بلطجية، ابتزاز و.. تعددت الأسباب والفشل واحد

روبورتاجات
29 أغسطس 2016 () - بجاية: ع. رضوان
0 قراءة
+ -

مع بدء الصيف طي صفحاته الأخيرة، أدرك الفاعلون الحقيقة التي لم يتوقعوها أبدا، وهي أن جميع الصفقات التي أعدوها لتعود عليهم بالأرباح الطائلة ذهبت سدى، بل وكانت سببا في إفلاس الكثير من المستثمرين الموسميين.. ويعود ذلك إلى قلة الطلب على العرض، وعزوف الجزائريين، بل ونفورهم من الشواطئ الجزائرية وفنادقها. ميدانيا تضاربت المصادر حول الأسباب الحقيقية لهذه الكارثة التي عرفها موسم الصيف الحالي.

تشير مصادر الحماية المدنية ببجاية، أنه إلى غاية منتصف شهر أوت الحالي، دخل أزيد من خمسة ملايين مصطاف إلى مختلف شواطئ البلديات الساحلية، منهم الثلثان توجهوا نحو الشواطئ الشرقية، التي تمتد من شاطئ الجابية ببوخليفة إلى غاية شاطئ ملبو الحدودي مع ولاية جيجل. وأغلب المصطافين يأتون من الولايات الشرقية والجنوبية، حيث هياكل الاستقبال متوفرة مثل الفنادق والمخيمات الصيفية. وأحصت مديرية السياحة أزيد من 153 مخيم صيفي حائز على الرخصة القانونية من الجهات المسؤولة، وهي تتوزع بالدرجة الأولى بالشريط الغابي المحاذي للشواطئ ببلديات: ملبو، سوق الاثنين، أوقاس، باكارو، تيشي وغيرها.. ويقيم فيها قرابة نصف مليون مصطاف. بينما الثلث المتبقي من المصطافين والقادمين من الولايات الغربية بالدرجة الأولى، فيتوزعون على شواطئ الساحل الغربي الممتد من شاطئ تازبوجت إلى آيت منديل ببني كسيلة. وهي في الأصل الشواطئ المفضلة عند سكان بجاية، لما توفره من هدوء وراحة وانعدام الصخب الليلي. وأجمع غالبية المتدخلين في شؤون اقتصاد الصيف، أن شواطئ بجاية تتوفر على كل الشروط لضمان موسم صيفي ناجح، إلا أن ما أتى به جاء معاكسا تماما للتوقعات، وهو ما لم يكن يتوقعه المستثمرون، الذين صدموا لهول ما تعرضوا له، وأقل الأضرار كان الإفلاس أو الغرق في مستنقع الاستدانة.
اقتربنا من عقبة، أحد مسيري الوكالات العقارية بتيشي، الذي صرح لنا أنه مثل غيره من المسيرين العقاريين، يعيش حالة صدمة شديدة. موضحا أن كل مدخرات الموسم الماضي تبخرت خلال الشهرين الأخيرين، حيث قام عقبة بحجز 25 شقة من مالكها مقابل دفع مستحقات الكراء مسبقا، حيث دفع ما معدله 25 مليون عن كل شقة ولكل شهر.. إلا أنه وبعد مضي شهر ونصف من بداية الموسم الصيفي، لم يتمكن من استغلال إلا 17 من الشقق التي حجزها، وبسعر أقل بالنصف بالمقارنة مع السعر المقرر.. وظلت الشقق الأخرى مهجورة طيلة أيام الصيف. وهو ما كلفه خسارة قدرها بأزيد من مليار سنتيم. وأرجع عقبة سبب الكارثة التي حلت به إلى عزوف السواح عن القدوم إلى شواطئ بجاية، وتفضيلهم شواطئ أخرى. وأشار إلى تفشي ظاهرة الفوضى واللاأمن، وفشل السلطات في ردع المعتدين على قوانين الجمهورية، وتفضيلها سياسة المهادنة بدلا المجابهة. وهو ما لا يخدم السياحة، على حد تعبير عقبة، الذي يتواجد في وضعية نفسية متدنية. وبشاطئ تيغرمت بالساحل الغربي، اقتربنا من يزيد، مالك ومسير مجموعة من المنازل الشاطئية، حيث صرح لنا أنه تعوّد منذ سنوات أن يعلن تمام الحجز لجميع الشقق التي يتوفر عليها منذ بداية شهر ماي، إلا أنه خلال هذا الموسم، بلغ شهر أوت عتبته، ولا يزال نصف عدد شققه ينتظر السواح والمصطافين. يزيد، وبنبرة المحتار، قال إن شواطئ الجهة الغربية لولاية بجاية لا تعاني من أي مضايقات أو مشاكل، والسبب – حسبه- ليس غياب الأمن كما يدّعي البعض، وإنما هو نتيجة إسقاطات الأزمة الاقتصادية التي مست أغلب الجزائريين، وقرار الكثير منهم التضحية بعطلة الصيف في البحر لمواجهة هجمات تكاليف الدخول الاجتماعي، مع ضرورة توفير مستلزمات الدخول المدرسي وشراء كبش العيد وغيرها...
أرزقي، نقابي سابق، أصر وألح على أن كارثية الموسم الصيفي تعود بالدرجة الأولى إلى تدني القدرة الشرائية عند الجزائريين، والاستفادة الجماعية للأزواج من سلفة السكن، وعمق الأزمة الاقتصادية التي فشلت السلطة في مواجهتها بوجه مكشوف، حيث أجور غالبية الجزائريين لم تعد تكفيهم لأيام قليلة من الشهر. انتقلنا إلى القرية السياحية “كابري تور” بتيشي، أين يقيم أثرياء الجزائر، فالقرية محصنة بشكل جيد ودخول الغرباء إليها ليس بالأمر اليسير، فكان الجواب واحدا عند أغلب مسيري المحلات التجارية.. وكان رد أول من سألناه “زيرو” (صفر).. فالبنسبة له الناس تستحم ليس أكثر، بل وأن أغلب العائلات المالكة لشقق في القرية سارعت إلى تأجيرها بسبب عجزها عن استغلالها. فثمن كراء شقة في القرية السياحية لا يقل عن 40 مليون سنتيم خلال شهر جويلية و50 مليونا خلال شهر أوت. والوضع ليس أحسن حالا لأصحاب المحلات التجارية الصغيرة، التي تم تأجير آخر واحد منها بسعر 30 مليون سنتيم. اقتربنا من بعض الشباب الذين يشرفون على النشاطات الترفيهية بالقرية السياحية، فأكدوا لنا أن الخسارة لا غبار عليها، حيث أوضحوا أنهم استأجروا القاعات المختلفة ومساحات الترفيه بحوالي نصف مليار سنتيم، وقبل أيام قليلة من نهاية الموسم الصيفي لم يتمكنوا من جمع حتى ربع المبلغ المستثمر.
الموسم الصيفي بدأ مبكرا وانتهى مبكرا
لأول مرة منذ سنوات طويلة، قررت السلطات الولائية المكلفة بتسيير قطاع السياحة البدء في التحضير للموسم الصيفي مبكرا، حيث عقد والي بجاية أول اجتماع له مع الجهاز التنفيذي بتاريخ 15 ديسمبر.. وأبدى منذ البداية تشددا وصرامة كبيرين لضمان نجاح موسم الاصطياف ببجاية. الوالي “البومباردي” كما يلقب محليا، جنّد كل إطارات الولاية ووضعها تحت تصرف مديرية السياحة من أجل تفادي ما كان يتخوف منه، خاصة لما لاحظ وضعية الإهمال العام والتسيب الذي طال جميع قطاعات الولاية، ووصل به الأمر أن أمر نصف الجهاز التنفيذي خلال النصف الأول من شهر مارس الماضي بإجراء مسح كامل لكل الشريط الساحلي الغربي، حيث صال المسؤولون وجالوا من أجل الكشف عن النقاط السوداء وتجاوزها. نفس العملية أمر بها خلال النصف الثاني من نفس الشهر، حيث تم إجراء مسح شامل لشواطئ الشريط الساحلي الشرقي، وانتهت الجولة الماراطونية بجولة أخرى شاملة، كان على رأسها “البومباردي”، الذي توصل في نهاية المطاف إلى اختيار شاطئ تالة خالد بأوقاس ليحتضن حفل افتتاح الموسمي، والذي جرى في أجواء كانت توحي أن العالم سينقلب إلى بجاية، فوزعت الجرارات ووسائل التنظيف على رؤساء البلديات من أجل التحضير الجيد لـ«تسونامي” السواح.
مر شهر رمضان بأيام والشواطئ لا تزال مشتاقة لعامريها وحل شهر جويلية ونهايته، ولم تحدث المفاجأة، وتأجل الفرج الافتراضي إلى شهر أوت، الذي جاء على ظهر جواد السباق، ليمر ربعه ثم نصفه دون أن تتحقق المعجزة المنتظرة.
تعددت الأسباب والفشل واحد
بالموازاة مع شروع الجهات المختصة في فتح تحقيقات لكشف الأسباب التي وقفت وراء فشل موسم الاصطياف ببجاية، فإن واقع الحال يسلط الضوء على مجموعة من الظواهر غير الشرعية واللاأخلاقية التي يمكن حصرها في تراكم وعود المسؤولين بحل المشاكل المطروحة دون تجسيدها ميدانيا. فوالي بجاية، وعد، مع بداية الموسم الصيفي، بمحاربة كل مظاهر الانحراف في الشواطئ، إلا أن الواقع المفروض عليه ألزمه التراجع والصمت... فهناك مسؤولون ومنتخبون ومواطنون متآمرون في هذه المأساة التي تعيشها شواطئ أجمل مدينة جزائرية. وتبقى الحقيقة المرة التي عجزت السلطات عن مواجهتها هي غياب الأمن في الشواطئ، وأن غالبية المصطافين يفضلون التنازل عند رغبات الشباب المسلح بالهراوات بدلا الدخول مواجهات غير محمودة العواقب. وهي الظاهرة التي أكدها مصطاف قدم من ولاية مجاورة، حين قال إنه كلما يتنقل من شاطئ إلى آخر بحثا عن مكان أفضل، تسلط علية “بلطجية” الشواطئ غرامة المرور التي تتراوح ما بين 100 إلى 200 دج، حسب نوعية السيارة، وقال إنه يفضل الدفع ملتزما الصمت.
تضارب في فهم أوامر الحكومة من بلدية إلى أخرى
المفارقة العجيبة التي لاحظها المصطافون القادمون إلى بجاية، هي عدم وجود تفسير وتطبيق واحد لتعليمات الحكومة، لا سيما أوامر وزير الداخلية الذي أمر أفراد تشكيلات الأمن بحماية المواطنين في الشواطئ والسهر على التطبيق السليم للقانون، خاصة التعليمة المتعلقة بمجانية الدخول إلى الشواطئ، حيث فهم الوزير يختلف عن فهم المواطن. بديهي، المصطاف القادم إلى الشاطئ يدرك أن المسافة بعيدة والحل الوحيد هو السيارة وهنا يكمن مربط الفرس.. فالبلديات الشاطئية التي لم تبذل أي جهد لتنظيف الشواطئ تنتظر حلول فصل الصيف لتأجير مساحات من الشاطئ لفائدة شبان يتم انتقاؤهم على أسس معروفة، بعضهم يتكفل بالقادمين إلى الشاطئ بالسيارات، ليتم توقيفهم عند مدخل الشاطئ ويجبرونهم على دفع ضريبة الدخول إلى الشاطئ المقدرة بمبلغ مائة د.ج، ضاربين بذلك عرض الحائط تعليمة البلدية التي حددت سعر الدخول بمبلغ 30 د.ج.. ولا أحد من السلطات الأمنية تدخل لردع هؤلاء، بل بالعكس.. وفرق أخرى مهمتها تبدأ مع الساعات الأولى من الصباح، حيث ينزل أفرادها إلى الشاطئ ويقومون بنصب شمسياتهم في المواقع الجيدة بالقرب من الشاطئ، حتى يجد السائح نفسه مجبرا على استئجار شمسية بحوالي 500 د.ج، ثم تفرض عليه طاولة وأربعة كراسي، بمبلغ ألف د.ج، وهكذا تتجدد الظاهرة عند كل شاطئ. من جهتها، تبرر السلطات سوء الفهم هذا بتعمد الشبان المستفيدين من مواقع “الباركينغ” ابتزاز المصطافين. وتؤكد أن المجانية التي يتحدث عنها وزير الداخلية تخص الدخول دون سيارات. وهو ما يطرح التساؤل حول كيفية وصول مصطاف إلى البحر دون سيارة. الظاهرة الثانية التي تقف وراء نفور السواح هو “تفرعن” أصحاب الوكالات العقارية على فرض أسعار خيالية على الراغبين في استئجار الشقق، حيث معدلها لا يقل عن مليون سنتيم لليوم الواحد. أما أسعار الخضر والفواكه ومختلف الحاجيات المنزلية فهي لمن استطاع إليها سبيلا.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول