طقوس "الحج"اليهودي في جربـة التونسيـة

روبورتاجات
22 مايو 2015 () - جربة: مراسل “الخبر” عثمان لحياني
0 قراءة
+ -

جسر واحد وعبَّارة هو كل ما يربط جزيرة جربة بباقي تونس.. لكن الجزيرة الهادئة الغارقة في عالمها، والمحاصرة بالبحر من كل جانب، تتحول في شهر ماي من كل سنة، وتحديدا في الأسبوع الأول، إلى مزار ديني وسياحي، ومحط استقطاب إعلامي كبير.. إنه الحج اليهودي
إلى كنيس “الغريبة”، حج مشبع بالطقوس الغريبة، والأساطير التي تحيط بالمكان، مع كثير من التوابل السياسية والتجارية أيضا.

 مرة واحدة كل سنة يحج المئات من اليهود إلى جزيرة جربة لزيارة كنيس “الغريبة”، في ذكرى وفاة أحد الأحبار اليهود قبل 100 عام، في الكنيس الذي سمي على اسم طفلة يهودية نبذها أهلها، فاتخذت مقرا لها خارج حارة اليهود، وظلت هناك حتى ماتت.
 تقول الحكاية اليهودية إن السكان اليهود شعروا حينها بالذنب اتجاه الطفلة فأرادوا تكريمها، وبنوا لها كنيسا يصلون فيه. وتضيف الحكاية أنه من ضمن الحجارة التي بني بها الكنيس، الذي يعتبر من أقدم المعابد اليهودية في العالم، حجرة استقدمت من فلسطين. بالنسبة لليهود، فإن وجود هذا الحجر يعطي قدسية للمكان، الذي تحول قبل 100 عام إلى مزار سنوي، يأخذ شكل “حج”. كما توجد في الكنيس نسخة من التوراة تعود إلى أكثر من ألفي سنة، لا يتم فتحها سوى يوم السبت.
تشبه حكاية “الغريبة” قصة النبي يوسف الذي نبذه إخوته وغدروا به وألقوه في الجب، قبل أن يعودوا للتباكي على فعلة أيديهم؛ تماما مثل ذلك يفعل اليهود في جربة، فعلى مدار يومين يأتي اليهود من أكثر من بلد، خاصة يهود تونس الذين هاجروا قبل عقود، يؤدون في اليوم الأول المصادف للسادس ماي من كل سنة صلاتهم ويقرأون التوراة، ويكتبون الأمنيات على البيض، ويودعونها جوف مغارة صغيرة تقع في الغرفة الداخلية الصغيرة للكنيس، وهي غرفة لا يسمح بدخولها دون وضع “الكيبة” أو أي غطاء آخر على الرأس. وبالنسبة لي، كان الحل في قبعة عادية على الرأس لاستكشاف ما في الداخل. وفي اليوم الثاني، السابع ماي، يتجمعون للغناء وزيارة الكنيس وتقديم الهبات المالية إلى أحبار الكنيس، الذين يدفعون في المساء عربة عليها منارة منقوشة بالأدعية إلى خارج كنيس “الغريبة”، ثم يعودون إليه مرددين بعض الزغاريد وأغان من الموروث الشعبي التونسي. أما داخل الجانب الثاني من المعبد، فتقام طقوس احتفالية خاصة يتمسك اليهود بأدائها كل عام، حيث يتم رفع مزاد علني لبيع الورد، ولمن يدفع أكثر ليفوز بحق دفع عربة المنارة عند إخراجها من الكنيس. لكن هذه الطقوس لا تحظى بإجماع اليهود في جربة، فبعضهم يعتبرون أنه لا صلة لها بالدين اليهودي، وأنها قصة بأبعاد أخرى.

قراءة التوراة بعد شرب كأس من “البوخا”!
في القصة بعض من الدين بتفاصيله المحرفة، وشيء من التجارة والبيع والشراء، والمطمع المالي لليهود المقيمين في جربة- والذين يعملون خاصة المشرفين منهم على الكنيس وفعاليات الاحتفال اليهودي– في ابتزاز اليهود القادمين من الخارج، وفي القصة هامش من الطموح السياسي بالنسبة للسلطات التونسية. وما يلفت الانتباه، خلال هذه الاحتفاليات اليهودية، تجمّل وتزيّن بنات اليهود في تونس، أملا في الفوز بعريس وفارس الأحلام، من الشباب القادمين من مدن تونس أو من الخارج. ويستغل المشرفون على الكنيس والتجار اليهود في جربة الموسم لبيع المنتجات الحرفية والذهب والأكل، بأسعار خيالية في بعض الأحيان، وحتى الخمور أوجدوا لها محلا لبيعها في فناء المعبد. كما يتحين بعض المتدينين اليهود الفرصة للحصول على المال، ويظهر ذلك جليا من خلال التنافس داخل المعبد على الفوز بأحقية قراءة التوراة أو تعليم أحد اليهود القادمين من خارج جربة لطقوس التعبد؛ طقوس تأخذ شكل التخاريف، خاصة عندما تصبح قراءة التوراة مشفوعة بشرب كأس من “البوخا” وهو نوع من الخمور المحلية. ويلفت نظرك سعي بعض القيمين على الكنيس للحصول على المال بأي شكل من الأشكال من زوار المعبد، إذ تعد التبرعات المالية والهبات ركنا أصيلا في موسم زيارة لكنيس؛ ومن أجل الحصول على هذه التبرعات لم يعد رجال الدين في المعبد يتحرجون من دخول النساء بلباس غير محتشم إلى المعبد.
لكن الإقبال على فعاليات الحج اليهودي يشهد تراجعا من سنة إلى أخرى، وهو تراجع يفسره البعض بتغير اهتمامات الجيل اليهودي الجديد إضافة إلى العامل الأمني، خاصة أن هذا الموسم يأتي بعد شهرين من الهجوم الإرهابي على السياح الأجانب بمتحف باردو في 18 مارس الماضي، والذي خلف مقتلا 20 سائحا وتونسيا واحدا، وهو ما ولّد حالة من التخوف لدى بعض اليهود، خاصة المقيمين خارج تونس من الوضع الأمني في البلاد. لكن وبرغم المخاوف الأمنية، فإن ما يقارب الألفي يهودي قدموا إلى جربة، حسب ما أعلنته الهيئة المديرة لكنيس “الغريبة”. ويؤكد ريمون بن ساري، وهو يهودي تونسي الأصل قدم من بلجيكا، أن المخاوف الأمنية موجودة لكنها لم تثنه عن القدوم إلى تونس لزيارة الكنيس. كما لم تثن تحذيرات مكتب مكافحة الإرهاب، التابع لرئيس وزراء الكيان الصهيوني، بن يامين نتنياهو، من إمكانية استهداف اليهود في تونس، هؤلاء من القدوم من دولة الكيان الصهيوني إلى جربة، لكنهم يضطرون إلى الدخول إلى تونس بجوازاتهم التونسية الأصلية، أو بجوازات سفر فرنسية، إذ تمنع ذلك الحكومة التونسية، أو هكذا بدا لنا وفقا لتصريح وزير الداخلية ناجم الغرسلي، الذي نفى دخول أي شخص بجواز سفر إسرائيلي إلى تونس.
وأكثر من أية سنة مضت، عملت السلطات التونسية على تأمين موسم زيارة الكنيس اليهودي، خاصة أن هذا الاحتفال يأتي بعد شهرين من هجوم باردو. خارج الكنيس انتشرت أعداد هائلة من قوات الشرطة التونسية، دعمتها وحدات مختصة في مكافحة الإرهاب وحماية الشخصيات في اليوم الذي حضر فيه السفير الأمريكي وسفراء أوروبيون إلى الكنيس ونواب من البرلمان بينهم نواب من حركة النهضة، كما حضر وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي ووزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ، في رسالة سعت الحكومة التونسية إلى توجيهها إلى الخارج، تفيد بأن تونس آمنة. وكان لافتا أن المسعى الأبرز للسلطات التونسية هو إنجاح الاحتفال اليهودي بقصد إنقاذ الموسم السياحي الذي يقترب موعده؛ فالعارفون بالشأن السياحي يعتبرون أن اليهود واليابانيين هما مؤشر جيد بالنسبة لأمن الوجهات السياحية، كما أنها رسالة سياسية عن رعاية الحكومة التونسية للطائفة اليهودية، وتعايشها في مجتمع متسامح، أو هكذا يبدو.

“الدين للّه والوطن للجميع”
 أحالت الأحداث الأخيرة في دولة الكيان الصهيوني، والمتعلقة باحتجاجات اليهود الأثيوبيين (الفلاشا) ضد التهميش في المجتمع العنصري في الكيان صهيوني، كثيرا من يهود تونس على نعمة التعايش والتسامح التي يحيونها في تونس منذ عقود، فقد هذّب الإسلام سكان جربة، وشجعهم على استيعاب كل الأقليات في المجتمع منذ قرون، ولم تفد عوامل تهدم هذا التعايش الذي استمر حتى اليوم.
دأب إيهاب نعمان، وهو تونسي مسلم، على زيارة صديقه اليهودي روني بيتان في جزيرة جربة جنوبي تونس منذ أن تعرفا على بعضهما قبل حوالي عشر سنوات؛ لكل منهما دينه ونمط عيشه في الأكل واللباس، لكن تجمعهما علاقة صداقة ومصالح تجارية، حيث يعملان في الذهب والمصوغ، كما يزوره بيتان في تونس في بعض الأحيان. لا يعتبر إيهاب علاقته بصديقه التونسي اليهودي روني علاقة غريبة، حيث يقول: “لم أجد من صديقي اليهودي ما يشعره أن هناك مشكلا يحول دون الصداقة والتجارة معه”، ويضيف “هو مواطن تونسي، لا يفرق بيننا سوى الدين. لا نتحدث في أمور الدين. له دينه ولي ديني. أحترم تعاليم دينه ويحترم تعاليم ديني، كما أحترم نمط أكله”، على اعتبار أن اليهود لا يأكلون من الأكل نفسه الذي يأكل منه الآخرون. في المطعم الذي التقينا فيه إيهاب وبيتان، يضطر صاحب مطعم، مراد بشار: “هات حوتك وأنا نشوي لك” لتحضير وجبة روني بيتان بشكل منفصل، بحيث لا يختلط أكله مع باقي الأكل. ويؤكد روني بيتان أنه يعيش بشكل طبيعي في جربة دونما أية مشاكل، ويعمل في التجارة ويجاور محله محلات باقي التونسيين، لكنه يعترف أنه في حالات قليلة يكون هناك بعض التخوف حين يكون هناك توتر في فلسطين أو عدوان إسرائيلي على غزة أو لبنان، ويقول “نحن يهود، لكننا مواطنون تونسيون. لا ذنب لنا في ما يحدث هناك– في فلسطين-، ولا يجب أن ندفع ثمن ما ترتكبه إسرائيل ضد الفلسطينيين”.
تشكل الأحداث في فلسطين والدموية الإسرائيلية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني محورا رئيسيا في تحديد علاقة اليهود بباقي المجتمع التونسي. في كنيس “الغريبة” التقيت الشابة عزيزة، ابنة أحد المشرفين على الكنيس، كنت قد شاهدتها في تقرير وثائقي في إحدى القنوات التلفزيونية، عندما سألها الصحفي عن موقفها من العدوان والغطرسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ردت بأنها محايدة، ولا تقف مع أي طرف، حتى مع الضحية الفلسطيني. ذكّرتها بهذا الموقف، وأعربت لها عن أسفي لعدم إدانتها للدموية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. تذكرت القصة، لكنها ردت عليّ قائلة: “تلك قصة حدثت قبل 10 سنوات، كان عمري 14 سنة عندما أدليت بذلك التصريح في تلك القناة، لم أكن أعي ما يحدث، لكني الآن كبرت وصار عمري 24 سنة، وأنا أدين بشدة ذلك، وأتضامن مع الشعب الفلسطيني بالتأكيد”. تؤكد عزيزة أنها درست في الجامعة وتخرجت من قسم الاقتصاد، لكنها لم تجد عملا، قالت: “أنا عاطلة عن العمل، كما كثير من حاملي الشهادات في تونس”. سألت عزيزة إن كانت ديانتها اليهودية تشكل لها عائقا في المجتمع الطلابي، فأوضحت: “أبدا، لم يشعرني رفاقي الطلبة بذلك. وأعز صديقاتي من المسلمين وليس من اليهوديات. تعلمت أن الدين للّه والوطن للجميع”.

لا زواج بين المسلمين واليهود
لم يحدث هذا التعايش اختراقا مجتمعيا. سألت روني الطرابلسي، وهو يهودي تونسي يعيش في جربة، ومدير وكالة أسفار فيها، عما إذا كان التعايش بين اليهود والمسلمين قد وصل حد التزواج، فأكد أنه لم تحدث، حسب علمه، حالة زواج بين مسلم ويهودية أو العكس، وأضاف “صحيح نحن متعايشون، لكني لا أعتقد أنه توجد عائلة مسلمة تقبل بي زوجا لابنتها مثلا، كما لن تقبل عائلة يهودية بتزويج ابنتها إلى مسلم. الأمور معقدة بعض الشيء في هذا الجانب”. وإضافة إلى المانع الديني، ساهم في ذلك انعزال اليهود في مدينة جربة في حارتين، الكبيرة ويقطن فيها أكثر من ألف يهودي، ويقطن في الحارة الصغيرة ما يقارب 300 يهودي، وتتواجد في الحارتين مساكن لبعض التونسيين المسلمين. ويمارس غالبية التجار اليهود نشاطهم التجاري في منطقة “حومة السوق” وسط جزيرة جربة، متجاورين مع التجار التوانسة من المسلمين؛ فمحل التاجر اليهودي يوسف قامون الذي يبيع المصوغات الفضية، يلاصق محل الشاب أكرم الذي يبيع اللباس التقليدي، ويقابل محل روني بيتان الذي يبيع الذهب، ومحل بن يوسف الذي يتاجر في الذهب والفضة أيضا. ويلتزم التجار اليهود بغلق محلاتهم مساء الجمعة ويوم السبت، وفقا للتعاليم اليهودية. سألت روني بيتان عما إذا حدث أن خرق تاجر يهودي تعاليم عدم التجارة يوم السبت، فنفى ذلك، وقال: “إذا فعل أي تاجر يهودي ذلك فسيخرج من الطائفة، ولن يتم التعامل معه من قبلنا”. تماما كما تتجاور محلات التجار اليهود مع محلات التونسيين المسلمين، يتجاور مسجد مع كنيسة، وخلفهما كنيس يهودي. ويقدم التونسيون في قلب جزيرة جربة نموذجا فريدا للتعايش والتسامح الديني.
في كنيس “الغريبة” تشعر بحاجة الإنسان إلى العقل بعيدا عن “البوخا”، وتتلمس قيمة الإسلام العميق البعيد عن خرافات “داعش” وبخور الطرقية وشعوذة الملل والأحزاب، ويغمرك الامتنان لرب السماء برحمة الدين الحنيف الذي أوجد لأهل الكتاب ركنا يعيشون فيه بسلام، دونما أذى، وتتلمس صفاء آيات الكتاب المبين الذي كرم موسى وعيسى والنبي الكريم. تركنا الجزيرة التي أكرمتنا خلفنا تغرق في حلمها المستمر منذ قرون، وتعتاش من القصص والحكايا المهربة من التاريخ والمشبعة بالأساطير، ومسيجة براهن فرض نموذجا فريدا للتعايش، وركبنا العبَّارة التي كانت تشق عباب البحر، وتحمل عددا من السيارات والعابرين العائدين من الجزيرة التي تتهيأ لاستقبال الصيف والسياح.


محافظ متحف قلالة في جربة، حسين الطبجي، لـ”الخبر”
“شباب اليهود لا يستدعون للخدمة العسكرية في تونس”
يفسر الباحث في تاريخ جزيرة جربة ومحافظ متحف قلالة، حسين الطوجي، التركيبة الاجتماعية للجزيرة والظروف التي سمحت لليهود بالاندماج في المجتمع الجربي والتونسي، وعوامل التجارة والسياحة والتميز المذهبي لسكان جربة، والتي خلقت حالة التعايش الراهنة.
تاريخيا كيف يمكن تفسير بقاء اليهود في جزيرة جربة؟
 وجود اليهود في الجزيرة يعود لأكثر من ألفي سنة، لكن من الضروري الانتباه إلى أبرز عاملين لعبا دورا كبيرا في استمرار حالة التعايش والتسامح مع اليهود في جربة، وهما التجارة والسياحة؛ فالمعروف عن اليهود أنهم تجار مهرة وأمازيغ جربة أيضا، وهذا والسياحة وانفتاح سكان جربة على الآخر وقوافل السياح التي تهبّ إلى المدينة أضفى قيمة التسامح والتعايش وقبول الآخر ما لم يكن مضرا. عامل آخر مهم جدا يتعلق بالتمايز المذهبي لسكان جربة، الذين اعتنقوا المذهب الإباضي.
كيف لعب العامل المذهبي لصالح تكريس العلاقة بين السكان واليهود، هل من توضيح أكثر لهذا الأمر؟
 أغلب سكان الجزيرة من الأمازيغ الذين كانوا في علاقة توتر دائمة مع الحكم المركزي خلال فترات حكم دول الخلافة إلى غاية الدولة الحفصية، وهذا أوجد حالة من التضامن بين السكان الأمازيغ في الجزيرة واليهود الذين كانوا يعملون في مهن الصوف والحدادة والذهب، وكان هناك لباس تقليدي اسمه البسكري كان يزين بالنجمة السداسية، عندما كانت هذه النجمة موروثا مشتركا وذا رمزية دينية فقط. لكن بعد عام 1948، أي بعد تأسيس إسرائيل، واتخاذها للنجمة كرمز في علمها، أزيلت النجمة من هذا اللباس التقليدي.
إلى أي مدى مكرس هذا التعايش؟ البعض يعتقد أنه مجرد تسويق سياسي أكثر منه واقعا مجتمعيا؟
 في الحقيقة التعايش حصل للأسباب التي ذكرتها، ولسبب آخر أن اليهود بقوا منكمشين في المجتمع، بمعنى أنهم لم يتمكنوا من تشكيل لوبي اقتصادي أو طموحات سياسية. ومع أن المجتمع الجربي يفرق بين إسرائيل ككيان مغتصب للحق العربي في فلسطين، واليهودية كديانة، إلا أن القضية الفلسطينية ظلت دائما في مركز الوجدان في المجتمع التونسي عموما، وهو ما يخلق بعض التباين المجتمعي؛ التمايز بين اليهود وباقي التوانسة في جربة. يجب أن نلاحظ مثلا أن شباب اليهود لا يستدعون إلى الخدمة الوطنية في الجيش التونسي.
كيف تفسر عدم استدعائهم، هل هو امتياز أم احتراز؟
 أضعه في خانة الاحتراز، رغم أنه لا يوجد قانون مكتوب ينص على ذلك، لكن يعمل بالعرف فلا يتم استدعاؤهم للخدمة العسكرية، وهذا لا يمكن أن يقرأ إلا في سياق الاحتراز من اليهود. هناك بعض التخوف في علاقتهم بإسرائيل وإمكانية انحيازهم إليها في لحظات تاريخية.
ما يلاحظ أن اليهود مازالوا يعيشون في الحارة التي هي أشبه ما تكون بـ”الڤيتو”..
❊ خارج المجتمع في جربة والتجارة والمصالح اليومية، اليهود يعيشون في عالمهم الخاص الديني والمجتمعي في الحارة الصغيرة والحارة الكبيرة. صحيح هي أشبه ما يكون بـ”الڤيتو” الذي كانوا يعيشون فيه في مختلف الدول، وهذا يكرس حالة التمايز الخاصة بهم بالتأكيد.


رئيس الطائفة اليهودية في جربة، بيريز الطرابلسي، لـ”الخبر”
“لا علاقة لنا بإسرائيل ولا صلة لنا بيهود الجزائر”
يوضح بيريز الطرابلسي، رئيس الطائفة اليهودية في جربة ومدير كنيس “الغريبة”، عن الانتماء الوطني ليهود تونس وينفي أية صلة لهم بإسرائيل، ويؤكد عدم وجود صلات بين يهود تونس واليهود في أقطار المغرب العربي كالجزائر.
كيف استمر تعايش اليهود في تونس مع فترات التوتر والتشكيك في علاقتهم بإسرائيل؟
 اليهود التونسيون يعتبرون أن تونس بلادهم ووطنهم. ليس لدينا أية علاقة بـ«دولة إسرائيل”. في كل مرة نحاول أن نوضح هذه الحقيقة. نحن مواطنون تونسيون ولدنا هنا ونعيش هنا مع إخواننا المسلمين دون أية مشكلات، لنا ما لهم وعلينا ما عليهم. هناك من يحاول التشكيك في مواطنية اليهود في تونس، بحجة أنهم قد يكون لهم علاقة بإسرائيل، لكني أؤكد أنه ليست لدينا ولا نريد أن تكون لدينا أية علاقة بإسرائيل. وحتى عندما تحدث نتنياهو عن التحذيرات الأخيرة من استهداف اليهود في تونس، نحن نعتبرها خطأ كبيرا ومحاولة فاشلة للإخلال بموسم زيارة كنيس “الغريبة”.
كم عدد اليهود الذين يعيشون في تونس؟
 مجموع اليهود الذين كانوا يعيشون في تونس كان أكثر من 150 ألف يهودي، لكنهم هجروا بعد حرب الستة أيام عام 1965. هناك من هاجر إلى إسرائيل وفرنسا، كما أن عددا من يهود تونس يقيمون الآن في فرنسا وألمانيا وأمريكا وكندا أيضا. ما بقي من عدد اليهود في تونس 1500 يهودي، بينهم 1300 يعيشون في جزيرة جربة، والباقي موزعون بين العاصمة تونس وجرجيس ومدن أخرى.
كيف يكون موقف اليهود في تونس عندما يكون هناك توتر في فلسطين جراء العدوان الإسرائيلي؟
 صحيح أنه في حالات الحرب يكون هناك بعض القلق، لكن نحن لا نتحمل مسؤولية تصرفات إسرائيل. نود أن يعيش اليهود والعرب في فلسطين بسلام مثلما نعيش نحن بسلام هنا في تونس. نحن نعيش بسلام، وفي إطار احترام القوانين في تونس. وحتى عندما حصل تفجير الكنيس عام 2002 لم نخف. أطفالنا يدرسون بشكل عادي في المدارس مع باقي زملائهم.
لاحظت أن هناك من يتقن اللغة العبرية، هل يتم تعليم العبرية في تونس؟
 أكيد، لدينا مدرسة يهودية يتعلم فيها الأطفال الشريعة اليهودية واللغة العبرية لكي يستطيعوا قراءة الكتاب المقدس، وهذه المدرسة هي برعاية رئاسة الطائفة اليهودية، وبعلم وزارة التربية التونسية وتخضع للقانون التونسي.
هل لديكم صلات مع يهود الجزائر؟ هل يأتون إلى الغريبة؟
 ليس لنا أية علاقة مع يهود الجزائر أو المغرب. لا نعرفهم ولا نعرف أيا منهم. ولم يسبق لي أن التقيت بيهودي من الجزائر. ربما يكون بعضهم جاء إلى “الغريبة” في جربة على سبيل السياحة، لكن ليس لنا علاقة بهم.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول