الأرض تتحرك

روبورتاجات
2 يناير 2015 () - البليدة: ب. رحيم
0 قراءة
+ -

 الأرض تتحرك يوما بعد يوم بمنطقة حمام ملوان السياحية، وتزايدت حركة طبقاتها التحتية حتى بلغت مقدارا مخيفا غير مسبوق.. واقع معيش أصبح يرعب الجميع، وتحوّلت المخاوف إلى موجة “تسونامي نفسي”، بلغت حدود ساكنة الجزائر العاصمة والسكان الجيران بالولايات القريبة من عاصمة المتيجيين، البليدة. وتساءل الناس، وخاصة أهالي بني ميسرة “ما  الذي يحدث؟”، فالأمر غير معهود، والجواب أصبح سرا مفقودا.. لا أهل الخبرة والاختصاص أوضحوا الأسرار، ولا الحكّـام والمسؤولون طمأنوا  الناس من الأوهام، واختلف الجميع، فظهرت فوارق في التفسير.. واحد يقول إن الإنسان مسؤول عن التخريب، وثان يؤكد أن الأرض تحركت بفعل طبقات الأرض غير المستقرة، وثالث عايش الزمن الأول، كشف عن سر دفين، يشبه في التفسير قصص الأساطير وحكايا الغيلان والسحر والسحرة، واعترف، وهو الشاهد، أن “الجن من الصالحين غضبوا لعبث الإنسان بـ “الحمام” وبركاته، فقرروا في إجماع الانتقام والاعتبار لمن سوّلت له يداه العبث بمقدساتهم وبركاتهم”.

«الخبر” رصدت ما تم تداوله على ألسنة الناس هنا في حمام ملوان وما أقرّه العلم وكشفت عن حقائق واقعية وأخرى أسطورية وخرافية .

تحوّل حمام ملوان، الوطن الساحر الصغير بعد زمن من الهدوء والطمأنينة والأمن والأمان، إلى عنوان من الحروف فيه الخوف الكثير والرعب الشديد والقلق والوسواس القاهر، حتى بلغ درجات قصوى لا تحتمل، نجم عنها وفاة شاب في هزة ارتدادية لم يستطع مقاومة مخاوفه ومرضه، انهارت فيها أجهزته الحيوية واستسلمت روحه لخالقها، وأصيب عدد من سكان الأحياء بالجوار بمخاوف أيضا، أغميت فيها النسوة وسكن الخوف والرعب الأطفال، وهم في أيام عطلتهم الشتوية، وتحوّلت مصالح الاستعجالات قبلة لكل مصاب بصدمة نفسية وإغماء لاإرادي، وأقرت خبرة العارفين في علم الفلك والجيولوجيا، أن الأرض باتت تتحرك منذ العام الماضي بشدة، وأنها ستواصل نشاطها، ولن تهدأ في الوقت الحاضر، وأكدوا بأن الأمر عادي وسببه ظاهرة طبيعية حقيقية لا شك فيها، وعلى الناس فقط الاحتراز والتدريب على التأقلم والحفاظ على ضبط النفس عند كل هزة أرضية. لكن سكان المدينة والأحياء بـحمام ملوان والجوار، لم يقتنعوا بهذا الكلام وتساءلوا: “لماذا كل هاته الاهتزازات اليومية؟، ما الذي تغيّر؟ وما الذي أغضب الطبيعة إلى هذا الحد؟”، واختلفت تفسيرات الناس وتباينت بشكل كاد يصبح مرضيا وخرافيا.

الإنسان مسؤول بقدر  عن الزلزال ...

ظهرت على ألسنة الناس اتهامات موجهة إلى البعض منهم، حمّلوهم فيها مسؤولية وقوع تلك الهزات الأرضية الارتدادية المخيفة والمتكررة، وأولى تلك الاتهامات أن المسؤولين بولايتي البليدة والعاصمة، أخطأوا حينما قرروا إنجاز سد “الدويرة” وتحويل مساحات واسعة كانت غطاء غابيا وأراض خصبة إلى بحيرة عائمة لسقي سكان الجزائر العاصمة وتزويدهم بالماء الشروب. وزادوا بالتوضيح أن الأرض امتصت كميات من الماء وتسربت إلى طبقاتها الجوفية المشبعة بمادة الكبريت، وهنا وقع تفاعل بين الماء والكبريت، ليخلّف انفجارات تحت طبقات الأرض، ظهرت في شكل هزات كثيرة، مرة شديدة وقوية لطول مدتها، مثل تلك التي وقعت في شهر رمضان من العام 2013، وبلغت أكثر من 5 درجات على سلم ريشتر، دمّرت مساكن لم تقدر على المقاومة والتحمّل أكثر، فانهارت فيها جدران المؤسسات التربوية والخدماتية والمساكن فوق رؤوس الناس، وأصابت الكثير منهم بجروح وصدمات نفسية. 

كان هذا التفسير الأول لعامة الناس هنا، أما التفسير الثاني، فتعلق بكثرة ظهور المحاجر بدائرة بوينان، الجارة لمدينة حمام ملوان، وكثرة العبث بالطبيعة الصخرية حتى فقدت الأرض متانتها وصلابتها، واستسلمت لتصدعات تحتية، ترجمت في هزات زلزالية متفاوتة الدرجات. 

أما التفسير الثالث فظهر في قيام مؤسسات مقاولاتية عند محيط منطقة المقرونات، كثيرة الانهيارات الصخرية، عند مدخل المدنية، بتخريب بعض الأعمدة والأوتاد والأنابيب المعدنية المرتفعة في الفضاء إلى نحو 40 مترا، والعميقة في الأرض مسافة تباينت في المقدار إلى نحو 100 متر، تعود في تاريخها إلى زمن تواجد الاستعمار الفرنسي، يعتقد سكان المنطقة أنها كانت بمثابة “مدخنات” تتنفس منها الأرض وتطلق طاقة باطنية عبرها في الفضاء.

أما التفسير، أو الاتهام الرابع، فيدور حول حرائق الغابات والغطاء النباتي بالمنطقة بشكل ملفت، مما عرّى الأرض وجعل طبقاتها تتعرض للحرارة والبرودة في وقت قصير. أما التفسير الأخير، فتمحور حول تداول بعض السكان تفسيرا مفاده، أن مستثمرا خاصا أقدم على الحفر عميقا في طبقات تحتية بطريقة غير مدروسة وفوضوية في آبار غابرة في التاريخ، والتوسع فوق أرض المسجد العتيق وتهديمه وبناء واحد آخر لكن دون احترام للمخطط والاتفاق، وأن هذه الارتدادات هي جواب ودلائل على غضب الرحمان للمساس ببيته المقدس.

 

هدم قبة الوليّ الصالح سيدي سليمان واعتقاد انتقام “الجن”!

ظهرت بين كبار أهل المنطقة والمشايخ حقيقة تاريخية يعتقدون بها كثيرا، فسّروا من خلالها عدد الهزات الأرضية التي ضربت منطقة حمام ملوان الهادئة في الآونة الأخيرة، واعترف بضعهم لـ “الخبر”، وفي حديث يكاد يكون سريا، أن قبة الوليّ الصالح “سيدي سليمان” تعرضت للهدم في عملية توسعة لـ “حمام البركة” منذ سنوات، وأن “الصالحين” من الجن “كانوا يحجّون إلى منطقة حمام ملوان بأعداد كبيرة، حتى تصبح المدينة - كما قالوا- “عامرة” في أوقات تسكن حركة الناس وتقلّ، وأن هذه المخلوقات الطيفية تأتي في قوافل بحميرهم ودوابهم وبضاعتهم وتجارتهم وصغارهم، يبيعون ويقايضون ويستحمّون ويحيون طقوسهم العقدية مثل سكان المدينة، ثم ينصرفون إلى ديارهم وعشائرهم قبل طلوع شمس النهار، وهذا حالهم منذ وقت طويل، وأن أهالي المنطقة تعوّدوا عليهم وعلى زياراتهم وتأقلموا مع هذا “الواقع” وأسرّوا الخبر وأخفوا تلك الحقيقة عن زوّار الحمام، حتى لا يخاف الناس ويهجروهم.

قصة ابنة “الداي حسين” والنساء مريدات حمام البركة ...

حكاية تكاد تكون نسجا من خيال جميل ممتع، قريبة في فصولها من قصص الفاتنة “شهرزاد” وهي تروي حكاية كل ليلة على ملكها الوسيم “شهريار” ومغامرات البحار “سندباد”. تقول العجائز هنا، ويؤكد  مؤرخون من أهل المنطقة، إن طفحا جلديا أصاب ابنة “الداي حسين” حينما كان حاكما بالجزائر، وعجز أهل التطبيب والعلاج مداواتها. وذات مرة والحاكم الحائر يفكر شاردا  في خياله ساهيا خائفا على ابنته الحبيبة إلى قلبه، تقدّم منه وزيره المستشار وأخبره عن “حمام” سمع عنه وعن بركته، وأن كثيرا من الناس ممن ارتادوه، عادوا بأجسام سليمة شافية من كل سقم ومرض. وهنا أمر الحاكم بتجهيز موكبه وقرر الذهاب إلى الحمام، بعد أن شكر من أحسن إليه التدبير والتفكير والنصح، وسار الموكب في حزن، وقلب الحاكم يكاد ينفطر في الوصول ورؤية ابنته الحسناء تذبل مثل الورد العطر، وما هي إلا سويعات حتى حط الموكب الرحّال بـ “حمام ملوان”، وحمل الخدم والجواري “ابنة الحاكم” المريضة، وأفرغوا عليها ماء حارا لطيفا غير محرق، وكرّروا الحمام 3 مرات في أيام ثلاثة. 

وفي آخر يوم، وعندما كانت ابنة الحاكم الحزين تفرغ من حمامها، زال الطفح وعاد النور يضيئ جمال وحسن وجهها مشرقا وكأنه البدر، وعلت الفضاء زغاريد وفرحة الجواري والخدم، فأطرب قلب الحاكم وسعد بالعلاج، وأكرم كل من كان في الموكب وسكان المنطقة وزاد في العطاء، وعاد وهو المسرور السعيد يضم إليه ابنته ويقبّل جبينها وهي تبتسم في حياء وحشمة، ومنذ ذلك التاريخ بات “الحمام” عنوانا ومفخرة لأهل المنطقة وأصبح يطلق عليه بـ “حمام البركة”.

وزاد أهل الرواية في الاستدلال والقول، إن كثيرا من زوار “حمام البركة” وخاصة النساء، كنّ يأتين من أجل ماء الحمام الدافئ يستحممن من دون الاغتسال بالصابون، سوى بسكب الماء عليهن بعناية وخشوع ونيةّ وتمتمة لطلاسم يعتقدن فيها، وكنّ يقمن طقوسا بنيّة الزواج والفوز بفارس الأحلام، والإنجاب وطرد العين وإبطال السحر وفك عقده عن كل صبية جميلة، ولكن ومنذ أن ضاع الحمام البركة وتم التوسع على مقدّساته والعبث بها، يقول المشايخ في اعتقاد أن النسوة دعت على من لمس وعبث بتلك المقدسات وأبطل عليهن “بركة الحمام” بعد أن عجزن في يأس من عودة الزمن الجميل، وأصبحن حزينات غير مسرورات، إلى حد أن بعضهن اعترفن صراحة بذلك، وندّدن بالفعل القبيح. إلا أن هذه الأطروحة يرفضها البعض من المتعلمين وينتقدون أصحاب طرحها بشدة.

فرنسا ألغت مشروع سد مائي 

ارتفعت في الأفق آمال توقف تنفيذ مشروع المدينة الجديدة ببوينان، خاصة بين سكان حي “عمروسة” المتضررين بدرجة كبيرة، وعاد الناس في الحديث على أن أصحاب المشروع والمسؤولين لن يغامروا بتبذير وخسارة المئات من الملايير، لأن الزلزال يحاصر تلك المباني، ثم أن الأرض المختارة لتجسيد المشروع والمقدّرة بنحو 2175 هكتار، أرض خصبة في تربتها وغنيّة في باطنها بكميات مخزنة من المياه الجوفية العذبة والمالحة، وأن بشائر التوقف ظهرت مع التخفيض في عدد طوابق الأبراج العالية التي كانت مبرمجة بناؤها، وتم تحديد طوابقها بـ 6 مبدئيا بدل الارتفاع في السماء، واستدلوا في أن المشروع سيكون كارثيا، وأن فرنسا الاستعمارية عدلت عن فكرة إنجاز مشروع سد مائي ضخم بالمنطقة لعدم استقرار الأرض واستمرار نشاط طبقاتها التحتية، وخوفها من وقوع كارثة في الأرواح تأتي على السكان بالمنطقة وتصل إلى حدود الجزائر العاصمة، وهي البشائر التي يعتقد السكان أن الأرض بـ “المتيجة الخصبة” وثالث السهول الخصبة في العالم، سيتم إنقاذها من أخطر مشروع يهددها ويهدد مستقبل الأجيال القادمة، ويتعلق الأمر بالمدينة الجديدة ببوينان.

والعقل هو العقل

وفي ظل كل هاته الفرضيات والتفسيرات الأسطورية والتاريخية، تبقى نظرة وتفسيرات الخبراء والمختصين العارفين بالحقيقة  من أهل العلم والمخابر أقرب إلى العقل والمنطق العلمي، وبعيدة عن الاتهامات التي قد تحدث فتنة بين الناس وتخيف وترعب أصحاب القلوب الضعيفة، وأن الحقيقة الخالدة،  هي أن منطقة حمام ملوان وأحيائها العتيقة لن يغادرها سكانها مرة رابعة، كما أرّخ لها ابن المنطقة الكاتب خدوسي رابح (عرفت هجرة في زمن الاستعمار الفرنسي مرتين انتهت بأبناء لها نفيهم إلى كاليدونيا الجديدة ثم آخرها هجرة وقعت زمن العشرية غير الآمنة)، ستظل قلعة وجوهرة تحاكي المناطق السياحية العالمية الطبيعية، اختارها التاريخ عبر العصور الغابرة ووصولا إلى زمن الأمير عبد القادر وثوار التحرير، أيقونة في الجمال والقيمة والصمود، تحتاج فقط إلى العناية والاهتمام والإرادة الطيبة، في تطويرها وخدمتها بدل تخريبها والقضاء على كل ما هو جميل فيها، وقذف التهم بين الناس بالمجان.

 

ظهرت بين كبار أهل المنطقة والمشايخ حقيقة تاريخية يعتقدون بها كثيرا، فسّروا من خلالها عدد الهزات الأرضية التي ضربت منطقة حمام ملوان الهادئة في الآونة الأخيرة، واعترف بضعهم لـ “الخبر”، وفي حديث يكاد يكون سريا، أن قبة الوليّ الصالح “سيدي سليمان” تعرضت للهدم في عملية توسعة لـ “حمام البركة” منذ سنوات، وأن “الصالحين” من الجن “كانوا يحجّون إلى منطقة حمام ملوان بأعداد كبيرة، حتى تصبح المدينة - كما قالوا- “عامرة” في أوقات تسكن حركة الناس وتقلّ، وأن هذه المخلوقات الطيفية تأتي في قوافل بحميرهم ودوابهم وبضاعتهم وتجارتهم وصغارهم، يبيعون ويقايضون ويستحمّون ويحيون طقوسهم العقدية مثل سكان المدينة، ثم ينصرفون إلى ديارهم وعشائرهم قبل طلوع شمس النهار، وهذا حالهم منذ وقت طويل

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول