أقلام الخبر

البابا في الجزائر.. زيارةٌ "فوق الحوار"

  • 277
  • 2:19 دقيقة

بلا ضجيج زائد، وبلا مقدمات مصطنعة، سيحلّ البابا بالجزائر، كما لم يتوقعه المروّجون لخرافة "البلد المنغلق على نفسه"، وكما لم ينتظره القابعون على رصيف اصطياد "النكسات" المحتملة.

عندما أعود بذاكرتي إلى تغطيات الإعلام لكلّ الزيارات البابوية، لا تترسخ في ذهني سوى صورة متكررة: كانت تبدو كل محطة من تلك المحطات وكأنها جُملٌ مكتملة: تبدأ بالتحية، تعبرُ فوق جسرِ خطابٍ محسوب، وتنتهي كل مرّة بصورةٍ تليقُ بالأرشيف.

أمّا ما أتوقعه من محطة الجزائر، فقد يكون مختلفا في شكله وجوهره. لماذا؟

لأن البابا سيحلّ ببلد عوّدنا على مقاومة النمطية والجمل المكتملة؛ هناك في الجزائر دائما ما يتركُ فجوةً للتأويل، وما يَحتملُ في صدوره أكثر من صوتٍ في آنٍ واحد.

سيحلّ البابا بأرض تتجاور فيها طبقات الزمن دون أن تذوب في بعضها. أرضٌ تعمّدت بماء المسيحية الأولى، واحتفظت بنبض أوغسطين في تربتها، ثم استقرت قروناً في أفق الإسلام؛ لا بوصفه مرحلةً طارئة، بل باعتباره أفقاً نهائياً للمعنى وللهوية.

حين تطأ قدم البابا هذه الأرض، فهو لا يزور جغرافيا، بل يلجُ إلى ذاكرةٍ مزدوجة، تتقنُ فنَّ الإنصات دون أن تفرط في جوهر ما هي عليه.

في الجزائر، لا تُختزل الرموز في حضورها البصري، بل في إيحائها الساكن. قبةٌ ترتفعُ هنا، ومئذنةٌ هناك، وبينهما فضاءٌ أرحب من "المقارنة": إنه فضاء الاعتراف المتبادل الذي لا يحتاجُ إلى صخب الإعلان. الزيارةُ هنا لا أتوقعها استعراضاً للقاءٍ بين معتقدين، بل تمرينا على صياغة "لغةٍ ثالثة"؛ لغة تُبقي لكل طرفٍ ملامحه، وتفتح في الوقت ذاته نافذةً للعبور الهادئ نحو الآخر.

ولأن التاريخ لا ينسحبُ بسهولة من المشهد القائم ومن الشارع العام، فإنه يظل حاضراً كظلٍّ خفيف فوق كل لقاء. غير أن بعض اللحظات لا تأتي لتنكأ الجراح، بل لتعيد ترتيبها داخل أفقٍ إنسانيٍّ أوسع. حين يحضر البابا ليون الرابع عشر، فإن حضوره لا يكتب قطيعةً مع الماضي، بل يضيف طبقةً جديدة للفهم. لا مفر من استعادة الذاكرة، لكن دون أن تتحول إلى قيد، ولا مهرب من تأمل الأمس، لكن دون أن يتعثر به الحاضر.

وتبقى خصوصية هذه الزيارة في كونها تُخرج حوار الأديان من الخانات الضيقة للتوظيف السياسوي والاستثمار الذرائعي، بعيداً عن صخب المزايدات التي شابت تجارب أخرى، حوّلت المشترك الإنساني إلى مجرد ورقةٍ في يد السياسة.

أتوقع لهذه الزيارة أن تعيد رسم الخريطة من نقطةٍ هادئة؛ فترسلُ إشارتها إلى أوروبا بأن الحوار الحقيقي يولدُ خارج المراكز التقليدية، وإلى العالم الإسلامي بأن الثقة في النفس لا تحتاجُ صخبا ولوبيات وجحافل ذباب لإثبات الحضور. الجزائر برصيدها الثري والمعقد لا تدّعي دور الجسر، غير أنّها تمارسه بصمت المجرّبين، وهي التي أدركت دائما أن المواقع الكبرى لا تحتاج إلى لافتات.

ليست كل الزيارات تُقاس بما يُقال فيها، بل بكيفية قوله. في الجزائر، قد يصبح الهدوء هو الرسالة، والاقتصاد في الإشارة هو غاية البيان. هي زيارة لن تبحث - كما أتصورها - عن وهج اللحظة العابرة، بل عن أثرٍ يبقى بعد أن تنطفئ أضواء الكاميرات؛ أثرٍ يشبه هذه الأرض: ثابت، عميق، ويعرف كيف يقول الكثير دون أن يرفع صوته، ويملأ الكوكب بالضجيج.

كاتب صحفي