أقلام الخبر

اليوم العالمي لحرية الصحافة وتحديات الثورة الرقمية

  • 43
  • 3:30 دقيقة

في كل عام، يطل علينا الثالث من ماي، اليوم العالمي لحرية الصحافة. يحتفل به الصحفيون، وتحتفل به السلطة ومؤسساتها، تكرم فيه بعض الوجوه، وينتهي العرض في انتظار العام المقبل.

وبين الأمس واليوم والغد، تمتد قصة طويلة لتجربة متميزة انفردت بها الجزائر، لكنها لم تكتمل إلى يومنا هذا، لا في مجال حق الوصول إلى المعلومة وإيصالها إلى المتلقي، ولا في منظومتها القانونية، ولا في تحرير قطاع الإشهار، أو قانون سبر الآراء، أو تسوية وضعية القنوات الخاصة، فضلًا عن سلطة الضبط التي تزال تراوح مكانها.

في المقابل يأتي احتفال هذه السنة محملا بجديد، إذ لم تعد حرية الصحافة مرتبطة فقط بالضغوط السياسية أو الاقتصادية، وإنما أصبحت تواجه تحديًا جديدا يتمثل في الثورة الرقمية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، الذي يعيد تشكيل مفهوم الخبر وسرعة انتشاره وحتى مصداقيته.

في عالم متسارع، لم يعد الصحفي وحده من ينتج الخبر، بل أصبحت الخوارزميات طرفا فاعلا في صناعته وتوزيعه، وأضحى الصحفي جزءا من منظومة رقمية أوسع تتحكم فيها معايير “الانتشار” عوض  “المصداقية”.

3 ماي.. حين كانت الصحافة الجزائرية طرفا فاعلا

يعود إقرار اليوم العالمي لحرية الصحافة إلى سنة 1993، بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، استنادًا إلى توصيات اليونسكو التي تبنّت روح إعلان ويندهوك (1991) الداعي إلى صحافة حرة وتعددية ومستقلة.

في تلك اللحظة، كانت الصحافة الجزائرية حاضرة ضمن هذا المسار الدولي، بممثلين عنها، من بينهم عمر بلهوشات عن جريدة الوطن، وزوبير سويسي (رحمه الله) عن جريدة لوسوار دالجيري، في وقت كانت فيه التجربة الإعلامية تخطو خطواتها الأولى بثبات في مغامرة طرح البديل لكسب ثقة القراء.

وقد ارتبط هذا الحضور بسياق وطني استثنائي أعقب أحداث أكتوبر 1988، التي أنجبت دستور 3 أفريل 1989 الذي أقر التعددية الحزبية وفتح المجال الإعلامي أمام الصحفيين الراغبين في خوض تجربة الصحافة المستقلة. وتعزز  هذا المسار مع قانون الإعلام الصادر في 3 أفريل 1990، ثم إنشاء المجلس الأعلى للإعلام والاتصال وإلغاء وزارة الإعلام، في خطوة مفصلية نحو تحرير الممارسة الإعلامية من الوصاية الإدارية.

هذا التحول سمح بولادة صحافة مستقلة أسسها الصحفيون أنفسهم وامتلكوا أدواتها، في تجربة فريدة قادها أهل المهنة. ورغم قصر هذه المرحلة، فقد عرفت الصحافة المستقلة انتشارا واسعا، مدعومة بهامش حرية غير مسبوق، ما جعلها تحتل موقعًا متقدما في المشهد الإعلامي العربي.

غير أن هذه التجربة وجدت نفسها أمام اختبار قاس بعد توقيف المسار الانتخابي سنة 1992 وإعلان حالة الطوارئ، حيث وجد الصحفيون أنفسهم هدفا مباشرا للجماعات الإرهابية التي أودت بحياة أكثر من مائة صحفي وتقني ومثقف. وفي المقابل، ظل التوتر مع السلطة قائما، خاصة فيما يتعلق بمعالجة الخبر الأمني وفرض الرقابة عبر لجان القراءة في المطابع.

ورغم هذه الظروف، وقفت الصحافة الجزائرية في مواجهة خطر تفكك الدولة وانهيارها، وأسهمت داخليًا وخارجيا في كسر العزلة الإعلامية المفروضة على البلاد. وبين ضغط الإرهاب وتعقيدات المرحلة، لم يكن التكوين أولوية بقدر ما كانت الأولوية للبقاء والاستمرار.

ومع انحسار الإرهاب، عادت الصحافة تدريجيا إلى صلب مهامها، مانحة أهمية أكبر للتكوين، وساعية إلى ترسيخ دورها كسلطة مضادة، رغم استمرار الضغوط وصعوبة الوصول إلى المعلومة وتعدد المتابعات القضائية.

وفي هذا السياق، شكّل شهر أفريل سنة 2000 محطة مفصلية من خلال انتخاب المجلس الأعلى لأخلاقيات المهنة، برئاسة زوبير سويسي (رحمه الله)، والذي ضمّ في تركيبته مختلف مكونات الأسرة الإعلامية، من صحافة عمومية وخاصة، مكتوبة ومسموعة ومرئية. وقد جاءت هذه الخطوة مرفقة بإقرار ميثاق أخلاقيات وقواعد المهنة للصحفيين الجزائريين، في محاولة لتأطير الممارسة الإعلامية وترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الحرية والمسؤولية والالتزام.

ويمكن القول إن تلك المرحلة شكلت بحق العصر الذهبي للصحافة الجزائرية، حيث استطاعت أن تفرض حضورها في المحافل الإقليمية والدولية، كما توج عدد من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بجوائز عربية وعالمية، تأكيدًا لمهنيتها وتأثيرها.

بين الأمس واليوم.. تجربة لم تكتمل

إذا كانت الصحافة الجزائرية قد خاضت بالأمس معركة البقاء في وجه العنف والإرهاب، إلى جانب ضغوط السلطة والمتابعات القضائية، فإنها تجد نفسها اليوم أمام معركة المصداقية في زمن السرعة والخوارزميات.

فالتحديات لم تعد سياسية فقط، وإنما أصبحت أكثر تعقيدا  مع انتشار الأخبار الزائفة والمضللة، وضغط “الترند” على حساب التحقق، وتراجع مكانة وسائل الإعلام التقليدية، وصعوبة التمويل واستقلالية المؤسسات، إضافة إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على إنتاج المحتوى وتداوله.

كل ذلك يضع الصحفي أمام مسؤولية مضاعفة: ليس فقط نقل الخبر، وإنما حمايته من التشويه.

وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، وبين ضغط الواقع المهني واكراهات البيئة الرقمية، لم تعد المسألة مجرد تطور في أدوات العمل، لكن تحوّلت إلى اختبار حقيقي لجوهر الممارسة الصحفية وحدودها الأخلاقية.

في النهاية، وبين الماضي والحاضر، يبقى الصحفي حاملًا للأمانة: إما أن يمارسها بصدق ومهنية، أو يضع نفسه في موقع خيانة هذه الأمانة.