اقتصاد

سعر النفط الجزائري يستفيد من صدمة السوق العالمية

حسب تقرير منظمة "أوبك" حول سوق البترول خلال شهر مارس.

  • 1912
  • 4:55 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

أصدرت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) تقريرها الدوري عن سوق النفط، والذي كشف عن تطورات استثنائية وغير مسبوقة في أسواق النفط العالمية خلال شهر مارس الماضي، حيث تضمن التقرير أرقاماً تعكس صدمة عرض نتيجة انخفاضات حادة في إنتاج كبار المنتجين، مقابل استقرار لافت في إمدادات بعض الدول الأخرى، تتصدرها الجزائر التي أثبتت متانة قطاعها النفطي وقدرته على الصمود في وجه الاضطرابات الإقليمية والدولية.

وقد شهدت أسعار النفط الخام في مارس 2026 واحدة من أكبر القفزات الشهرية، فقد ارتفع متوسط قيمة سلة خامات أوبك المرجعية (ORB) بمقدار 48.46 دولاراً أمريكياً للبرميل على أساس شهري، ليصل إلى 116.36 دولاراً للبرميل، مقارنة بـ67.90 دولاراً فقط في فبراير 2026، فيما قدر متوسط سعر خام مزيج الصحراء الجزائري "صحارى بلند" للثلاثي الأول من 2026 بـ82.34 دولارا للبرميل مقابل 76.45 دولارا في 2025، بفارق 5.89 دولار، مع تسجيل 104.24 دولار في شهر مارس.

وأبرز تقرير أوبك الأخير استقرار الجزائر، فبينما تراجع إنتاج جيرانها وكبار منتجي المنظمة، حافظت الجزائر على إنتاجها عند مستوياته المرتفعة دون أي تراجع ووفقاً لبيانات التقرير، سجل إنتاج الجزائر من النفط الخام في مارس 2026 مستوى 973 ألف برميل يومياً، مقابل 974 ألف برميل يومياً شهر فيفري، وهو تغير هامشي مقارنة بالتراجع المعتبر الذي شهدته دول أخرى.

ويأتي هذا الاستقرار اللافت في سياق اتجاه تصاعدي واضح للإنتاج الجزائري، حيث بلغ متوسط الإنتاج في الربع الأول من عام 2026 نحو 971 ألف برميل يومياً، وهو مستوى يفوق متوسط عام 2025 البالغ 934 ألف برميل يومياً بفارق 39 ألف برميل يومياً، ويزيد عن متوسط عام 2024 البالغ 905 آلاف برميل يومياً بنحو 68 ألف برميل يومياً، مما يؤكد قدرة الجزائر على زيادة طاقتها الإنتاجية تدريجياً والوفاء بالتزاماتها التعاقدية دون انقطاع.

وعلى صعيد الأسعار، استفاد خام "صحارى بلند" الجزائري، وهو أحد الخامات المرجعية الخفيفة عالية الجودة التي تلقى رواجاً في الأسواق الأوروبية، من الموجة الصعودية ليسجل 104.24 دولاراً للبرميل في مارس 2026، بزيادة شهرية قدرها 30.65 دولاراً، مما يضع الخام الجزائري عند مستويات سعرية عالية تضمن عائدات معتبرة للخزينة العمومية وتعزز القدرة المالية للدولة على تمويل مشاريع التنمية الداخلية ودعم الاحتياطيات الوطنية.

ويكتسب هذا الأداء المستقر للقطاع النفطي الجزائري أهمية إستراتيجية مضاعفة في ظل الظروف الراهنة، فهو يضمن إمدادات مستقرة وموثوقة للأسواق الأوروبية التي تعتمد بشكل متزايد على الغاز والنفط الجزائريين في ظل اضطرابات الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط، كما يعزز المصداقية الدولية للجزائر كشريك طاقوي موثوق يفي بالتزاماته التعاقدية حتى في الظروف الاستثنائية، ويوفر عائدات مالية تمكن البلاد من تعزيز مركزها المالي ومواصلة مسار التنمية الاقتصادية.

في مقابل هذا الاستقرار الجزائري، شهدت أسعار النفط الخام في مارس 2026 واحدة من أكبر القفزات الشهرية، فقد ارتفع متوسط قيمة سلة خامات أوبك المرجعية بمقدار 48.46 دولاراً أمريكياً للبرميل على أساس شهري، ليصل إلى 116.36 دولاراً للبرميل، مقارنة بـ67.90 دولاراً فقط في فبراير 2026، وامتدت موجة الصعود إلى مختلف الخامات القياسية العالمية، حيث ارتفع خام برنت (عقد أقرب استحقاق) بمقدار 30.23 دولاراً ليبلغ متوسطه 99.60 دولاراً للبرميل، وصعد خام غرب تكساس الوسيط بمقدار 26.48 دولاراً ليصل إلى 91.00 دولاراً للبرميل، وقفز خام عُمان في بورصة دبي للطاقة بمقدار 56.14 دولاراً ليبلغ 124.56 دولاراً للبرميل.

وعلى صعيد فروقات الأسعار، اتسع الفارق بين خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بمقدار 3.75 دولاراً ليبلغ 8.60 دولاراً في المتوسط.

وتكمن الصدمة في جانب العرض، حيث انخفض إجمالي إنتاج الدول المشاركة في "إعلان التعاون"(DoC)  بمقدار بلغ 7.70 مليون برميل يومياً على أساس شهري، ليصل إلى 35.06 مليون برميل يومياً فقط في مارس 2026، وهو أدنى مستوى جماعي لهذه المجموعة منذ سنوات طويلة. وقد تركز الانهيار بشكل شبه كامل في دول أوبك، التي تراجع إنتاجها بمقدار 7.878 مليون برميل يومياً ليصل إلى 20.788 مليون برميل يومياً، بينما ارتفع إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك المشاركة في الإعلان بمقدار 176 ألف برميل يومياً فقط.

وكانت أبرز الانخفاضات من نصيب العراق الذي انخفض إنتاجه من 4.188 مليون برميل يومياً في فبراير إلى 1.625 مليون برميل يومياً فقط في مارس بتراجع قدره 2.563 مليون برميل يومياً، والسعودية التي انخفض إنتاجها بمقدار 2.314 مليون برميل يومياً ليصل إلى 7.799 مليون برميل يومياً، والإمارات التي فقدت 1.527 مليون برميل يومياً ليصل إنتاجها إلى 1.892 مليون برميل يومياً، والكويت التي تراجع إنتاجها بمقدار 1.369 مليون برميل يومياً إلى 1.213 مليون برميل يومياً، وإيران التي انخفض إنتاجها 182 ألف برميل يومياً إلى 3.060 مليون برميل يومياً.

سوق منتجات مكرّرة بهوامش تكرير قياسية

وعلى صعيد المنتجات المكررة، أفاد التقرير بأن هوامش التكرير ارتفعت في جميع المناطق الرئيسية خلال مارس 2026، ويعود ذلك إلى الانخفاض الحاد في إنتاج المنتجات المكررة نتيجة نقص الخام المغذي للمصافي وارتفاع فروقات أسعار نواتج التقطير المتوسطة مثل الديزل ووقود الطائرات إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات، واضطرابات تدفقات التجارة وقيود تشغيل المصافي شرق قناة السويس التي تزامنت مع موسم الصيانة الثقيلة.

وقد سجلت هوامش التكرير في خليج المكسيك الأمريكي مكاسب شاملة على كافة المنتجات، بينما شهدت سنغافورة خسائر في معظم المنتجات باستثناء نواتج التقطير المتوسطة، وذلك بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الخام الذي حد من أي تحسن إضافي في اقتصاديات التكرير الآسيوية.

وعلى الرغم من الاضطرابات في سوق النفط، أبقت أوبك على توقعاتها للنمو الاقتصادي العالمي دون تغيير عن تقييم الشهر الماضي، حيث يتوقع أن يبلغ النمو العالمي 3.1% لعام 2026 و3.2% لعام 2027، وأن تحقق الولايات المتحدة نمواً بنسبة 2.2% في 2026 و2.0% في 2027، منطقة اليورو 1.2% لكلا العامين، الصين 4.5% لكلا العامين، والهند 6.6% في 2026 و6.5% في 2027.

وبالنسبة للطلب العالمي على النفط، أبقت المنظمة على توقعاتها بنمو صحي يبلغ 1.4 مليون برميل يومياً في عام 2026 على أساس سنوي، على أن ينمو الطلب بنحو 1.3 مليون برميل يومياً في عام 2027، ويتركز النمو بشكل شبه كامل في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  (Non-OECD)، حيث من المتوقع أن تنمو بنحو 1.3 مليون برميل يومياً في 2026 و1.2 مليون برميل يومياً في 2027، بينما يظل نمو الطلب في دول OECD هامشياً عند 0.1 مليون برميل يومياً.

ومع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي وتوقعات بارتفاع الطلب العالمي على النفط خلال صيف 2026، فمن المرجح أن تبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة للغاية، مما سيخلف تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي وميزان القوى في أسواق الطاقة، وستكون قدرة المنتجين المستقرين مثل الجزائر على الحفاظ على مستويات إنتاجهم وتعزيزها عاملاً في تخفيف حدة هذه الأزمة وتأمين إمدادات الطاقة للأسواق.