شواطئ عذراء تنتهي عند سوق لنهب وتهريب المرجان

روبورتاجات
12 أغسطس 2016 () - الطارف: أ. ملوك
0 قراءة
+ -


رحلة الحماية المدنية لولاية الطارف لفائدة أسرة مهنة المتاعب كان هدفها استجماميا في عرض سواحل غربي مدينة القالة، واستكشافيا لشواطئ منطقة بوطريبيشة المعزولة، مسرح سوق نهب وتهريب المرجان بين عصابات سطح البحر ونظيراتها على البر، وسط أدغال غابية على بعد أمتار من الحزام الحدودي بين القالة بالطارف وطبرقة التونسية، أكبر الأسواق العالمية لهذه المادة الجزائرية النفيسة.


 كرمت الوحدة البحرية للحماية المدنية بالطارف الأسرةَ الإعلامية برحلة بحرية على متن زورقين مطاطيَّين، انطلاقا من ميناء القالة القديم باتجاه “كاب سيقلي” النقطة البحرية الحدودية الشرقية على مسافة 80 ميلا بحريا ذهابا وإيابا. بعض الزملاء في رحلة الفوج الثاني التي ضمَّت الرعيل الأول من مراسلي وصحفيي المنطقة “الخبر”، “الوطن”، “لوسوار دالجيري” ووكالة الأنباء الجزائرية، يمتطون ولأول مرة الزورق المطاطي، وقاوموا أثناء الرحلة ارتماء الزورق مع الأمواج، وكأن الخط البحري مليء بـ “ممهلات” كتلك التي تراها في الطرقات البرية، ولحسن الحظ لم تحدث في وسطهم إصابات بالدوخة البحرية، خاصة أن المجموعة تناولت وجبة الغذاء عند منتصف النهار بمقر الوحدة البحرية، ومنها رأسا إلى الميناء القديم بالقالة. وفي لحظة الصعود إلى الزوارق ارتدوا الصدريات البحرية وقدم لهم الأعوان، تحت إشراف الملازم الأول منصوري عبد الغاني رئيس خلية الاتصال بمديرية الحماية المدنية، مجموعة من التوجيهات الخاصة بالرحلة واحتياطاتها وإجراءات سلامتها قبل الانطلاق.

اتجهت بوصلة الزورقين صوب الجهة الشرقية، ومنها تراءت مدينة القالة بمشهد عام من عرض البحر، المدينة القديمة تتربع في الواجهة البحرية، يختلط نسيجها العمراني بين المباني العتيقة ورمزها “كنيسة القالة”، ويتخللها مشهد مبانٍ حديثة في أشكال وأنواع غير منسجمة، فيما احتلت الأحياء السكنية أعالي المدينة في انتشار فوضوي، مع بقاء مساحات غابية شاغرة على منحدرات الأعالي الشمالية للمدينة، منحتها مواقع متقطعة من أشجار الصنوبر البحري باخضراره الأبدي تقاوم زحف الإسمنت المتكالب على هذه المدينة الساحلية السياحية، قبلة المصطافين من مختلف أنحاء الوطن، وتنتهي أطراف ساحل المدينة شرقا مع بداية خلجان بحرية صخرية لبقايا براكين أخمدت الأمواج لهيبها، وحوّلتها إلى سطحيات مقعرة بألوان داكنة تميل إلى السواد في بعض المواقع، صعبة الترجل في السير، وفي بعض المواقع يقتحم البساط الغابي الساحر هذه الصخور، ويتسلل إلى حيث ترتمي الأمواج على الصخور أو المناطق الرملية الضيقة التي اتخذ منها عدد قليل من المصطافين موقعا للتخييم، ليأتي بعدها شاطئ العوينات الرملي، وتقابله واحدة من الجزر الصخرية الصغيرة الثلاث، موطن فقمة البحر في الفصل الربيعي، وكان عدد العائلات المخيمة بأكثر إقبالا.

وعلى نحو 5 أميال من الخلجان الصخرية والغطاء الغابي يعلوها طريق ولائي ساحلي، يشق البساط الغابي الكثيف بين منحدرات ومنعرجات، وهو الذي يربط المخرج الشرقي لمدينة القالة بشاطئي “ميسيدا” 1، 2، حيث الرمال مكتظة بالمخميات والشمسيات وجيوش من المصطافين، وقد حوّلت أشعة الشمس زجاج السيارات في مواقفها إلى مرايا عاكسة ومتلألئة، في مشهد يؤكد أكبر عدد من المصطافين على هاذين الشاطئين اللذين تنتهي عندهما الطريق المعبدة تجاه الساحل الشرقي، ويفصل بينها واد جار بالمياه الضحلة المنحدرة من بحيرة طونقة الشهيرة بنظمها البيئية ومكونات محيطها الطبيعي الخلاب للمنطقة الرطبة. وبين جهتي الوادي في رمال الشاطئين “مسيدا” 1 و2، تنتصب بقايا قلاع ميناء العهدة الفينيقية، وصخور بحرية سوداء اللون من بقايا مناجم فحمية قديم.

وتتواصل الرحلة هذه المرة إلى الساحل المعزول عن الطرقات والمسالك، في سلسلة من الصخور المنهارة فوق بعضها البعض، نتيجة ما فعلته بها قوة الأمواج البحرية، كما هو حال جزيرة صخرية صغيرة شقها البحر إلى قسمين، ولم يبق منها في عرض البحر إلا ناب صخري، وهو الشاهد على بداية حزام ساحلي لشواطئ منطقة بوطريبيشة، فضاء سوق المرجان الذي تُخرج منه عصابات نهب المرجان هذه المادة النفيسة وتسوِّقها بعين المكان إلى شركاء لها، ومنها تأخذ طريقها وسط المسالك الصخرية والغابية لتعدها للتهريب نحو تونس في الجوار اللصيق بأية طريقة كانت.

وقد شهدت المنطقة عدة مطاردات بين العناصر الأمنية وهذه العصابات، حسب الحصيلة السنوية لمكافحة تهريب المرجان. وعلى المباشر تابع الجميع مشهد تسليم شخص على متن زورق صغير لشريكه على اليابسة الصخرية كيسا كبيرا بلون أخضر يحتوي على كمية من المرجان، لاذ بها المستفيد وسط الأحراش الغابية إلى وجهة مجهولة.

وفي مشهد آخر عرض البحر، كانت 3 زوارق صغيرة، على متن كل واحدة منها شخصان، قريبة من الساحل الصخري، وبمجرد اقترابنا منها على نحو 200 متر انطلقت بسرعة فائقة مع مناورة خطيرة واختفت بعيدا في عرض البحر، يرجح أنها لعصابات نهب وتهريب المرجان التي تستولي على الفضاء الساحلي لشواطئ منطقة بوطريبيشة المعزول نهائيا.

ورغم خطورة الموقع، فإن عددا قليلا من المصطافين يُعتبرون من رواد الشاطئين الرمليين ببوطريبيشة للتخييم أياما في منطقة معزولة تماما، حيث تتولى الزوارق البحرية الصغيرة وسكان قرية سقلاب تموينهم بما يحتاجونه يوميا.

وفي ذات المنطقة، توغل الزورقان في خليج بحري محاط بالصخور والغابات، وهو من أروع المواقع الشاطئية، حيث فضل الجميع الاستجمام والسباحة.

وبعدها واصلت الرحلة مشوارها الأخير إلى صخور القمة العالية “كاب سقلاب”، وفي مقابله بعرض البحر تظهر على ميلين فقط من الخط الحودي البحري مع مدينة طبرقة التونسية، واحدة من القطع البحرية التابعة لوحدة البحرية الجزائرية في مراقبة دائمة لحماية الحدود البحرية، ومتابعة مكافحة رحلات “الحراقة”، وأسفل الصخور البحرية العالية لقمة سقلاب مياه بحرية عميقة وباردة وجدت قناديل البحر موطنا لها، شدت انتباه مرافقينا من أعوان الحماية المدنية، والتحذير من مخاطر هذا الكائن المائي المكهرب، وما يطلقه من سائل يحرق جلد الإنسان.
وعلى أدراج المنحدر الصخري، ما زالت تنتصب شواهد أبراج المراقبة البحرية للعهدة الفينيقية ومغاراتها وبقايا جسر يربط هاوية بين صخرتين، وتنتهي الرحلة معرجة إلى الوجهة التي جاءت منها، فكانت آخر نقطة شاطئ رملي تنتهي عند كتلة صخرية، شاهد النقطة الحدودية الفاصلة مع الساحل التونسي، وفي أعاليها الغابية تنتصب ثكنة لوحدة حراس السواحل بالبياض الناصع لبنايتها وسط محيط غابي دائم الاخضرار.

العودة إلى القالة من نقطة “كاب سقلاب” وعلى طول 40 ميلا بحرية تطلب زيادة سرعة الزورقين المطاطين، ولكن الارتطام بالأمواج خفف حدتها. ويقول الأعوان إن اتجاه سير العودة يختلف عن الأول، من حيث اتجاه الأمواج البحرية، ورغم قصر وقت رحلة العودة، فإن أجهزة التصوير ظلت شغالة بيد الجميع لما تتلهفه العيون وتكتشفه من مناظر خلابة من موقع إلى آخر. ومن المناظر المؤسفة بساحل الوسط العمراني لمدينة القالة، فندق “المرجان” المغلق منذ 6 سنوات، ورغم شموخه فإن آثار التآكل بادية على مظهره الخارجي، أما بداخله فإن عمليات سرقة تجهيزاته النحاسية محل معالجة أمنية لدى مصالح أمن دائرة القالة، وبمرارة فإن هذا الصرح السياحي ذا الشهرة العالمية أضحى زائلا إلى البنايات الهشة التي تشكل المدينة القديمة، العجوز الرثة، لمدينة القالة.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول