العالم

مجمع بولوري يقطف ثمار "الغرس الثقافي" ضد المسلمين في فرنسا

ما بين حرية التعبير والتغذية العنصرية.. أين تتجه فرنسا؟

  • 1088
  • 3:42 دقيقة
ص:ح.م
ص:ح.م

يطبق قطاع واسع من الإعلام الفرنسي نظرية "الغرس الثقافي" لعالم الاتصال الأمريكي، جورج جيربنر، التي تفترض أن التعرض المكثف والمتكرر للمضامين الإعلامية، يسهم تدريجيًا في تشكيل تصورات الأفراد ومعتقداتهم بشأن الواقع الاجتماعي.

بمعنى آخر، لا يقتصر تأثير الإعلام على نقل المعلومات، بل يمكن أن يمتد إلى غرس تصورات معينة عن المجتمع والجريمة والعنف والأقليات والعلاقات الاجتماعية.

هذا التوجه تبنته العديد من وسائل الإعلام مؤخرا، علنا أو خفية، عبر الترميز والإيحاء و"ترتيب أولويات" المواضيع والبرامج، وخاصة التابعة لمجمع بولوري.

وبينما يعتقد أصحاب وسائل الإعلام و"حراس بوابات" التحرير، بتعبير عالم النفس الاجتماعي الألماني، كورت لوين، أنهم نجحوا في شيطنة الأجانب وإلصاق بهم كل مآسي فرنسا عبر تكثيف المعالجات الإعلامية ضدهم، بدأت تظهر نتائج هذا التوجه في شكل عنف رمزي وفعلي يهدد انسجام المجتمع ككل وأركان الدولة.

وعبّرت عن هذا الوضع بجلاء، أمس، جريمة إطلاق نار على شخص مسلم وقتله وإصابة خمسة آخرين من بينهم طفلة في مدينة تراب بضواحي باريس، وسط ترجيح لفرضية الدافع العنصري واتهام الخطاب السياسي والإعلامي بتغذية مناخ يستهدف المسلمين والمهاجرين.

ولفهم ما حدث يتعين العودة إلى طبيعة وشكل النقاش الذي يسيطر على المشهد السياسي والإعلامي، ويضخ كميات كبيرة من الحمولة السلبية تجاه الهجرة والإسلام والهوية الوطنية، ويدفع الأفراد، إلى تبني مواقف معادية تلقائيا وبسهولة، ما يؤدي إلى تشكل أفكار وسلوكيات عنيفة وسط المجتمع. وتبقى الدوافع النهائية ومسؤولية المشتبه فيه خاضعة لما ستكشفه التحقيقات القضائية.

وبعد الجريمة، لم تعد تفيد الإدانات الرسمية الصادرة عن الرئيس الفرنسي ووزير الداخلية، وإنما تتحول إلى عبارات فارغة لا يمكنها رأب الصدع الذي أحدثته منظومة بولوري وخلفها تيار اليمين المتطرف.

وتكتسب الجريمة أبعادًا إضافية بالنظر إلى طبيعة المدينة التي تضم حضورًا بارزًا لسكان من أصول مهاجرة وجالية مسلمة، وإلى وقوع بعض عمليات إطلاق النار بالقرب من أماكن يرتادها السكان المحليون، من بينها محيط مسجد.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح من المشروع طرح سؤال أوسع: ما الذي يحدث عندما يتحول استهداف فئة دينية أو سكانية إلى موضوع دائم في الخطاب السياسي والإعلامي، وتُقدَّم جماعات كاملة باعتبارها مصدرًا للتهديد أو سببًا لمشكلات المجتمع؟ إن خطورة هذا المناخ لا تكمن في أن كل خطاب متشدد يؤدي بالضرورة إلى جريمة، بل في احتمال مساهمته في تطبيع التمييز، وتوسيع دائرة الاشتباه الجماعي، وإضعاف الحواجز الأخلاقية التي تفصل بين الخلاف السياسي والتحريض على فئات من السكان.

وعلى ضوء نظريات علوم الإعلام والاتصال، فإن ما يجري في فرنسا هو نتيجة حتمية لما تقوم به قناة CNews التابعة لمجموعة فيفندي، المرتبطة بالملياردير فنسنت بولوري، إلى جانب وسائل إعلام أخرى ضمن مجموعته، مثل إذاعة أوروبا 1.

فقد أصبحت قضايا الهجرة والإسلام والأمن والهوية الوطنية موضوعات متكررة ومركزية في برامج النقاش السياسي على هذه المنابر، وهو ما أثار انتقادات من صحفيين ومنظمات معنية بحرية الصحافة والتعددية الإعلامية، اتهم بعضها هذه الوسائل بتضييق مساحة التنوع في الآراء وتكريس مقاربات أحادية.

وفي جوان 2026، وجّهت الهيئة الفرنسية لتنظيم الاتصال السمعي البصري والرقمي، المعروفة اختصارًا باسم "أركوم"، إنذارًا رسميًا إلى قناة CNews بشأن احترام التعددية في التعبير عن التيارات الفكرية والآراء.

وجاء ذلك بعد مراجعة برامج بثت خلال مارس 2025، وخلصت الهيئة بشأنها إلى وجود اختلال في تمثيل وجهات النظر، وإلى هيمنة استنتاجات تركز على التهديد المفترض الذي تمثله الهجرة والإسلام للمجتمع الفرنسي.

كما سبق أن وجّهت الهيئة ملاحظات وإنذارات إلى القناة بشأن مضامين اعتُبرت ذات طبيعة تمييزية تجاه أشخاص من أصول مهاجرة أو من الديانة الإسلامية.

فالمسألة، وفق مراقبين، لا تتعلق بمنع تناول قضايا الهجرة أو الدين أو الأمن، وهي موضوعات مشروعة في النقاش العام، بل بكيفية تناولها، وبمدى احترام قواعد التحقق والتوازن والتعددية، وبالفصل بين مساءلة السياسات العامة وتحميل جماعات سكانية كاملة مسؤولية الأزمات.

ويتمثل أحد أبرز أوجه الخلل المحتملة في الانتقال من مناقشة ظواهر محددة، مثل الجريمة أو التطرف أو صعوبات الاندماج، إلى تقديم الإسلام والمسلمين بوصفهم مشكلة في حد ذاتهم. ويؤدي تكرار هذا التصور، خصوصًا في البرامج التي تعتمد المواجهة والاستقطاب، إلى جعل المواطنين المسلمين والمقيمين من أصول مهاجرة في موقع الدفاع الدائم عن أنفسهم، حتى عندما لا تكون لهم صلة بالوقائع محل النقاش.

ولا ينفصل ذلك عن التنافس السياسي في فرنسا، حيث تحولت الهجرة والهوية والعلمانية إلى محاور أساسية في خطاب اليمين واليمين المتطرف، مع حضور متزايد لهذه القضايا في الأجندة الإعلامية والحزبية.

كما يبين ما يجري في فرنسا أن المسافة بين حرية التعبير والمسؤولية السياسية والإعلامية قد تباعدت، حيث إن حرية التعبير تظل ركيزة أساسية في الأنظمة الديمقراطية، بالرغم من تحفظات العديد من المنظرين عن الأمر، لكنها لا تعفي المؤسسات الإعلامية من الالتزامات القانونية والمهنية، ولا تعفي السياسيين من مسؤولية الخطاب الذي يوجهونه إلى المجتمع.

وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات، تظل مأساة مدينة تراب مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل يستطيع المجتمع الفرنسي إدارة خلافاته بشأن الهوية والهجرة والإسلام من دون أن تتحول هذه القضايا إلى عامل يهدد أمن مواطنيه وتماسكهم؟