أقلام الخبر

إعادة التأمين والسيادة والاستقرار: نحو مقاربة استراتيجية للقدرات الوطنية

  • 33
  • 2:55 دقيقة

إن النقاش الدائر اليوم حول إعادة التأمين الدولية وتحويلات العملة الصعبة يستوجب قدراً كبيراً من الموضوعية والهدوء والرؤية الاستراتيجية.

ففي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، والضغوط المفروضة على التوازنات المالية الدولية، يصبح من الطبيعي والمشروع أن تسعى السلطات العمومية إلى ترشيد استعمال احتياطات الصرف وتحسين آليات التحكم في التحويلات نحو الخارج.

غير أن اختزال مسألة إعادة التأمين في مجرد قضية تحويل للعملة الصعبة يبقى قراءة ناقصة لموضوع ذي أبعاد استراتيجية عميقة بالنسبة لاستقرار الاقتصاد الوطني.

فإعادة التأمين ليست عملية استيراد عادية، بل هي منظومة عالمية لتقاسم الأخطار الكبرى، تُمكّن الاقتصادات الوطنية من الحماية ضد الكوارث الصناعية، والمخاطر الطاقوية، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، والبنى التحتية الحيوية، والأحداث الاستثنائية التي قد تهدد التوازن الاقتصادي لأي دولة.

إن بضع مئات من ملايين الدولارات المخصصة لإعادة التأمين تساهم فعلياً في حماية استثمارات وأصول اقتصادية وطنية تقدّر بآلاف المليارات من الدنانير.

ولا يوجد اليوم أي سوق تأمين كبرى في العالم، حتى في أكثر الاقتصادات تطوراً، قادرة على تحمل جميع الأخطار الكبرى بمفردها دون الاستعانة بآليات إعادة التأمين الدولية. فالتقاسم العالمي للأخطار أصبح أحد أسس الاستقرار المالي العالمي.

ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يضع السيادة الوطنية في مواجهة إعادة التأمين الدولية، لأنهما ليسا متعارضين، بل متكاملين.

فالسيادة التأمينية الحقيقية لا تُبنى بالعزلة ولا بالانغلاق الإداري للسوق، وإنما تقوم أساساً على قدرة المنظومة التأمينية الوطنية على تحمل جزء متزايد من أخطار الاقتصاد الوطني بشكل تدريجي ومستدام وفي إطار توازنات تقنية ومالية سليمة.

وفي هذا السياق، فإن السعي إلى تعزيز القدرات الوطنية للاحتفاظ بالأخطار يُعد هدفاً مشروعاً واستراتيجياً. كما أن تطوير آليات التأمين المشترك، وتحسين تعبئة القدرات المحلية، وتعزيز وسائل تقاسم الأخطار داخل السوق الوطنية، كلها خيارات ضرورية لمستقبل القطاع.

غير أنه من المهم أيضاً تفادي المقاربات التبسيطية.

فإن تعزيز مركزية التنازلات وإعادة التأمين، دون رفع فعلي وموازٍ لقدرات السوق الوطنية على الاحتفاظ الحقيقي بالأخطار، لا يؤدي آلياً إلى تقليص إعادة التحويل نحو الأسواق الدولية. فعندما تكون القدرات الوطنية غير كافية لتغطية بعض الأخطار الكبرى، يبقى اللجوء إلى الأسواق الدولية ضرورياً بشكل أو بآخر.

ومن ثم، فإن جوهر الإشكال لا يتعلق فقط بحركة التدفقات المالية، بل بقدرة السوق الوطنية فعلياً على تحمل نسبة أكبر من الأخطار.

وهذه القدرة لا ترتبط فقط بالإجراءات التنظيمية أو الإدارية، وإنما تعتمد أيضاً على:

جودة الاكتتاب؛ والانضباط التقني داخل السوق؛ والتوازنات الفنية للمحافظ التأمينية؛ والصلابة المالية للفاعلين؛ ومستوى تنظيم القدرات الوطنية وتنسيقها.

فالسوق التي تُضعفها المنافسة غير المتوازنة، وتآكل الهوامش الفنية، والتسعير غير المستدام، لا يمكنها أن تعزز قدراتها على الاحتفاظ بالأخطار بشكل دائم. بل إن ذلك يؤدي مع مرور الوقت إلى زيادة التبعية للقدرات الدولية في إعادة التأمين.

وبالتالي، فإن السيادة التأمينية لا يمكن فصلها عن الاستدامة التقنية والمالية للسوق نفسها.

ومن هذا المنطلق، فإن الورش الحقيقي الذي ينبغي العمل عليه لا يقتصر فقط على تعزيز آليات المركزية، بل يتمثل أساساً في بناء منظومة تأمينية وطنية أكثر قوة وانضباطاً وتنظيماً.

وفي هذا الإطار، تبرز عدة مسارات تستحق الدراسة، من بينها:

إنشاء آليات منظمة للتشاور المسبق داخل السوق الوطنية بالنسبة للأخطار الكبرى؛ تطوير التأمين المشترك بطريقة أكثر مرونة ووضوحاً تقنياً؛ تحسين تعبئة القدرات المحلية المتاحة؛ وتعزيز المعايير التقنية والتنظيمية للسوق بشكل تدريجي.

فالهدف ليس تقييد اللجوء إلى القدرات الدولية عندما تكون ضرورية لحماية الاقتصاد الوطني، وإنما تنظيم واستغلال القدرات الوطنية بشكل أكثر فعالية بما يسمح برفع مستوى الاحتفاظ المحلي بصورة تدريجية ومستدامة.

لأن النقاش حول إعادة التأمين يخفي في جوهره سؤالاً أعمق يتعلق بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الأخطار الكبرى.

فالسيادة التأمينية لا تُفرض بالقرارات وحدها، بل تُبنى تدريجياً من خلال قوة السوق، وجودة تنظيمها، ومصداقية فاعليها، وقدرتها الحقيقية على حماية الاقتصاد الوطني في عالم يزداد تعقيداً وتقلباً يوماً بعد يوم.

- الرئيس المدير العام لـ "أليانس تأمينات"