اقتصاد

إقبال رهيب على أجنحة صالون "باتيماتيك 2026"

الابتكار والتميز، النوعية والجودة، مفاتيح التموقع وطنيا ودوليا.

  • 73
  • 4:29 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

منذ ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ العاصمة تماما، كانت الطرق المؤدية إلى قصر المعارض بالصنوبر البحري تنبض بحركة غير عادية؛ طوابير سيارات تمتد على مدّ البصر، أبواق متقطعة، ووجوه يطبعها مزيج من الإرهاق والترقب. مشهد يتكرر كل سنة، لكنه هذه المرة بدا أكثر كثافة.. وأكثر دلالة.
هنا، في "باتيماتيك 2026"، معرض عادي للبناء والتعمير ومواد البناء، تحول إلى محطة سنوية تختصر نبض قطاع كامل، وتفتح أبوابا لأحلام مؤجلة.. أو مشاريع في طور التشكل.

الطريق إلى "سافيكس".. أول اختبار للصبر
الوصول إلى أجنحة "سافيكس" بقصر المعارض لم يكن سهلا؛ فمنذ الساعات الأولى، تشكلت طوابير طويلة من السيارات القادمة من مختلف ولايات الوطن. أرقام تسجيل من وهران، وقسنطينة، وبسكرة، وحتى من أقصى الجنوب.. الجميع جاء للغاية نفسها.
أما الراجلون، فقد تدفقوا عبر خط "الترامواي"، في موجات بشرية متتابعة.. شباب، عائلات، مهنيون، وحتى متقاعدون، كلّ يحمل في ذهنه هدفا مختلفا، لكنهم يجتمعون في نقطة واحدة: استكشاف ما يحمله هذا الحدث من فرص.
يقول عبد القادر، وهو حرفي من المدية: "تعبت في الطريق، لكني أعرف أنني سأعود بأفكار جديدة.. وربما بشراكات أيضا".
داخل الأجنحة.. عالم من التفاصيل، بمجرد عبور البوابات، يتغير المشهد كليا. أروقة واسعة، أجنحة متقنة العرض، وأصوات تتداخل بين شروحات تقنية وصفقات تُطبخ على عجل. كل جناح هنا يحكي قصة. من مواد البناء الثقيلة، إلى أدق تفاصيل التشطيب الداخلي. السيراميك بأشكاله العصرية، الحنفيات المصممة بذوق أوروبي، أنظمة الإضاءة الذكية، والدهانات الصديقة للبيئة.. تنوع يعكس حجم التحول الذي يعرفه القطاع.
كريم، مهندس معماري، يختصر الانطباع قائلا: "ما نراه اليوم في باتيماتيك، لم نكن نحلم به قبل سنوات.. الجودة تحسنت بشكل واضح".

المهنية والحلم.. جمهور متعدد الوجوه
اللافت في هذه طبعة "باتيماتيك 2026"، هو التنوع الكبير في الزوار. فإلى جانب المهنيين الذين يبحثون عن أحدث التقنيات، هناك فئة واسعة من المواطنين العاديين، الذين جاؤوا بدافع مختلف تماما: البحث عن سكن.
في أجنحة الترقية العقارية، يكاد الزحام يضاهي المدخل الرئيسي. عشرات المرقين، عموميون وخواص، يعرضون مشاريعهم، كلّ يحاول إقناع الزبون بأن عرضه هو الأفضل.الملفات تُفتح، الكتيبات والمطويات تُوزع، والنقاشات لا تتوقف. الأسعار، المواقع، طرق الدفع.. تفاصيل تتحول إلى محور اهتمام الزائر.
تقول سعاد، موظفة في الثلاثين من عمرها: "هذه أول مرة أزور صالون "باتيماتيك".. جئت لأرى إن كانت هناك فرصة حقيقية لشراء شقة.. العروض كثيرة، لكن الاختيار صعب".

أبناء الجالية.. عودة عبر بوابة الاستثمار
من بين أبرز الملاحظات التي وقفت عليها "الخبر"، خلال الأيام الثلاثة الأولى من صالون البناء ومواد البناء؛ الإقبال اللافت لأبناء الجالية الجزائرية بالخارج، حيث كان حضورهم قويا، خاصة في أجنحة الترقية الخاصة.
هؤلاء الذين يبحثون عن سكن، يبحثون في السياق ذاته عن رابط يعيدهم إلى الوطن.. "باتيماتيك"، بالنسبة لهم، معرض متخصص، وأيضا فرصة لاستثمار آمن، وربما بداية لعودة تدريجية. يقول مراد، مقيم في فرنسا: "الثقة كانت دائما العائق.. لكن ما أراه اليوم من تنظيم وعروض يجعلني أفكر جديا في الشراء".

مواد البناء.. منافسة على الجودة
في قلب المعرض، تبرز المنافسة الشرسة بين العارضين في مجال مواد البناء. هنا أصبحت الجودة هي الكلمة المفتاحية، حيث لم يعد السعر وحده معيار الاختيار، بل المتانة، الجمالية، والامتثال للمعايير الدولية.
وهاهو السيراميك الجزائري، على سبيل المثال، بات ينافس منتجات أجنبية، لاسيما الإسبانية والتركية والصينية، من حيث التصميم والدقة. كذلك الأمر بالنسبة للتجهيزات الصحية وأنظمة الإضاءة. الأهم من ذلك، هو التوجه المتزايد نحو المواد الصديقة للبيئة؛ فقد عرضت شركات عديدة منتجات تقلل من استهلاك الطاقة، أو تعتمد على مواد قابلة لإعادة التدوير.
وفي جانب آخر من المعرض، انتظمت عديد الورشات أين قدم خبراء محاضراتهم، ومن هؤلاء خبير بيئي مشارك في إحدى الندوات قال: "مستقبل البناء في الجزائر مرتبط بمدى قدرتنا على تبني معايير الاستدامة.. العالم يتغير، ومن لا يواكب سيتأخر".
الـ "ستارت آب".. عنوان بارز وكلمة سر نجاح الصالون
إذا كان هناك عنصر جديد يميز هذه طبعة 2026 لـ "باتيماتيك"، فهو الحضور القوي للمؤسسات الناشئة. نحو 40 شركة شابة جاءت بأفكار مبتكرة، تعكس تحولا عميقا في نظرة الجيل الجديد لقطاع البناء.
حلول رقمية لإدارة الورشات، تطبيقات لمتابعة استهلاك الطاقة، تقنيات بناء سريعة ومنخفضة التكلفة.. الابتكار لم يعد شعارا، بل واقعا.
“آدم”، مؤسس شركة ناشئة، يشرح مشروعه بحماس: "نحاول إدخال الذكاء الاصطناعي في متابعة تقدم المشاريع.. هذا يقلل من الأخطاء ويوفر الوقت والتكاليف".
هذه المبادرات تجد دعما من خلال مسابقات مثل INNOV BAT، التي تشجع الابتكار وتمنح الشباب منصة لعرض أفكارهم أمام مستثمرين وخبراء.
لم يقتصر المعرض على العرض التجاري التسويقي فقط، حيث تضمن برنامجا ثريا من المحاضرات والندوات. مواضيع مثل تقليل انبعاثات الكربون، وتمويل المشاريع المبتكرة، وإدماج التكنولوجيا في البناء، كانت في صلب النقاش. ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا بأهمية ربط الجامعة بالمؤسسة، والبحث العلمي بالتطبيق الميداني.
ومن بين أحد أبرز التحديات التي طُرحت بقوة خلال الصالون؛ هو كيفية تمكين المنتوج الجزائري من التموقع في الأسواق الدولية، وقد كانت الإجابة شبه موحدة: الجودة ثم الجودة.. الالتزام بالمعايير العالمية، الحصول على شهادات المطابقة، وتطوير استراتيجيات تسويق فعالة.
"نحن لا نفتقر للإمكانيات"، يقول أحد المصنعين، "لكننا بحاجة إلى تنظيم أفضل، واستثمار أكبر في الترويج الدولي"، وهو ما تعمل عليه وزارة ترقية الصادرات، عبر دعوتها للشركات الوطنية المنتجة للمشاركات في عديد المعارض الدولية، لاسيما بالقارة السمراء.

تنظيم محكم رغم الضغط
ورغم الأعداد الكبيرة للزوار، لوحظ تحسن واضح في التسيير. تنظيم الدخول، توزيع الأجنحة، وتوفير المعلومات.. كلها عناصر ساهمت في تحسين تجربة الزائر. صحيح أن الوصول إلى أجنحة الصالون بالصنوبر البحري كان مرهقا، لكن ما ينتظر الزائر في الداخل يعوض ذلك.

"باتيماتيك 2026".. مرآة قطاع في تحول "رهيب"
في ختام جولة "الخبر" في قصر المعارض بالصنوبر البحري، يتضح أن "باتيماتيك 2026" انتقل في طبعته الجديدة هذه السنة من معرض سنوي متجدد، إلى مؤشر حقيقي على تحولات عميقة في قطاع البناء والسكن بالجزائر.
من طوابير الانتظار، إلى أجنحة الابتكار، ومن أحلام السكن، إلى رهانات التصدير.. تتشكل صورة قطاع يسعى إلى التحديث، ويبحث عن مكان له في السوق العالمية. هو فضاء تلتقي فيه طموحات الشباب مع خبرة المهنيين، وتُختبر فيه القدرة على الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن "المحلية" إلى "العالمية".