هل ستواصل العائلات "معركة" سارفانتيـس للاستفادة من الترحيل؟!

روبورتاجات
7 أغسطس 2016 () - الجزائر: ع. زغباش/ تصوير: حمزة كالي
0 قراءة
+ -

معاناة وآهات، جرذان وأفاعي، سيول وأمطار من الأسقف والتشققات، عيش في منحدر خطير دون أبسط الضروريات.. كفاح مستمر إلى اليوم ضد قسوة العيش داخل بيوت قصديرية.. هذا قليل من كثير يقضيه قاطنو حي “سارفانتيس” القصديري بأعالي بلوزداد في الجزائر العاصمة، حيث تبدو مظاهر الشقاء من أول وهلة تطأ فيها قدماك هذا الحي الشعبي، فلا هم من المقيمين ولا هم من المرحلين، ليبقى حلم توديع تلك المعاناة مؤجلا إلى حين، وتبقى العائلات تنتظر إشارة السلطات الولائية لحزم حقائبها نحو سكنات جديدة.. تحفظ للإنسانية كرامتها.

لهفة دخول سكنات جديدة وتوديع القصدير والمنحدر الوعر الذي تقع به سكناتهم القصديرية بأعالي بلوزداد، وعلى بعد أمتار فقط من مقام الشهيد، رمز الشهداء والثورة التي ضحى فيها الشعب بالغالي والنفيس ليعيش في راحة وأمان في جزائر البترول والغاز والثروات الطبيعية، هو حلم العائلات التي ناهز عددها 150 عائلة، فلا حديث لسكان الحي في الأشهر الخمسة الأخيرة إلا عن تاريخ ترحيل الحي الذي اعتبروه منسيا، رغم الموقع الذي يتواجد به، فهو الواجهة الأولى التي تقابلك عندما تقترب البواخر من الرسو بميناء الجزائر، إضافة إلى أنه يقع على مقربة من مقام الشهيد الذي يقصده الكثير من الجزائريين وحتى الأجانب.

كل هذه المعطيات لم تشفع لهؤلاء في تذوق طعم الحياة داخل مسكن لائق، ويبقى ذلك الحلم يراودهم في كل لحظة، ولكن متى سيتحقق؟ هي الأسئلة التي يطرحها هؤلاء في كل يوم يمر عليهم وفي كل عملية ترحيل تبرمج في العاصمة، خصوصا أن الإحصاء وتقديم الملفات لم يكن إلا بعد احتجاجات عديدة نظمتها العائلات من أجل المطالبة بتنقل لجنة الإحصاء على مستوى البلدية والضغط على مصالحها للتحرك من أجل إدراج حيهم ضمن الأحياء المعنية بعمليات الترحيل المتبقية.

كانت الساعة تشير إلى 11 صباحا عندما ولجنا الحي، التقينا سيد علي أحد سكان الحي، متزوج وأب لطفلين (12 و13 سنة) وكان دليلنا رفقة جاره صلاح الدين (32 سنة).
طلبنا القيام بجولة معهما في الحي، وأثناء ذلك بادرانا بالحديث عن القسوة الحقيقية التي يعيشون فيها هناك في بيوت قصديرية فقط، يتقاسمونها مع الجرذان والثعابين التي أصبحت مصدر خطر حقيقي على حياتهم، بالنظر إلى الموقع الذي يتواجد به حيهم الذي تحول إلى شبه منطقة جبلية وأحراش، تتكاثر فيه مختلف الحشرات التي تزيد من خطورة العيش في ذلك المكان، حيث الأشجار الكثيفة والمنحدرات الجبلية الوعرة والقمامة المنتشرة في كل مكان، ناهيك عن المسالك الخطيرة التي تسمح بعبور الأشخاص فقط على الأقدام.

حال تلك العائلات وهي تتجرع مرارة العيش يشبه إلى حد بعيد حال الشخصية المعروفة “ميغيل دي سارفانتيس” الذي أطلق اسمه على المغارة التي تقع أسفل الحي حيث كان يعيش، واشتهر أنه كان تعرض للتعذيب بعد أن تم بيعه في سوق النخاسة، ثم تدخلت عائلته لجمع الفدية من أجل تحريره، ليتحمل الحي اسمه ويصير ومزارا للإسبانيين الراغبين في زيارة المغارة التي قضى فيها مواطنهم، والذي أصبح بعد مغادرتها وعودته إلى دياره في إسبانيا أشهر الكتاب بروايته. لكن الحالة التي يتواجد عليها الحي لا ترقى لأن تستقبل زوارا وأجانب في مكان يقع في قلب العاصمة ويعد واجهة البحر فيها، وهذا ما يراه سيد علي وصلاح الدين أمرا بالغ الأهمية على السلطات الولائية أن تتكفل به، وهي التي اعتزمت القضاء على كافة النقاط السوداء المتواجدة بتراب الولاية، وحيهم هذا واحد منها.

تنقلنا بالحي كشف لنا حجم المعاناة التي يتجرعها سكان الحي منذ أكثر من عقدين، فإضافة إلى غياب الأمن وتسرب المياه من التشققات التي تعرفها بيوتهم، والربط العشوائي بشبكتي المياه والكهرباء، وكذا انعدام شبكة الغاز ومختلف المشاكل المعروفة بالأحياء القصديرية، فإن الموقع الصعب الذي يتواجد فيه الحي عمَّق معاناتهم وعقَّد حياتهم أكثر، حيث يقع بمنحدر جد وعر، والمرور عبره يتطلب اليقظة التامة، خصوصا أنه لا يوجد ممر معين يسلكه هؤلاء صعودا أو نزولا إلا على الأرجل فقط، ما وبات يهدد حتى حياتهم خاصة الصغار منهم، وقد أصيب أحدهم قبل أشهر بجروح بليغة بعد أن زلّت قدماه وتدحرج، إلى جانب الانهيارات الترابية التي عادة ما تكون في فصل الشتاء بعد التساقط الغزير للأمطار، وكادت في إحدى الليالي أن تودي بحياة أفراد بعض العائلات.
وحدثنا مرافقنا كذلك أن أبناءهم المتمدرسين يجدون صعوبة كبيرة في الذهاب إلى مقاعد الدراسة والعودة إلى بيوتهم، إضافة إلى صعوبة نقل المرضى لاسيما الحالات المستعجلة، وفي الليل، ليكون الملاذ الوحيد هو صبر المريض أثناء صعود المنحدر والخروج إلى المدخل العلوي للمصعد الهوائي ثم التنقل بسيارة “كلونديستان” للتوجه إلى أقرب عيادة متواجدة ببلدية المدنية.
أما حالة البيوت التي يعيشون بها فحدث ولا حرج.. أنابيب المياه التي يتزودون بها من هذه المادة الحيوية تتسرب منها المياه بعد أن تصدأ جزء منها، ناهيك عن ضيقها، فقد لاحظنا أن معظمها لا يتسع إلا لسرير وبعض الأغراض من أفرشة وأغطية، وهذا ما يزيد من اكتظاظها وصعوبة الدخول والخروج منها، إلى جانب أماكن الطهي التي تلجأ بعض العائلات إلى إخراجها من الغرفة إلى الخارج لترك مساحة لأغراض أخرى، أو مكان للجلوس، وهنا يستوقفنا صلاح الدين قائلا “في الشتاء طالما حاولنا سد التشققات وأسطح البيوت التي تتسرب منها مياه الأمطار، خاصة تلك التي تكون مصحوبة برياح قوية بصفائح خشبية، لكننا لم نفلح، لتعود التسربات وتملأ الغرف بالماء”.
أما الأطفال الصغار، فليس لديهم مكان يلعبون فيه، ولا يملكون سوى الجلوس أمام مداخل البيوت، كما لاحظنا أثناء جولتنا، أو يتنقل الذين يفوقون 10 سنوات، خاصة الذكور منهم، إلى ساحة تقع تحت مقام الشهيد وفوق بيوتهم فقط للعب بالكرة أو “البيليارد” الذي وضع هناك للترفيه عنهم قليلا في أوقات الفراغ والعطل المدرسية، في وقت يجد أقرانهم مساحات خضراء وألعابا بالمساحات الخضراء وأماكن الترفية القريبة من أحيائهم.

الاحتجاج الطريق الوحيد للفت الانتباه

بعد تفكير كبير وبحث طويل عن الطريقة التي تجلب بها تلك العائلات أنظار السلطات البلدية إليها، لعلها تتذكر أن هناك حيا اسمه “سارفانتيس” بتراب بلديتها، وتتنقل إليه لإجراء الإحصاء وتقديم ملفاتها إلى مصالح الولاية لدراستها وإدراجه ضمن الأحياء الأخرى المبرمجة في عمليات الترحيل، احتجت العائلات بمقر البلدية عدة مرات، ونظموا أمامها العديد من الاحتجاجات لتتحرك سلطات البلدية أخيرا عن طريق إيفاد لجنة إحصاء إلى الحي قبل رمضان الماضي، وطلبت منهم المزيد من الصبر إلى حين تحويل الملفات إلى مصالح الولاية والإلحاح عليها لإدراجهم ضمن قوائم المرحلين.

كما كان لنصب لافتات كبيرة بأعالي الحي وتحت موقف المصعد الذي يربط وسط البلدية بمقام الشهيد، وقع كبير، حيث سارعت سلطات البلدية لإقناع السكان الغاضبين بنزع تلك اللافتات، واعدة إياها بإيفاد لجنة إحصاء للانطلاق في عملية دراسة ملفاتهم.

زيارة الوالي إلى الحي وحلم الترحيل يتجدد

ويقول سيد علي وصلاح الدين إن زيارة الوالي زوخ إلى الحي جددت لديهم حلم العيش في سكنات لائقة، حيث سنحت لهم الفرصة للتقرب منه شخصيا وطرح انشغالهم إليه مباشرة، ومطالبته بإدراج حيهم ضمن تلك الأحياء المبرمجة للترحيل، نظرا للموقع الذي يتواجد به، وكان رد الوالي بأنه سينظر في مطلبهم، وهذا ما أحيا فيهم حلم الترحيل والعيش في سكنات جديدة وتوديع حياة المعاناة و«الميزيرية” التي تأبى أن تفارقهم بعد حوالي عقدين من الزمن قضاها معظمهم بالحي، لتبقى عيونهم مشدودة إلى مقر الولاية والدائرة والبلدية لانتظار الإشارة من القائمين عليها لحزم أمتعتهم والتهيؤ لليوم المشهود، وهو يوم مغادرة تلك “البرارك” نحو سكنات لائقة تضمن لهم العيش الكريم.

وتزامن تواجدنا بالحي أمس مع تنقل ممثلين عن سكان الحي إلى مقر الولاية للاستفسار عن تاريخ برمجة حيهم للترحيل، حيث قال عادل أحد ممثلي الحي في اتصال بنا “قدمنا عريضة حول الموضوع، قدمنا ملفاتنا لدى المكتب المتخصص بالبلدية، ولم تصل إلى حد الآن، ولم نحصل على أي جواب، فأخبرونا أنهم سينقلون انشغالنا هذا إلى والي العاصمة شخصيا من أجل النظر فيه”، مشيرا إلى أنهم تنقلوا قبل أيام إلى مقر البلدية، فطمأنوهم بأنهم سيعملون على تحويل تلك الملفات، قبل بداية العطلة السنوية في 7 أوت القادم، إلى اللجنة المعنية على مستوى الولاية من أجل دراستها، ويضيف صلاح الدين “صحيح أن عمليات الترحيل لا تزال متواصلة وتم القضاء على العديد من الأحياء القصديرية التي تشوه منظر العاصمة، إلا أن حينا هو الآخر يعد من بين النقاط السوداء التي يتوجب تعجيل ترحيلها نظرا لموقعه”. 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول