إيران.. ما بعد حماس الثورة

روبورتاجات
5 فبراير 2018 () - طهران: كمال جوزي
0 قراءة
+ -

سيل من الأسئلة كانت تدور في ذهني وأنا على متن طائرة الخطوط الجوية التركية التي أقلتنا أنا وزميلي علي جري من مطار الجزائر إلى مطار إسطنبول بالعاصمة التركية، ومنها إلى مطار إيران الدولي. ومن بين هذا الزخم من الاستفسارات، تلك المتعلقة بالطريقة التي سنُستقبل بها عند وصولنا. هل يكون الاستقبال على أساس أننا صحفيان فضوليان متطفلان؟ أم على أساس مذهبنا السني وتجرُّئنا على دخول بلد الشيعة؟ هل سننزل في مطار مدني كبقية مطارات العالم؟ أم أننا سنُستقبل من طرف مجموعات الحرس الثوري باللباس العسكري؟
لا أنكر أني مثل الكثير من الناس الذين علقت في أذهانهم الصورة النمطية عن واقع إيران مند ثورة الخميني في نهاية السبعينيات.. مجريات الثورة التي عشتها عن بعد وأنا طالب في الثانوي، لم أكن لأهضم حقيقتها وخلفياتها، بل كل ما كان يهمني في مسألة الثورة الإيرانية في تلك الفترة هو متابعة أحداث الوساطة الجزائرية بين الثوار الإيرانيين وأمريكا من أجل إطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكيين المحتجزين من قبل شباب الثورة في السفارة الأمريكية في طهران. أتذكر أن تلك الوساطة جعلت الجزائر على مدار أسابيع في صدارة الحدث الدولي في وسائل الإعلام العالمية، ما جعلنا نشعر بافتخار لا مثيل له. ولما انصرف الجميع وعاد الحدث الإيراني إلى الصفحات الداخلية للجرائد العالمية، أغلق النظام الجديد الأبواب الحديدية على بلد حضارة الفرس، ولم نعد نسمع سوى أخبار الإعدامات، وطبعا كان منتظرا أن يحدث ما حدث، فقد يسميها البعض حماس الثورة، والبعض الآخر يطلق عليها تصفية الحسابات، ومهما يكن فلم تخل أي ثورة مسلحة عبر التاريخ من هذه الممارسات، لأن الثورات تنتهي دائما بنتيجة أن الغالب في النهاية يجد القوة في متناوله يستعملها في الكثير من الأحيان لإلغاء الآخر تحت مسميات عديدة أهمها مواجهة أعداء الثورة.. صوت المضيفة قطع حبل تفكيري عندما أعلنت عبر مكبر الصوت استعداد الطائرة للنزول في مطار طهران.
تقدمت من غرفة شرطي الحدود وأنا في كامل الاستعداد للإجابة على استفساراته بخصوص تواجدنا في إيران، وبالفعل بمجرد إظهار دعوة وزارة الإعلام الإيرانية أمسك بالختم الرسمي ووضعه على صفحة من صفحات جواز سفري الأخضر.. ابتسم في وجهي وقال كلاما باللغة الفارسية لم أفهم معناه بالتفصيل، لكن يبدو أنه قال ما معناه ”مرحبا بك في الجمهورية الإسلامية الإيرانية”. هكذا فُتحت أمامي أبواب بلد حضارة الفرس الذي تمنيت زيارته مند زمن طويل، متأثرا ربما بما حملته لنا كتب التاريخ عن مغامرات ألكسندر المقدوني، الذي دمر السلالة الأولى لإمبراطورية الفرس الأخمنية حوالي 330 قبل الميلاد، وكيف استطاع سكان إيران إعادة بناء إمبراطورية الفرس الثانية في عام 224م. الذاكرة امتدت أيضا إلى تلك الأسماء التي صادفتنا في العديد من المطالعات التاريخية التي تركت فينا بعض البصمات، أمثال ابن المقفع صاحب رائعة ”كليلة ودمنة”، وعالم الرياضيات والفلك محمد بن موسى الخوارزمي وعمر الخيام صاحب الرباعيات وغيرهم..
حملنا حقائبنا وهممنا بالخروج من المطار وأبصارنا تتفقد يمينا ويسارا علنا نجد دليلنا الذي أوكلت له مهمة مرافقتنا. وما هي سوى لحظات حتى بدا لي من بعيد ستيني يحمل بين يديه لافتة كتب
عليها بالحرف العربي ”الوفد الجزائري”. الرجل لم يظهر في شكله أو ملبسه أية علامة غريبة عنا، كان في الستينات من العمر يحمل لحية خفيفة لا تعبر بتاتا عن معتقد أو مذهب ديني، وما أثار انتباهي خاصة ارتداؤه قميصا أزرق اللون يحمل تمساح ”لاكوست” على صدره، فكان التساؤل بداخلي عن عبارة ”الموت لأمريكا” الشهيرة في شوارع طهران وباقي المدن الإيرانية، وتأكد لي أن الرجل الذي يحمل على صدره شعار العلامة المعروفة ”لاكوست” لا يمكن أن يتجول في شوارع طهران وينادي بموت أمريكا، وعرفت فيما بعد أن مظاهر اللباس في إيران تغيرت جذريا، ولم تعد تلك الصورة النمطية على أن حرّاس الثورة الإسلامية يجوبون الشوارع يجلدون الإيرانيين والإيرانيات الذين لا يلتزمون باللباس الإسلامي الشرعي.
صحيح أن ارتداء الحجاب مفروض في إيران قانونا، لكن الإيرانيات لا يعرن اهتماما ولا يبدين صرامة في وضعه حسب ما يقتضيه الشرع، بل المهم في نظرهن هو تغطية جزء صغير من الشعر، والباقي لا يهم كأن تلبس الجينز حسب الموضة الغربية، حتى أنني علمت من أحد المقيمين في طهران أن هناك مجموعات من الإيرانيات يلبسن كل يوم أربعاء حجابا أبيض اللون، ويخرجن إلى الشوارع في العديد من المدن كتعبير عن احتجاجهن على استمرار فرض وتقنين ارتداء الحجاب.
المرأة.. رهان التحول نحو الانفتاح
المرأة في إيران لم تعد خاضعة بشكل كلي للتوجيهات الفوقية للولي الفقيه الممثل للسلطة الدينية. في مجال المظهر هي تقتني آخر ما جادت به الموضة الغربية الموجودة في المراكز التجارية المنتشرة كثيرا في طهران، خاصة مند أن تم التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية لتنظيم رفع العقوبات على إيران المفروض مند عقود. فالعنصر النسوي ميزانه قوي في إيران، بل إن البعض يراهن على أن المرأة الإيرانية ستكون بمثابة النقطة المركزية للتحول نحو تمدين الحياة ورفع الضغط الذي يمارسه المحافظون في هذا البلد. الإصلاحيون ورغم فوزهم في الانتخابات الأخيرة لا يستطيعون في الوقت الراهن الذهاب بعيدا في مجال تغيير القوانين التي وُضعت أيام كان الحماس الثوري في قمته، وبالخصوص في مسألة فتح مجال الحريات.
عندما فاز الرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بأغلبية أصوات الناخبين، وعد الشعب بمواجهة التشدد وإعطاء الحريات لنشطاء المجتمع المدني، بينما لا يزال كثير من الإصلاحيين في السجون، ما جعل السجينة الإيرانية الشهيرة نرجس محمدي، نائبة رئيس مركز المدافعين عن حقوق الإنسان، تقول في رسالة مفتوحة بعثتها للرئيس حسن روحاني ”إن تصويت الشعب لم يكن من أجل دعم النظام بل كان لتطبيق القانون، وتحقيق مطالب نشطاء المجتمع المدني في البلاد”، وتابعت: ”كثير من الإيرانيين الذين ينتقدون النظام بشدة وأيضا حكومتكم في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ذهبوا إلى صناديق الاقتراع لكي يعلنوا أنهم يطالبون بتنفيذ القوانين التي هي مطالب الشعب”.
صوت محرك سيارة ”بيجو” الفرنسية أعادني إلى الواقع الراهن لمدينة طهران حينما توقفت أمامنا، وكان السائق، وهو شاب في العشرينيات من العمر ذو بنية جسدية قوية، يهم بأخذ حقائبنا ووضعها في الصندوق الخلفي للسيارة، وكان مرافقنا السيد محسن صاري يستعجلنا للركوب حتى نصل إلى الفندق في الوقت المحدد. انطلقت بنا السيارة عبر الطريق السريع الرابط بين مطار طهران الإمام الخميني الدولي ووسط المدينة الذي يبعد حوالي 55 كلم. حركة المرور لم تكن مزدحمة لأن يوم الجمعة هو يوم العطلة الأسبوعية في إيران، ورغم دلك تبدو المدينة حية نوعا ما وبها حركة، وهناك حتى محلات تبقى مفتوحة ولا تقفل أبوابها سوى لفترة قصيرة وقت صلاة الجمعة.
استثمارات ضخمة قامت بها إيران لإنجاز شبكة طرقات ذات نوعية عالية، من طرقات سريعة وأخرى فرعية وصل مجموعها إلى حوالي 140 ألف كلم. ما يلفت النظر وجود لافتات عملاقة على جانبي الطرق السريعة التي تتوسط مساحات واسعة من العشب الأخضر، غير أن العديد من هذه اللافتات ليست مخصصة لإشهار المنتجات الاستهلاكية، كما هو الحال بالنسبة للكثير من الدول اللبرالية، بل معظمها خُصص لتمجيد الثورة الإسلامية والشخصيات الدينية والسياسية والعسكرية، وهي تحمل العديد من الصور للشخصيات القيادية في إيران، في مقدمتهم طبعا الإمام آية الله الخميني قائد الثورة الدينية الشعبية من المنفى، والتي أسقطت شاه إيران محمد رضا شاه بهلوي عام 1979.
شاه إيران.. الغائب الحاضر
شاه إيران، واسمه الكامل محمد رضا بهلوي، ولد في أكتوبر 1919 في مدينة طهران، تولى العرش في 1941 واستمر حكمه إلى غاية قيام الثورة الإسلامية في 1979 التي قادها ضده الإمام الخميني انطلاقا من منفاه بالخارج. وإلى غاية اليوم مازال ظل الشاه يخيّم على الحياة اليومية للإيرانيين، فقد يحدثك البعض ممن عايشوا فترة حكمه عن الإنجازات الكبيرة التي تحققت إبان حكم محمد رضا بهلوي، ومنها منح المرأة حق التصويت، بالإضافة إلى الإصلاح الزراعي الذي عاد بالفائدة على المواطن الإيراني إلى يومنا هدا. يحدثونك أيضا عن الانتعاش الاقتصادي الذي ازدهر خلال سنوات الستينات والسبعينات. بالمقابل تجد من الإيرانيين من له رأي مخالف، حينما يصر على انتقاد فترة حكم الشاه، لأنه قام بإلغاء التعددية السياسية وفرض الحزب الحاكم كحزب وحيد. ويحدثونك أيضا على الشرطة السرية ”سافاك” التي كانت ترعب كل من تسول له معارضة طريقة حكم القصر.
وبالرغم من تعدد وجهات النظر بين عامة الشعب حول فترة حكم الشاه، فإن الشيء الجميل الذي يمتاز به الإيراني أنه لا يتنكر لماضيه، فإذا كان يفتخر بحضارته الفارسية القديمة فإنه في الوقت نفسه لا يتنكر لفترات تاريخه، ولو ثار من أجل تغييرها، ومنها مثلا أن قصر الشاه لم يدمّر ولم يحرق عقب الثورة، بل تحوّل بكل بساطة إلى متحف يتردد عليه الكثير من الأجانب، وقد بقي القصر كما كان بأثاثه الأصلي، إذ يمكنك مشاهدة المكتب الخاص للشاه، وكذا غرفة نومه وقاعة الاستقبال، وحتى المطبخ ما زال أثاثه كما كان عليه أيام ملك الملوك.
ومهما يكن فإن مدينة طهران التي نقترب منها الآن هي أيضا من بقايا إنجازات حكم الشاه التي عرفت في عهده تطورا ملحوظا، فقد قام مند توليه الحكم بهدم العديد من المباني القديمة التي بنيت في عهد الأسرة القاجارية، وأعاد تشييدها على الطراز الغربي حيث الشوارع العريضة والمباني المرتفعة المنجزة بعناية وإتقان، إلى درجة يُخيَّل إليك في بعض الأحيان أنك في شوارع باريس نظرا لنظافة المحيط والاعتناء الفائق بالأشجار التي تزين الشوارع على الجانبين، تلك الأشجار التي غُرست بطريقة علمية يصلها ماء السقي عن طريق مجارٍ مائية خاصة تُفتح كل مساء مع غروب الشمس.
ويفتخر الإيرانيون بأن عاصمتهم طهران تمتلك أقدم وأطول شارع في الشرق الأوسط، وهو شارع ولي عصر، وطوله يصل إلى 30 كلم ويربط بين شمال وجنوب طهران، ويمكن للزائر أن يتعرف على تاريخ إيران فقط من خلال السير على طول شارع ولي عصر، إذ تتغير بيئة الشارع في كل كيلومتر، فتنتقل من مكان يعج بالحركة وواجهات المتاجر التي بها سلع وألبسة عصرية، إلى أماكن مخصصة لبيع السلع التقليدية، ومنها إلى أماكن أخرى هادئة بها كراسي عمومية للراحة، تتوسطها حدائق خضراء مزينة بمختلف أنواع الزهور، وكل هذا دون الخروج من نفس الشارع.

ورغم جمال مدينة طهران التي يسكنها حوالي 14 مليون نسمة، فإنها تعاني من التلوث البيئي الذي عادة ما يدفع السكان، وخاصة في فصل الصيف، إلى الزحف نحو منطقة الجبل شمال طهران الجميلة جدا، حيث الهواء النقي والاخضرار ودرجات الحرارة المعتدلة، يقضون هناك فترات راحة تعيد لهم بهجتهم من خلال المشي على الأقدام وتسلق الجبل، وهناك من يفضل تذوق أطباق الطبخ الإيراني والشرق أوسطي بالمطاعم الكثيرة المنتشرة بالمنطقة. وفي بعض الأحيان يغامر البعض في الوصول إلى غاية جبل ”دمافند” الذي يبلغ علوه 5500 متر ويحتوي على ينابيع المياه المعدنية وسط طبيعة خلابة.
الهروب من الاختناق وسط طهران يزيد من زحمة السيارات خاصة يوم الخميس بداية عطلة نهاية الأسبوع، فزحمة الطرقات باتت تؤرق سكان طهران، ورغم إنجاز مترو الأنفاق سنة 2001، إلا أن الوضع لا زال يشكل أكبر مشكل بالنسبة لسكان طهران.
توقفت بنا السيارة أمام فندق طهران الكبير، أخذنا أمتعتنا ودخلنا لأخذ قسط من الراحة.. فندق من درجة 4 نجوم قيل لنا إنه فتح أبوابه منذ سنة تقريبا.. هندسة فاخرة، وأثاث آخر طراز، وقد أنجز في إطار السياسة الجديدة في المجال السياحي وتشجيع السياح من مختلف بقاع العالم لزيارة إيران التي تريد أن تقدم للعالم صورة مغايرة عن تلك التي التصقت بأذهان الغربيين عن واقعها، من خلال فتح أبوابها أمام السائح الأجنبي، وقيل لي إن السلطات في إيران تريد الوصول إلى تحقيق مداخيل تصل في 2025 إلى 30 مليار دولار. ويبدو أن هذا الهدف ممكن تحقيقه، نظرا للكم الهائل من السياح الذين يقصدون حاليا إيران، خاصة في أهم المعالم الأثرية والتاريخية التي يزخر بها هذا البلد، ومنها مدينتا شيراز التي تضم أيضا أكبر المعالم التاريخية في العالم، وهي المدينة الأثرية بيرسيبوليس، وأسفاهان. فضولنا دفعنا إلى التنقل إلى هذه المعالم التي كثيرا ما تجلب السائح الغربي حتى وإن كانت تقع في إيران.
بيرسبوليس.. عظيمة ولكن التهمتها النيران

للوصول إلى بيرسبوليس كان لا بد علينا المرور على مدينة الشعراء شيراز التي تبعد عن العاصمة طهران بحوالي 900 كلم. السفر كان على متن طائرة تابعة لشركة طيران خاصة. والشيء الذي يثير الانتباه أن النقل الجوي في إيران في تطور مستمر، خاصة فيما يتعلق بالنقل الجوي الداخلي الذي تضمنه 8 شركات طيران خاصة، بالإضافة إلى الشركة العمومية ”إيران للطيران”، ونفس التطور تعرفه المنشآت القاعدية للنقل الجوي، إذ تحتوي على حوالي 37 مطارا بين داخلي ودولي، وحتى المطارات الداخلية مجهزة بأحدث وسائل الراحة والرفاهية.

تستقبلك مدينة شيراز لدى خروجك من بهو المطار بمساحة واسعة من الأزهار والورود تسر الناظر، ومن وسط هذه اللوحة الجميلة يطل علينا السائق الذي خصصته لنا وزارة الإعلام لنقلنا إلى مدينة بيرسبوليس. السائق كان شابا يافعا خفيف الظل وبشوشا، استقبلنا داخل سيارته ذات العلامة الفرنسية، وضع شريطا موسيقيا لأحد المغنين الإنجليز وانطلق بنا لاكتشاف أكبر كتاب للتاريخ في العالم.. المدينة الأثرية بيرسبوليس العتيقة.
توجد بيرسبوليس على بعد 50 كلم جنوب شيراز، وهي بمثابة مخزون الذاكرة الإيرانية لأنها تحفظ واقع الحضارة العريقة للإمبراطورية الأخمينية. أسسها الملك داريوس الأول حوالي 515 سنة قبل الميلاد. المدينة التي اكتُشفت القرن الماضي أُخرجت إلى النور من تحت الأنقاض بعد أن غطتها التربة مدة آلاف السنين وبقيت صامدة، لتخرج من جديد مثل كتاب قديم جردت على صفحاته مراحل من تاريخ إيران الأخمينية التي امتدت في تلك الفترة من مصر غربا إلى الهند شرقا ومناطق كثيرة من أدغال إفريقيا، مرورا بما يعرف اليوم ببلاد الشام ومنها العراق وسوريا، وغيرها من الدول التي كانت تابعة لمملكة داريوس. وأبانت الحفريات التي اكتُشفت في بيرسبوليس أن تلك الشعوب كانت تعيش في تناغم تام تحت سيطرة بيرسبوليس وبابل في العراق التي كانت إحدى عواصم مملكة الفرس. مدينة مازالت أطلالها شاهدة على ضخامة الإنجاز، واستمر ملوك الفرس المتعاقبون في تشييدها على مر عقود من الزمن، وكانت مركزا لإدارة شؤون الإمبراطورية المترامية الأطراف.
استطاعت السلالة الأخمينية المؤسسة لحضارة الفرس طوال عصور من ضم شعوب متعددة وإخضاعها لسيطرتها. ولكن عندما تحرك آخر ملوك السلالة الأخمينية داريوس نحو الغرب وصل إلى جزر الإغريق واحتل العديد من مدنها. في تلك الأثناء تحالفت مقدونيا مع أثينا ضد الفرس، وقاد ألكسندر المقدوني حوالي 330 قبل الميلاد جيشا مدربا استطاع في البداية طرد جيوش داريوس من الجزر الإغريقية ووصل إلى بابل وطرد منها الفرس، قبل أن يتمكن من هزم الملك داريوس بالقرب من بيرسبوليس بعد معارك ضارية، ودخلها منتصرا. وحتى يقضي ألكسندر المقدوني على كل شاهد على عظمة الإمبراطورية، حطم مدينة بيرسبوليس من خلال إضرام النيران في كامل أجزائها، ولم يبق منها سوى بعض الأطلال التي قاومت اللهيب وبقيت نقوشها باللغة المسمارية تروي مراحل حياة إيران الأخمينية إلى يومنا هذا.
مدينة بيرسبوليس رغم اندثار أجزاء كبيرة منها ما زالت تحتوي على لوحات بارزة منقوشة على بقايا الجدران، تحكي بإسهاب مراحل سيطرة الفرس على العالم إبان حقبة الأخمينيين، ومازالت الكتابات المسمارية تفك أسرار تاريخ المنطقة والكيفية التي كانت تدار بها الشعوب التي وقعت تحت سيطرة عاصمة الفرس على مدار عصور طويلة.
أسفاهان.. العودة تحت لواء الإسلام
بعد زيارة بيرسبوليس كان لنا موعد آخر مع رحلة جوية نحو المدينة الزرقاء أسفاهان التي تبعد حوالي 340 كلم جنوب طهران. الإيرانيون يفتخرون بأسفاهان لأنها دليل على قدرة الحضارة الفارسية على النهوض مجددا تحت لواء الإسلام. وواضح أن المدينة جوهرها إسلامي وتتنفس الإسلام، والمتجول في شوارعها يكتشف المنافسة التي ظلت سائدة بين مختلف حكام المدينة على تشييد المساجد بهندسة معمارية رائعة ومتطورة جدا، فنجد المسجد الجامع، مسجد إمام، مسجد الشاه عباس، مسجد شاه سلطان ومسجد داشتي ومسجد الجمعة. ولعل ما يشد الانتباه عند الولوج إلى وسط مدينة أسفاهان هو اللوحة الجميلة التي ترسمها مناظر قصر عالي قابو.. إنها تحفة هندسية بلا منازع.
بعد أسبوع من الإقامة في إيران، لم أتمكن بعد من فك اللغز المحير عن مستقبل هذا البلد. فهل تتغلب البراغماتية والواقعية على الحماس الثوري الذي جعل إيران تعيش قرابة 3 عقود في عزلة عن العالم؟ كل المؤشرات تدل على أن هناك رغبة قوية في انتهاج مسعى الانفتاح، ولعل فترة إقامتي في هذا البلد كانت رغم قصرها كافيةً لأقتنع بذلك، ففي طهران حضرت حفلا للموسيقى الكلاسيكية العالمية وفيها تابعت فيلما بإحدى القاعات السينمائية دون أي جدار فاصل بين الجنسين، ورأيتهم يتباهون بشعرائهم ووجدتهم يستقبلون الأجانب بحفاوة، واكتشفت أن أشهر علامات الموضة العالمية متوفرة بكثرة في المراكز التجارية، وفي إيران وجدتهم يتصالحون مع تاريخهم من الأخمينيين إلى فترة الشاه دون عقدة. يبقى أن القوى المحافظة يمكن أن تستعيد قوتها في كل لحظة على حساب سياسة الانفتاح التي يتبعها الرئيس روحاني، والتي قد تعيد إيران إلى سابق عهدها في حالة ما استمرت الضغوط الاقتصادية الناتجة عن سنوات العقوبات التي كانت مفروضة من قبل الدول العظمى، حين بلغ التضخم المالي بآثاره السلبية على القدرة الشرائية ما يقارب 10%، والبطالة في حدود 12%، إضافة إلى الضغوط التي عادت أمريكا دونالد ترامب لممارستها على الإيرانيين.

ملاحظة:
الروبورتاج أُنجز قبل اندلاع الأحداث الأخيرة في إيران

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول