمة لسكان بعض القرى والمداشر إلى منازلهم المهجورة، بينها المعابيد، المسايسية، الخضر، حمام منتيلة، أولاد صغير، أولاد ميمون. ويقول بعض هؤلاء ممن التقينا بهم في بلدية عمي موسى “إننا ننتظر حاليا تزويدنا بالكهرباء ومنحنا سكنات ريفية”. لكن على العموم، فإن محور الونشريس الغربي الممتد من بلدية عمي موسى، مرورا بعين طارق، الرمكة، تيارت وتيسمسيلت الذي عاني كثيرا من الإرهاب، مازال سكانه ينتظرون التفاتة السلطات العمومية إليه لإخراجه من العزلة من جانب إنجاز مزيد من الطرقات وإقامة مراكز أمنية ومزيد من البنيات التحتية، خاصة أن أغلب سكان القرى والمداشر ممن كانوا يقيمون عبر ذلك المحور يطالبون بإيصال الكهرباء وفتح الطرقات والسكن الريفي.

86 تائبا اجتمعوا بواد ارهيو
ومع أن ولاية غليزان تتصدر قائمة المناطق المتضررة من الإرهاب، إلا أن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية حقق نجاحا كبيرا، على نحو ما يشير إليه عضو مجلس الأمة، محمد ختير عن الحركة الشعبية الجزائرية، ولكنه يرفض عودة المتسببين في تلك المأساة إلى النشاط السياسي، ذلك على خلفية ما أسماها بعض المحاولات، بينها الاجتماع الذي عقده 86 تائبا بدائرة واد ارهيو منذ قرابة شهر وحضره علي بلحاج، يرجح أن المجتمعين رفعوا فيه مطالبهم الاجتماعية إلى السلطات ورد الاعتبار لهم.

الزائر لمدينة غليزان اليوم يجد جزءا هاما منها مازال مختبئا وراء البناءات القديمة والجدران الآيلة للسقوط، فعلى مدى 20 سنة من عبور غليزان للصحراء، تم إنجاز شارعين رئيسيين يوصلك الأول إلى مقر الولاية الجديدة والآخر باتجاه سيدي محمد بن عودة. في حي سيدي محمد بن عودة تكتشف الوجه الآخر لغليزان البعيد عن الأضواء، حيث الأزقة التي تتنافس فيها النساء والشباب على بيع الشيفون والخردة لمواجهة الفقر في غمرة الأوساخ والغبار المتطاير والحفر الكثيرة التي يتحاشاها السائقون بعد أن باتوا يحفظونها عن ظهر قلب، وهي الحفر التي مازالت تميز أيضا قلب المدينة. وفي دراسة تم إنجازها سنة 2000 عن بطاقية الفقر في الجزائر، كان عدد من بلديات غليزان ضمن العينة التي اعتمدت للدراسة من جوانب مدى توفرها على السكن والتعليم والصحة والموارد المائية والتغطية بالكهرباء، كل ذلك لأجل إيجاد صيغ للتكفل الاجتماعي بالشرائح المتضررة.

الفقر جاثم على أغلب البلديات
لكن وعلى مدى 20 عاما، مازال الفقر يتحامل على سكان كثير من البلديات، بعد أن ظلت عملية التضامن المزعومة مقتصرة على شهر رمضان فقط. يقول ابن غليزان النائب بالبرلمان، عبد القادر بلعربي عن تكتل الجزائر الخضراء، إن “هناك بلديات يتراوح عددها بين 15 إلى 18 بلدية، مازالت في حاجة إلى دعم كبير، على اعتبار أن التنمية الريفية بها ضعيفة للغاية، مثل بلديات سوق الحد، حد الشكالة، الرمكة، عين طارق، لحلاف.. بل وحتى مداخيلها ضعيفة جدا، ما جعل جيوب الفقر منتشرة بكثرة”.

وعلى أرض غليزان، يتقاطع أيضا الدين مع الخرافة وملابسات عديدة، ففيما تقول بعض الآراء إن المنطقة تشتهر بأعمال الرقية، تؤكد أصداء أخرى أن غليزان تحتل مكانة امتيازية في نسب التسرب المدرسي، فلأن المدرسة لا تلبي احتياجات الأسر، في ظل الأوضاع الاجتماعية الضاغطة، تعلم الأطفال أشياء أخرى خارج أسوار المدارس، بل وحتى الذين حالفهم الحظ في مقاعد مدرسية سرعان ما يتخلون عنها ويلتحقون بعمالة الأطفال والمخدرات، ذلك بعد أن سطع نجم شابات وشبان يتاجرون في الحشيش وآخرين لا يجدون أي حرج في المشاركة في عمليات اعتداء وسرقة.

نسبة بعيدة عن الواقع
وبناء على ذلك، يشير رئيس بلدية عمي موسى الحائزة على أغلبية الأعضاء من مناضلي الحركة الشعبية الجزائرية، محمد عطار، إلى أن “البطالة مرتفعة جدا نتيجة غياب مصانع ووحدات إنتاج، فالشاب إذا حصل على منصب شغل ففي إطار الشبكة الاجتماعية أو الإدماج المهني”. بينما يقول النائب عبد القادر بلعربي إن “نسبة 83، 6 بالمائة لا تعبر عن الواقع وهي نسبة مشكوك فيها”، قبل أن يضيف “لا أدري ما هي المعايير التي استندوا إليها لتحديد هذه النسبة، هل يعتبرون عقود الشغل المؤقتة هي مناصب عمل؟”، موضحا أنه لا توجد مصانع أو وحدات إنتاجية لامتصاص البطالة بل وحتى المصانع التي كانت موجودة من قبل أغلقت أبوابها، بينها مصنع “بي سي آر” بواد ارهيو الذي يعاني عماله ومسؤولوه من مشاكل وهم اليوم يطالبون السلطات الوصية على قطاع الصناعة بالالتفات من حولها قصد تجديد ماكينات المصنع قصد تحسين الإنتاج”.

العارفون بخبايا الأشياء بغليزان يقولون إن المناطق الصناعية في المنطقة ظلت مشلولة على مدى 20 سنة وبقيت مشاريع بعض المستثمرين الخواص حبرا على ورق، بينما الوحدات الموجودة تعد على الأصابع وأثيرت من حولها قلاقل أكثر من استحداثها لمناصب شغل، من جانب أن الجيل الجديد من شباب أبناء غليزان يقولون إننا مقصون لأن العمل فيها بات حكرا على الدخلاء من أبناء الولايات الأخرى. لكن إرادة الساسة في الجزائر شاءت أن تجعل من ولاية غليزان في غضون السنوات القليلة المقبلة قاعدة صناعية ستشكل وجهة مفضلة لتجار الألبسة في الجزائر وحتى بعض الدول المجاورة، وعلى الأرجح وجهة أيضا لعشاق العلامة الألمانية في السيارات، على اعتبار أن مدير الصناعة والمناجم، محمد العيد حمزاوي، يقول إن أهم المشاريع التي انطلقت في الإنجاز القطب الصناعي للنسيج المتكون من 20 مصنعا بالشراكة مع الأتراك، شرع في المرحلة الأولى منه بإنجاز 8 مصانع على مدى 3 سنوات (2015 – 2018)، يرتقب أن توفر 10 آلاف منصب شغل.

غليزان.. وجهة تجار الجينز
آما المرحلة الثانية لإنجاز هذا المركب الصناعي فتمتد من 2018 إلى 2023، يتم خلالها إنجاز 10 مصانع تسمح باستحداث 15 ألف منصب شغل، أي أن القطب الصناعي الكائن بمنطقة سيدي خطاب والذي سينجز بالشراكة مع الأتراك سيوفر عند تسلمه 25 ألف منصب شغل، وقدرت كلفة إنجازه، حسب المسؤول ذاته، 155 مليار دينار، وسينتج لوازم الألبسة الجاهزة، الألياف الصناعية، الأقمشة التقنية (سراويل الجينز، أقمصة..)، ما يعني أن التجار الجزائريين ممن اعتادوا على التردد على تركيا لشراء تلك السراويل والأقمصة، سيشترونها مستقبلا من غليزان. والحاصل أن الأشغال الخاصة بإنجاز المركب المذكور عرفت تأخرا لأسباب لم يذكرها مدير الصناعة والمناجم، خاصة إذا علمنا أن أشغال إنجاز المركب لم تتجاوز مستوى الأساسات منز سنة 2013، وهي القضية التي كانت محل إلحاح وزير الصناعة، عبد السلام بوشوارب، خلال زيارته لغليزان شهر سبتمبر من العام الماضي، على الجهات المسؤولة عن الإنجاز قصد تسريع وتيرته.

لكن لماذا وقع الاختيار بالضبط على ولاية غليزان لاحتضان هذا المركب الضخم؟ يجيب مدير الصناعة والمناجم محمد العيد حمزاوي “السبب راجع إلى توفر العقار الصناعي، إذ يتربع المركب المذكور على مساحة 250 هكتار، فضلا عن حسن المرافقة من جانب الإدارة وكذا تسهيلات أخرى، بدليل أن رخصة البناء سلمت لأصحاب المشروع في ظرف ساعة واحدة”. ويشير هذا المسؤول في معرض إجابته عن سؤالنا الذي مؤداه: لماذا المناطق الصناعية المتواجدة عبر تراب غليزان لم يكن لديها مفعول على مدى السنوات الماضية في امتصاص البطالة؟ إلى أن تلك المناطق كانت تخضع لتسيير عشوائي على خلاف المنطق الذي باتت تسير به ما يسميه حاليا الحظائر الصناعية، ويقول إن المنطقتين الصناعيتين لبلعسل وسيدي خطاب، وهما قطب صناعي وطني، سيشكلان خلال السنوات المقبلة القاعدة الأساسية لبعث الصناعة والتنمية المحلية وبالتالي سيكون لها مفعول على الجانب الاجتماعي والاقتصادي، أي أن المشهد الصناعي في غليزان سيتغير. ووصل عدد المشاريع التي اعتمدت في إطار الاستثمار منذ سنة 2011 إلى غاية اليوم 331 مشروع، منها 298 مشروع صناعي تشمل الصناعة الغذائية التحويلية، الصناعات الميكانيكية والبلاستيك ومواد البناء، النسيج، الخشب والورق والجلود، موزعة على منطقتي بلعسل وسيدي خطاب. وقد انطلقت الأشغال على مستوى 83 مشروعا، فيما يرتقب أن تدخل 5 مشاريع الاستغلال في غضون السداسي الأول لسنة 2016. ويمكن لغليزان على المدى المتوسط أن تتحول إلى قطب صناعي غذائي تحويلي، بالنظر للطابع الفلاحي للمنطقة، كإنتاج الحليب، معاصر، العجائن الغذائية وهي مشاريع مدرجة ضمن 83 مشروعا المذكورة.

مصنع “سوفاك” بغليزان
وفيما تشير بعض الأصداء المنعكسة من محيط مقر ولاية غليزان إلى أن مشروع “سوفاك” لتركيب السيارات الألمانية ستحتضنه ولاية غليزان، تحفظ مدير الصناعة على إعطائنا تفاصيل بشأن هذا المشروع، مكتفيا بالقول: “إنجاز هذا المشروع مازال في طور الدراسة على مستوى الحكومة، وقد تم التطرق إليه خلال مجلس الحكومة الأخير ونوه بالأهمية الوطنية التي يكتسيها”، مشيرا إلى أن غليزان لديها حظيرة صناعية تتربع على 500 هكتار قابلة للتوسع على مساحة تصل إلى 2700 هكتار.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول