ثقافة

"الرواية هي محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير رسمي"

الروائي سمير قسيمي في حوار لـ"الخبر".

  • 93
  • 7:11 دقيقة
الروائي، سمير قسيمي، الصورة: ح.م.
الروائي، سمير قسيمي، الصورة: ح.م.

حاورته: مسعودة بوطلعة

اعتبر الروائي سمير قسيمي أن الرواية "هي محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير رسمي، تاريخ المهمشين، تاريخ أولئك الذين لم يجدوا مكاناً لهم في السرديات الكبرى"، كما تحدث قسيمي في حوار لـ"الخبر" عن روايته الأخيرة "الكهل الذي نسي"، التي تناول فيها تيمة الذاكرة والهوية والعلاقة بينهما، وتساءل كيف يمكن لأمة أن تعيش بلا ذاكرة؟ وكيف يمكن للفرد أن يجد معنى لوجوده إذا كان تاريخه ممحوًاً؟ فقدان الذاكرة بالنسبة لقسمي "يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول الحقيقة، السرد، وإمكانية إعادة تشكيل الواقع. إنه يضعنا أمام هشاشة وجودنا، وضرورة التمسك بخيوط الماضي، حتى وإن كانت مؤلمة، لفهم من نحن اليوم".

في روايته "الكهل الذي نسي"، أراد الكاتب أن يظهر "أن الحقيقة ليست شيئاً ثابتاً يمكن استعادته ببساطة، بل هي بناء معقد، يتطلب جهداً مستمراً من البحث، والمساءلة، وحتى التشكيك". وعما يشغله يؤكد الكاتب أن ما يشغله "كيف يمكن للكلمة أن تقاوم النسيان، أن تضيء الظلمات، أن تفتح آفاقاً جديدة للفهم والتأمل... يشغلني كيف يمكن للأدب أن يكون فعلا وجوديا، فعلا تحرريا، فعلا إنسانيا بامتياز".

لماذا اخترت فقدان الذاكرة كمدخل أساسي لمساءلة التاريخ الفردي والجماعي في روايتك الأخيرة "الكهل الذي نسي"؟

فقدان الذاكرة، في جوهره، ليس حالة مرضية فقط، بل هو أيضا استعارة عميقة للحالة الإنسانية في مواجهة التاريخ. اخترته كمدخل أساسي لأنه يمثل نقطة الصفر، اللوح الفارغ الذي منه يمكن إعادة بناء كل شيء، أو عدم بناء أي شيء. عندما يفقد الفرد ذاكرته، فإنه يفقد هويته، يصبح مجرد كائن بيولوجي بلا ماضٍ يربطه بالحاضر. وهذا ما أردت أن أسائله على المستويين الفردي والجماعي. كيف يمكن لأمة أن تعيش بلا ذاكرة؟ وكيف يمكن للفرد أن يجد معنى لوجوده إذا كان تاريخه ممحواً؟ فقدان الذاكرة يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول الحقيقة، السرد، وإمكانية إعادة تشكيل الواقع. إنه يضعنا أمام هشاشة وجودنا، وضرورة التمسك بخيوط الماضي، حتى وإن كانت مؤلمة، لفهم من نحن اليوم.

إلى أي حدّ يمكن الوثوق بالذاكرة، سواء الفردية أو الجماعية، في إعادة بناء الحقيقة؟

الوثوق بالذاكرة، سواء الفردية أو الجماعية، هو سؤال إشكالي بحد ذاته. الذاكرة ليست وعاءً أميناً يحفظ الأحداث كما هي، بل هي عملية بناء وتأويل مستمرة. إنها تتأثر بالعواطف، بالرغبات، بالخوف، وبسلطة السرد المهيمن. الذاكرة الفردية يمكن أن تكون خادعة، تنتقي ما يناسبها، وتنسى ما يؤلمها. والذاكرة الجماعية، غالباً ما تكون ساحة صراع بين السرديات المختلفة، بين المنتصر والمهزوم، بين من يملك القدرة على الكتابة ومن يُكتب عنه. في "الكهل الذي نسي"، أردت أن أظهر أن الحقيقة ليست شيئاً ثابتاً يمكن استعادته ببساطة، بل هي بناء معقد، يتطلب جهداً مستمراً من البحث، والمساءلة، وحتى التشكيك. لا يمكن الوثوق بالذاكرة بشكل مطلق، ولكن لا يمكن الاستغناء عنها أيضا. إنها المادة الخام التي نبني منها فهمنا للعالم، وعلينا أن نتعامل معها بحذر، بوعي، وبمسؤولية.

رواية "الكهل الذي نسي" تقوم على تداخل ثلاث حكايات داخل بنية دائرية، لماذا هذا الشكل تحديدًا بدل السرد الخطي التقليدي؟

البنية الدائرية، وتداخل الحكايات الثلاث، لم تكن اختياراً فنياً عابراً، بل كانت ضرورة تمليها طبيعة الموضوع. السرد الخطي التقليدي، برأيي، لا يستطيع أن يستوعب تعقيدات الذاكرة والنسيان، ولا تشابك المصائر في واقعنا. الحياة ليست خطاً مستقيماً، بل هي دوائر متداخلة، يعود فيها الماضي ليطارد الحاضر، وتتكرر فيها الأخطاء، وتتجدد فيها الأسئلة. الدائرة ترمز إلى اللانهاية، إلى العودة الأبدية، إلى استحالة الخروج من بعض الأزمات إلا بفهم عميق لجذورها. تداخل الحكايات يسمح لي بتقديم رؤى متعددة للحقيقة الواحدة، وبإظهار كيف تتشابك مصائر الأفراد والجماعات، وكيف يؤثر كل منهم في الآخر، حتى وإن لم يدركوا ذلك. إنها محاولة لكسر هيمنة السرد الواحد، وفتح الباب أمام تعدد الأصوات والتأويلات، وهو ما أراه أكثر قرباً للحقيقة الفنية والوجودية.

ما الذي تمثله "دائرة الكُتّاب المجهولين" في روايتك "الكهل الذي نسي"، هل هي نقد للوسط الأدبي أم استعارة للأزمة الإبداعية؟

"دائرة الكُتّاب المجهولين" هي كل هذا وأكثر. إنها نقد لاذع للوسط الأدبي الذي قد يهمش الأصوات الحقيقية، ويحتفي بالسطحية، ويخضع لمعايير لا علاقة لها بالإبداع. ولكنها في الوقت نفسه، استعارة عميقة للأزمة الإبداعية التي يعيشها الكاتب في عالم يزداد تعقيداً. إنها تمثل الخوف من عدم القدرة على إيجاد الصوت الخاص، من عدم القدرة على اختراق جدار الصمت والنسيان. هي مكان يلتقي فيه أولئك الذين يحملون مشاريع إبداعية عظيمة، ولكنهم لا يجدون من يسمعهم أو يقرأهم. إنها صرخة ضد التهميش، وضد النسيان، وضد كل ما يعيق تدفق الإبداع الحقيقي. هي مرآة تعكس قلق الكاتب الوجودي، وبحثه الدائم عن الاعتراف، ليس لذاته، بل لرسالته الفنية.

تناولت في الرواية أحداث أكتوبر 1988 والعشرية السوداء، كيف يمكن للأدب أن يعالج ذاكرة جماعية مؤلمة دون الوقوع في التوثيق المباشر؟

الأدب، في جوهره، ليس توثيقاً مباشراً للأحداث، بل هو إعادة خلق لها من خلال الخيال. عندما أتناول أحداثاً مؤلمة مثل أكتوبر 1988 والعشرية السوداء، فإنني لا أهدف إلى كتابة تاريخ، بل إلى استكشاف الأثر الإنساني لهذه الأحداث. الأدب يعالج الذاكرة الجماعية المؤلمة من خلال الغوص في أعماق الشخصيات، في صراعاتها الداخلية، في تحولاتها النفسية، وفي كيفية تأثير هذه الأحداث على أرواحهم ووجودهم. إنه يمنح صوتاً للمهمشين، للمنسيين، لأولئك الذين لم تُروَ قصصهم في السرديات الرسمية. أبتعد عن التوثيق المباشر لأني أؤمن أن الحقيقة الأدبية أعمق من الحقيقة التاريخية المجردة. إنها حقيقة الروح، حقيقة الألم، حقيقة الصمود. الأدب يفتح مساحات للتأمل، للفهم، وللتصالح مع ما لا يمكن نسيانه، ولكنه لا يهدف إلى إدانة أو تبرئة، بل إلى إضاءة جوانب خفية من التجربة الإنسانية.

هل تعتبر الرواية محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير رسمي أو مهمّش؟

نعم، بكل تأكيد. الرواية هي محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير رسمي، تاريخ المهمشين، تاريخ أولئك الذين لم يجدوا مكاناً لهم في السرديات الكبرى. إنها محاولة لتقديم وجهة نظر مختلفة، لكسر هيمنة الرواية الواحدة، ولإظهار أن التاريخ ليس مجرد مجموعة من الوقائع، بل هو أيضاً مجموعة من القصص، من الذكريات، من الآلام، من الأحلام المجهضة. أؤمن أن الأدب يمتلك القدرة على استعادة ما تم محوه، على إحياء ما تم نسيانه، وعلى منح صوت لمن لا صوت له. إنها مقاومة للنسيان، ومحاولة لإعادة الاعتبار لتجارب إنسانية غنية، ولكنها ظلت حبيسة الظل.

إلى أي حدّ تمثل شخصية "سمير" انعكاسًا ذاتيًا لك ككاتب؟

شخصية "سمير" في الرواية هي انعكاس ذاتي، ولكن ليس بالمعنى الحرفي. إنها مرآة أرى فيها جزءاً من قلقي ككاتب، من هواجسي حول الكتابة، حول الذاكرة، حول الهوية. "سمير" يحمل شظايا مني، من أسئلتي الوجودية، من بحثي الدائم عن المعنى. ولكنه في الوقت نفسه، شخصية مستقلة، لها مسارها الخاص، وصراعاتها الخاصة. إنه يمثل الكاتب الذي يسعى جاهداً لتجاوز ذاته، ليجد صوته الخاص، ليقدم رؤية جديدة للعالم. العلاقة بيني وبين "سمير" هي علاقة جدلية، علاقة بين الخالق والمخلوق، حيث يؤثر كل منهما في الآخر، ويمنحه أبعاداً جديدة. إنه ليس أنا، ولكنه جزء مني، جزء أطلقه في عالم الرواية ليعيش حياته الخاصة، وليطرح أسئلته الخاصة.

هل يمكن اعتبار الرواية نوعًا من "مقاومة النسيان" ؟

بالتأكيد، "الكهل الذي نسي" هي في جوهرها عمل من أعمال مقاومة النسيان. النسيان ليس فقدانا للذاكرة فحسب، بل هو فعل قمعي، فعل محو، فعل تهميش. الرواية تحاول أن تقاوم هذا النسيان من خلال استعادة القصص، من خلال إحياء الذكريات، من خلال منح صوت للمهمشين. إنها تذكرنا بأن الماضي ليس شيئاً يمكن التخلص منه ببساطة، بل هو جزء لا يتجزأ من هويتنا، من وجودنا. مقاومة النسيان هي فعل وجودي، فعل تحرري، فعل إبداعي. إنها محاولة للتمسك بالحقيقة، حتى وإن كانت مؤلمة، لأن الحقيقة هي السبيل الوحيد للتحرر، ولإعادة بناء الذات والمجتمع على أسس صلبة.

هل واجهت لحظة "عجز إبداعي" مشابهة لما يعيشه بطل الرواية؟ وكيف تجاوزتها؟

ليس ما يعيشه بطل الرواية عجزا إبداعيا، بل يعاني عجزا في مواجهة تواضع المنجز الإبداعي، وعدم بلوغه ما كان يرجوه مع كل عمل، ومع ذلك فإن لحظات "العجز الإبداعي" هي جزء لا يتجزأ من رحلة أي كاتب. إنها لحظات شك، لحظات بحث، لحظات تشعر فيها أن الكلمات قد خانتك، وأن الأفكار قد تلاشت. ما يعيشه بطل الرواية "سمير" ليس عجزاً بالمعنى التقليدي، بل هو رغبة ملحة في تجاوز السائد، في كتابة رواية مختلفة، رواية تكسر القوالب وتتجاوز التوقعات. هذه الرغبة هي التي تدفعه إلى البحث، إلى التجريب، إلى الغوص في أعماق الذاكرة. تجاوزت هذه اللحظات، ليس بالاستسلام، بل بالمواجهة. بالمزيد من القراءة، بالمزيد من التأمل، بالمزيد من الكتابة. أؤمن أن الإبداع لا يأتي من الفراغ، بل يأتي من التفاعل مع العالم، مع الكتب، مع الناس. إنه يأتي من الشك، من التساؤل، من الرغبة الدائمة في البحث عن الحقيقة، حتى وإن كانت هذه الحقيقة مؤلمة أو معقدة. الكتابة هي فعل مقاومة، فعل بحث، فعل وجود.

ما الذي يشغلك اليوم ككاتب: الذاكرة، الهوية، أم سؤال الكتابة ذاته؟

في الحقيقة، كل هذه الأسئلة تتداخل وتشكل نسيجاً واحداً يشغلني ككاتب. لا يمكن فصل الذاكرة عن الهوية، ولا يمكن فصلهما عن سؤال الكتابة ذاته. الذاكرة هي المادة الخام التي نبني منها هويتنا، والكتابة هي الأداة التي نستخدمها لاستكشاف هذه الذاكرة وتشكيل هذه الهوية. إنها دائرة متكاملة، كل جزء فيها يغذي الآخر. اليوم، يشغلني بشكل خاص كيف يمكن للأدب أن يظل صوتاً حقيقياً في عالم يزداد ضجيجاً وتسطيحاً. كيف يمكن للكلمة أن تقاوم النسيان، أن تضيء الظلمات، أن تفتح آفاقاً جديدة للفهم والتأمل. يشغلني كيف يمكن للأدب أن يكون فعلاً وجودياً، فعلاً تحررياً، فعلاً إنسانياً بامتياز. هذه الأسئلة هي التي تدفعني للكتابة، وهي التي تجعلني أؤمن بقوة الكلمة في تغيير العالم، أو على الأقل، في تغيير نظرتنا إليه.