ثقافة

رحيل المخرج القدير عبد الغني مهداوي

بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء والإبداع في مجالات الإخراج التلفزيوني والسينمائي والإذاعي.

  • 217
  • 2:24 دقيقة
ح.م
ح.م

فقدت الساحة الثقافية والسمعية البصرية الجزائرية، اليوم، واحدا من أبرز مخرجيها برحيل المخرج القدير عبد الغني مهداوي، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء والإبداع في مجالات الإخراج التلفزيوني والسينمائي والإذاعي. وبرحيله، تخسر الجزائر أحد صُنّاع الصورة الذين أسهموا في إثراء المشهد الإعلامي والثقافي وتركوا بصمة راسخة في ذاكرة المشاهد الجزائري.

عرف الراحل باحترافيته العالية وشغفه الكبير بالصورة، إلى جانب دماثة أخلاقه وتواضعه، فكان مثالا للفنان الملتزم الذي آمن بدور الفن والإعلام في نقل الثقافة وبناء الوعي. وقد ظل اسمه مرتبطًا بعدد من الأعمال والبرامج التي عكست رؤية فنية صادقة وحرصًا دائمًا على تقديم محتوى راقٍ.

بداية مبكرة ومسار حافل

تعود البدايات الفنية لعبد الغني مهداوي إلى شهر فيفري سنة 1955، عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث ظهر لأول مرة في برنامج للأطفال رفقة الشيخ الراحل لخضر السايحي. وبعدها شارك في برامج أطفال أخرى مع الإذاعي الراحل رضا فلكي، كما خاض تجارب في المسرحيات الإذاعية إلى جانب الفنان الراحل محمد التوري.

وفي عام 1956، التحق مهداوي بأول قسم للدراما العربية في المعهد الموسيقي بالجزائر الذي أسسه الفنان الكبير محيي الدين بشطارزي، حيث تتلمذ على يد الفنان جلول باش جراح، قبل أن يواصل تكوينه الفني مع عدد من الأسماء البارزة، من بينهم مصطفى قزدرلي.

وفي سن السادسة عشرة، كتب مهداوي أول مسرحية إذاعية له بعنوان "قتلتُ ابني"، أخرجها الفنان محمد التوري وأسند فيها الدور الرئيسي للفنانة القديرة كلثوم. كما كتب أوبريت "مصائب الحياة" التي أخرجها الفنان محمد جديات سيساني، بمشاركة مجموعة من الفنانين، منهم عبد الرحمن عزيز والهاشمي قروابي.

من التلفزيون إلى السينما

التحق مهداوي بالتلفزيون سنة 1959 كمحرر سيناريو إلى جانب المخرج مصطفى قرايبي، قبل أن يعمل مساعد مخرج ثم يُرقّى إلى مخرج سنة 1963. وكان أول إنتاج له حفلًا موسيقيًا حيًا للمطربة الراحلة الجيدة.

وفي ديسمبر من العام نفسه، أخرج أول فيلم روائي قصير للتلفزيون الجزائري بتقنية 16 مم بعنوان "جريمة من أجل الميراث"، والذي يعد من أوائل الأفلام التي عُرضت على التلفزيون الجزائري.

وخلال مسيرته، أخرج مهداوي العديد من الأعمال التي تركت أثرها في المشهد السمعي البصري، من بينها فيلم "القطط" الذي يُعد من آخر أفلام شخصية المفتش الطاهر، إضافة إلى فيلم "إنكارنادا" سنة 1973 بمشاركة الفنانين الراحلين عبد القادر تاجر وفريدة صابونجي، وفيلم "طبيب القرية" سنة 1975 بمشاركة الفنان عثمان عريوات.

كما عمل مع عدد كبير من نجوم الفن الجزائري، من بينهم رويشد ومحمد ونيش، الذين كانوا يقدّرون جديته وخبرته الكبيرة في مجال الإخراج.

اهتمام بالثقافة المغاربية

وفي سنة 1996، انتقل عبد الغني مهداوي إلى فرنسا، حيث واصل اهتمامه بالثقافة المغاربية، خاصة الشعر الشعبي، وهو ما دفعه إلى إنجاز معجم عربي-فرنسي للكلمات المتداولة في هذا الشعر، في عمل بحثي ضخم تجاوز 700 صفحة.

ورغم ابتعاده عن الساحة الإعلامية بعد حل الشركة الوطنية للإنتاج السمعي البصري سنة 1997، ظل الراحل متابعًا للشأن الثقافي والفني، ومؤمنا بقدرة الأجيال الجديدة على تطوير السينما الجزائرية، داعيا المخرجين الشباب إلى المثابرة والعمل الجاد.

برحيل عبد الغني مهداوي، تطوى صفحة من صفحات الإبداع في تاريخ السمعي البصري الجزائري، لكن أعماله ستبقى شاهدة على موهبة مخرج كرّس حياته لخدمة الصورة والفن والثقافة.