طوكيو ويوكوهاما.. نموذجان لعبقرية اليابان

روبورتاجات
19 سبتمبر 2017 () - ب. محمد
0 قراءة
+ -

بمجرد أن تحطّ بك طائرة الـ”إيرباص 380” العملاقة بمطار ناريتا، ثاني المطارات الدولية في العاصمة اليابانية، دونما جهد جهيد، تشعر بأن الفرق بين طوكيو وغيرها من عواصم المتوسط ليس فقط الساعات الاثنتي عشرة التي تفصل بين الإقلاع والهبوط، ولا الساعات التسع التي تفصل بين الزمن الجزائري والزمن الياباني، لكنه أيضا برزخ عريض تقف فيه الثقافات والأخلاق والسلوكات على ضفتين مختلفتين.


طوكيو التي تعني باللغة اليابانية “العاصمة الشرقية”، هي عاصمة اليابان منذ 1868، ورغم عدد سكانها الذي لا يقل عن 12 مليون نسمة، إلا أنك لا تشعر فيها بالزحمة على مدار ساعات اليوم، فهناك لا يوجد شيء اسمه “التوقف” بعد اشتعال الضوء الأخضر، ولا يجد ذلك تفسيره فقط في المنشآت القاعدية “الرهيبة” التي تحويها المدينة من أنفاق لا متناهية الطول وجسور شديدة العلو ووسائل نقل تذكرك بأحدث أفلام الخيال العلمي، بل أيضا في التزام الناس “المتطرف” بـ”آداب الطريق”.

نظافة حد “الهوس”
هوس اليابانيين بالوقت لا يضاهيه إلا هوسهم الشديد بالنظافة، فيمكنك أن تجلس على أي رصيف أو شارع أو طريق دون خشية اتساخ ملابسك. ورغم قصر المدة التي قضيتها في طوكيو إلا أن مواقف الإعجاب والطرافة في هذا المجال لم تكن قليلة، ففي إحدى الليالي نبّهني صديق مصري إلى فتاة في مقتبل العمر تنظف كابينة هاتف عمومي، كما لو أن الأمر يتعلق بقطعة أثاث في بيتها.
التدخين في اليابان ممنوع حتى في الهواء الطلق، فإن أن أردت أن تدخّن سيجارة عليك بالبحث عن الأماكن المخصصة لذلك، والتي يسهر عمال البلدية على تنظيفها 4 مرات في اليوم الواحد. ورغم شغف اليابانيين الشديد بالتبغ، إلا أن ذلك لم يدفعهم إلى معارضة الإجراء أو التحايل عليه.

يوكوهاما.. عروس على خليج طوكيو
الوصول إلى يوكوهاما، ثاني أكبر مدينة في اليابان، يشبه الوصول إلى الحلم، فلو طلبت من أي رسام أن يمكّنك من لوحة تحمل تصوره للمدينة المثالية، لخرجت اللوحة غير بعيدة عن هذا التجمع الحضري الذي وبالرغم من سكانه الذين يفوق عددهم الثلاثة ملايين، إلا أن الهدوء سمته الأولى.
المدينة الممتدة على خليج طوكيو بمينائها الكبير كانت محطة الأوروبيين الأولى للدخول إلى اليابان، وتشهد على ذلك الكثير من البنايات.. إبداع هندسي في كل مكان، بنايات تناطح السحاب، تكسر جبروتها بين الفينة والفينة مساحات خضراء وأماكن للراحة والاستجمام غاية في التناسق والجمال.. بقدر يعطيك الانطباع بأن هذه المدينة تعض على إنسانيتها بالنواجذ، ولا تريد أن تلتهمها كتل “البيطون” كما التهمت مدنا كثيرة في العالم.. فالقاعدة في كل المدن اليابانية أن يخصص ما لا يقل عن الثلاثين بالمائة من المخططات العمرانية للخضرة.

يا للعجب.. طابور على أبواب متحف؟
وأنا في طريقي إلى الميناء، استوقفني طابور طويل أمام بناية جدرانها مغلفة بالآجر الأحمر والزجاج، فتوقفت وأمعنت فضولي إلى أن أدركت بأن الجماعة، أطفال وشباب وشيوخ من الجنسين، ينتظرون فتح أبواب أحد المتاحف التي تعجّ بها المدينة. وعندما سألت، قيل لي إن الدخول بمقابل ليس بالزهيد.. حينها قفزت إلى رأسي مشاهد لمتاحفنا الخاوية.. وحينها تأكدت للمرة المليون أن الفارق بيننا وبينهم ليس فقط في عدد الساعات وبعد المسافات.
وصلت ساحة الميناء الغارقة وسط خيم بيضاء تتفجر نشاطا، موسيقى وألعاب ومسابقات فنية، قضيت أكثـر من ساعتين أستمتع بمنظر التلاميذ يبيعون منتجات مصدرها شعوب فقيرة، يرتدون قمصانا كُتب عليها “ما فائدة أن تعيش غنيا في عالم فيه ملايين الفقراء؟”، لا يكفون عن مناداة الزائرين والمارة يحاولون إقناعهم بجدوى المساهمة في رفع الغبن عن شعوب جائعة ومحتاجة.. كم كنت أتمنى أن يقضي معي القائمون على منظومتنا التربوية ذلك الوقت المسروق من البراءة، ليكشفوا بأن بعض الخلاص يمر حتما من هنا.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول