اقتصاد

رهان الإدماج والكفاءات ينعش الاقتصاد الوطني

أصبح للأدمغة الجزائرية دورها البارز في تحقيق المشاريع التي لطالما كانت مجرد أمنيات.

  • 174
  • 2:34 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تتجه الجزائر نحو قطف المزيد من ثمار سياسة الإصلاح الاقتصادي وتحيين ترسانتها القانونية، مع الاعتماد بشكل مباشر وبإصرار غير مسبوق على الكفاءات الوطنية خريجة المدارس العليا والجامعات الوطنية، في كافة المجالات الاستثمارية.

وبعدما أبانت مشاريع مصانع تحلية مياه البحر دور المهندسين الجزائريين في تجسيد أكبر برنامج لتحقيق الأمن المائي للبلاد. وبعد دور هذه الكفاءات في إنجاح مشاريع المناجم والسكة الحديدية، جاء الدور على مشاريع الصناعات الغذائية، حيث تبرز أكبر عملية لنقل التكنولوجيا عبر مشروع مجمع "بلدنا" لإنتاج الحليب وتربية الأبقار في ولاية أدرار.

لقد أصبح للأدمغة الجزائرية دورها البارز في تحقيق المشاريع التي لطالما كانت مجرد أمنيات، وها هي اليوم ترى النور في ظرف قياسي يعكس إرادة سياسية فولاذية تحظى كل يوم بالاعتراف والتقدير وأيضا الانخراط من قبل فواعل المجتمع الاقتصادي الوطني.

وليس أدل على ذلك من نزوع المتعاملين الاقتصاديين نحو البحث والتعاقد مع خريجي الجامعة، وأيضا تسجيل عودة قوية للكفاءات المهاجرة في الغرب والمنطقة العربية من أجل تدشين مشاريعهم الخاصة في مجال الصناعات الخفيفة والأغذية بشكل خاص، مستفيدين من خبراتهم في الأسواق الأجنبية، حيث أصبحت المنتجات المصنعة محليا تزاحم تلك الأجنبية وبأسعار تنافسية وجودة لا تقل عن منافساتها.

كيف حدث ذلك؟ كل شيء بدأ قبل ست سنوات، عندما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون تنفيذ رؤيته للتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج معتمدا على مقدراته الوطنية، مع مراجعة سياسة التجارة الخارجية المنتهجة منذ العقد الأول 2000-2010، مرتكزة على فتح الاستيراد بفضل زيادة عائدات النفط، وإصرار السلطات آنذاك على محو آثار الأزمة الأمنية بأقصى سرعة. ولعل من أبلغ الأمثلة على الاقتصاد المنتج، الشراكة المبرمة بين الجزائر وقطر، عبر استثمار مشترك بين مجموعة "بلدنا" للصناعات الغذائية والصندوق الوطني للاستثمار، لإنجاز مشروع متكامل في مجال إنتاج الحليب بولاية أدرار.

وفي هذا الصدد، أكد المدير العام للصندوق الوطني للاستثمار، صالح لعبني، على المشاركة المحلية الهامة في المشروع، والتي عرفت توقيع عقود مع سبع شركات جزائرية، من بينها شركة "جي سي بي"، فرع مجمع سوناطراك، التي ستتولى مسؤولية تهيئة المنشآت الرئيسية لتربية الأبقار الحلوب، والتي ستصمم لاستيعاب 33250 بقرة.

وأبرز لعبني، الذي كان يتحدث على هامش مراسم التوقيع على عدد من العقود بين المجموعة القطرية وشركات جزائرية، أن العقود الموقعة ستسمح بتوفير العملة الصعبة وستدفع الإنتاج الوطني الذي يعتبر ركيزة في تطوير الاقتصاد الجزائري.

يأتي هذا الإنجاز تنفيذا لتوجيهات الرئيس تبون، وفي إطار المتابعة المستمرة لتنفيذ وإنجاز الاستثمارات الاستراتيجية الممولة من طرف الصندوق الوطني للاستثمار، وقد شارك المدير العام السيد صالح لعبني في مراسم توقيع الحزمة الثانية من عقود المرحلة الأولى من مشروع "بلدنا" الجزائر.

وتضمنت العقود المبرمة مع عدة شركات وطنية تجسيدا لمبدأ إشراك المتعاملين في تنفيذ وإنجاز هذه المشاريع، ما يسمح لها بكسب مهارات عملية وأنظمة حديثة في التسيير وإدارة هذه المشاريع وتوظيف يد عاملة جزائرية.

وتعتبر هذه المساهمة، حسب مسؤولي الصندوق الوطني للاستثمار، دليلا حيا على تنوع الشراكات التي تصنع مستقبلنا الاقتصادي، بل يمتد إلى نقل التكنولوجيا والمعرفة وخبرة الإدارة الاحترافية في تربية الثروة الحيوانية.

ويعد هذا الجانب من أهم مرتكزات التنمية الوطنية، إذ أن الاستثمار الأجنبي الحقيقي ليس فقط في تدفق السلع، بل في تدفق المعرفة والخبرات التي ترفع من قدرة الكوادر الجزائرية. ويتجلى الاندماج الوطني من خلال توظيف المقاولات الجزائرية، واستثمار طاقاتها، وصقل خبراتها من خلال مشاريع تدار وفق معايير دولية، ما يخلق نوعا من "الاندماج الذكي" بين الخبرة الأجنبية والقدرات المحلية.