اقتصاد

"نموذج المشاركة والتكنولوجيا مفتاح ثورة التوصيل الجواري في الجزائر"

مدير عام شركة Near Delivery فرج الله بن عيسى في حوار ل "الخبر":

  • 88
  • 7:39 دقيقة
الصورة: حمزة كالي (الخبر)
الصورة: حمزة كالي (الخبر)

حاوره حفيظ. صواليلي

يشهد قطاع التجارة الإلكترونية في الجزائر تحولات نوعية متسارعة، تواكبها حاجة متزايدة إلى حلول لوجستية مبتكرة تتجاوز أنماط التوصيل التقليدية. في هذا السياق، برزت شركة Near Delivery كنموذج واعد يجمع بين التكنولوجيا والشراكات الذكية، معتمدة على شبكة توزيع الصحف الوطنية لتقديم خدمة "التسليم الجواري" (stop-desk) التي تمنح الزبائن حرية أكبر في استلام طلباتهم. "الخبر" التقت بمديرها العام، فرج الله بن عيسى، للتعمق في فلسفة هذا النموذج، آلياته، وتحدياته، ورؤيته لمستقبل اللوجستيك في الجزائر.

بداية، Near Delivery مفهوم جديد في السوق الجزائرية  كيف تقدّمون الشركة، وما هي رؤيتها في خريطة اللوجستيك والتجارة الإلكترونية؟

Near Delivery هي في الأساس شركة تكنولوجية تقدم خدمة توصيل تكميلية لما هو موجود حالياً في السوق، نحن لا ندعي أننا نخترع خدمة "نقطة التوصيل" (stop-desk)، فهي موجودة عالمياً، لكننا نقدمها كحل إضافي يمنح الزبون حرية أكبر وتحكماً أفضل في طلباته.

الرؤية تنطلق من أن التوصيل إلى المنزل، رغم نجاحه طيلة السنوات الماضية، بدأ يفرض قيوداً على الزبائن. المستهلك اليوم مقيد بجدوله الزمني، ينتظر في المنزل، قد يضطر لتغيير مواعيده، وهذا لا يتناسب مع تعقيدات الحياة الحديثة، خاصة مع تزايد الازدحام المروري. هدفنا هو تحرير الزبون، وإعطاؤه القدرة على استلام شحنته في الوقت والمكان الذي يناسبه، عبر شبكة واسعة من نقاط التوصيل القريبة منه.

ما الذي يميز نموذج التسليم الجواري لـ Near Delivery عن الأنماط الأخرى مثل التوصيل المباشر إلى الباب أو الشحن البري عن بعد؟

السر يكمن في نموذج العمل القائم على المشاركة (mutualisation). لماذا لم يظهر هذا النموذج في الجزائر قبل اليوم؟ لأن إنشاء نقاط توصيل تقليدية يتطلب تكاليف لوجستية هائلة. الحل الذي اعتمدناه هو الاستناد إلى شبكة قائمة بالفعل، وهي شبكة توزيع الصحف الوطنية، عبر شراكتنا مع "الخبر".

نحن نستخدم البنية التحتية القائمة: مراكز التوزيع، الناقلين، ونقاط البيع (الباعة). فبدلاً من إنشاء شبكة موازية، نحن نتشارك التكاليف مع نموذج قائم. هذا يمنحنا ميزة السرعة في الانتشار، لأن البقال أو بائع الصحف هو شريك موجود أصلاً، ويحصل على دخل إضافي من خلال التعامل مع الشحنات. كما أن هذا النموذج يخفض التكلفة بشكل كبير، مما ينعكس إيجاباً على أسعار التوصيل التي نقدمها.

سنعتمد على نموذج المشاركة (المُوَارَدَة) ، أي سنستند إلى نموذج قائم بالفعل، وسنستخدمه لنشر النموذج الذي نقدمه، فما الذي سيكسبه المواطن من ذلك؟ انتشارًا سريعًا للخدمة، وجود بائع صحف على مقربة منه. وعلى عكس النموذج الموجود حاليًا، وهو نموذج مكلف، فإن ما يُسمى "نقطة التوصيل" (stop-desk) هو نموذج يتطلب عددًا كبيرًا من العمال، لأنه نموذج حصري (exclusif).

هذا النموذج ليس نموذج "تقسيم الإيرادات" (revenu sharing) أو تشارك الأعباء، بل هو نموذج قائم على العائد الحصري. بمعنى أنك توفر العمال، وتوكل إليهم مهمة توصيل الطرود، لكن بالمقابل، عندما تتعامل مع شخص يبيع الصحف والعطور، فإنك لا تتعامل معه بنفس الطريقة، بل تشاركه الأعباء، وتوفر له مصدر دخل إضافي. وهذا ما منحنا أيضًا ميزة تنافسية من حيث الأسعار، لأن أسعارنا تنافسية للغاية.

كيف يتم تنظيم شبكة نقاط الاستلام والتسليم (pick-up/drop-off) على المستوى الوطني؟ وما هو دور شركائكم التقليديين في هذه السلسلة؟

هناك نقاط، ما يُسمى بنقاط الإيداع (points de chute) ونقاط التوزيع الوسيطة (points de relais)وكذلك نقاط التوزيع. لشرح ذلك، يجب العودة إلى النموذج الحالي لتوزيع الصحف، بدءًا من إنشاء الصحيفة وإنتاجها وطباعتها وصولًا إلى توزيعها. لا بد من معرفة أن من أنجح النماذج في العالم من حيث اللوجستيك هو توزيع الصحف ،لماذا؟ لأنه يتسم بصرامة كبيرة، ويُحترم فيها عامل الوقت بشكل استثنائي. لأنه إذا لم تُوزع الصحيفة في وقت محدد، فإنها تفقد قيمتها، إذ تكون المعلومات قد نُشرت بالفعل. اليوم، تعتمد الصحيفة بشكل كبير على الصرامة. هذه خاصية لا بد من توفرها في مجال اللوجستيك.ما يهم اليوم هو اللوجستيك. فاللوجستيك، إن لم تكن صارمة، تكون مكلفة. لذلك نحن اليوم نعتمد على هذا الأساس.

لقد استفدنا من نموذج ناجح للغاية في العالم هو توزيع الصحف، الذي يتميز بالصرامة والالتزام بالوقت. فالجريدة تفقد قيمتها إذا لم تصل في موعدها المحدد. هذا المبدأ هو جوهر اللوجستيك الفعال.

• المرحلة الأولى (مراكز التوزيع): استفدنا من مراكز الطباعة والتوزيع التابعة لشريكنا. فالتحضير لتوزيع الصحف (الفرز، التغليف، التتبع) يشبه إلى حد كبير تحضير الطرود. الموظفون هناك يمتلكون خبرة تمتد لثلاثين عاماً في هذا المجال، مما قلل الحاجة إلى تكوين إضافي، واقتصر دورنا على توفير الأدوات التكنولوجية للتتبع.

• المرحلة الثانية (النقل): الناقلون الذين يوزعون الصحف يستيقظون في الثالثة أو الرابعة فجراً لضمان وصول الجريدة قبل السادسة صباحاً. هذا الالتزام بالمواعيد نستفيد منه لتوصيل الطرود بنفس الصرامة.

• المرحلة الثالثة (نقاط البيع): استفدنا من تجربة شريكنا "الخبر" في تأهيل شبكة من الباعة الذين اعتادوا على إدارة عمليات البيع والاسترجاع واستلام الأموال. قمنا بإضافة خدمة الطرود كنشاط تكميلي لهم.

هناك تحديات يومية مثل التأخير، الازدحام، صعوبة الوصول، أو المرتجعات. كيف تعالج Near Delivery هذه الإشكاليات؟

 هناك نوعان من التحديات: تحديات تعالجها الكفاءة اللوجستية، وأخرى مرتبطة بالثقافة والسلوك.

بالنسبة للتحديات اللوجستية، نموذج نقاط التوصيل (stop-desk) نفسه هو جزء من الحل. فمعدل نجاح التسليم في نقطة ثابتة (مثل بائع الصحف) أعلى بكثير من التوصيل إلى المنزل، حيث يضيع الوقت في البحث عن العناوين المعقدة أو انتظار غياب الزبون. نمنح الزبون مهلة 5 أيام لاستلام الشحنة، مما يمنحه حرية كبيرة ولا يجبره على البقاء في المنزل.

أما التحدي الأكبر فهو ثقافة الدفع عند الاستلام (cash delivery)، والتي تسمح للزبون بعدم الجدية في طلبه، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الإرجاع ويضاعف التكاليف اللوجستية. الحل الأمثل هو الدفع الإلكتروني. عندما يدفع الزبون مسبقاً، يصبح أكثر التزاماً بطلبته. نشجع على هذا التوجه، ونرى أن الدولة قطعت أشواطاً في هذا المجال، وهو ما سينعكس إيجاباً على قطاع التوصيل برمته.

ما هي المعايير التي تعتمدونها لتقييم سرعة التسليم ورضا العملاء؟ وهل هناك مؤشرات أداء (KPIs) معتمدة؟

نعتمد في تقييمنا على عدة مستويات:

1- المعايير الدولية: نطبق معايير الجودة العالمية لنموذج "نقاط التوصيل"، حتى وإن لم يكن السوق المحلي قد اعتاد عليها بعد. على سبيل المثال، نضع لأنفسنا هدفاً بتسليم الطرد خلال 12 ساعة، رغم أن هذا قد لا يكون طلباً ملحاً حالياً، لأننا نؤمن بأن الثقافة يجب أن تتطور نحو الأفضل.

2- تقييم الزبون غير المباشر: المؤشر الأهم هو سلوك الزبون نفسه. هل يعود للتسوق مجدداً؟ هل يطلب توصيله إلى نفس النقطة؟ هذا يعكس مستوى رضاه.

3- تقييم التاجر الإلكتروني: في نهاية كل دورة، نجتمع مع شركائنا التجار الإلكترونيين، ونتلقى تقييماتهم حول جودة الخدمة، ومعدلات الإرجاع، ونقوم بتحليل البيانات معاً لوضع خطط تحسين مستمرة.

هل تستخدمون تقنيات تتبع في الزمن الحقيقي (real-time tracking) وتطبيقات خاصة بالعملاء والتجار؟

التتبع في الزمن الحقيقي ليس دائماً ضرورياً لمعظم أنواع الشحنات، فهو يتطلب تركيب أجهزة آلية مكلفة. لكننا طورنا منصة تتبع متكاملة توفر المعلومات الأكثر أهمية لكل من التاجر والمستهلك.

من خلال موقعنا الإلكتروني، يمكن إدخال رمز الشحنة ومعرفة مكان وصولها. والأهم من ذلك، فور وصول الطرد إلى نقطة البيع، نرسل للزبون رسالة نصية (SMS) تحتوي على رقم التتبع ورمز سري. هذا الرمز السري هو المفتاح الذي يقدمه الزبون للبائع لاستلام الشحنة، مما يضمن عملية استلام آمنة وسلسة.

ماذا يحدث في حال تأخر الشحنة أو فقدانها؟ كيف تطبقون آلية التعويض؟

لدينا آلية تعويض واضحة. نمنح الزبون خيار التأمين على شحنته مقابل مبلغ إضافي بسيط. عند فقدان أو تلف الشحنة المؤمن عليها، يتم تعويضها بنسبة 100%.

لكن من ناحية أخرى، نموذجنا يقلل من هذه المخاطر. فالشحنة تكون ثابتة في نقاط التوزيع معظم الوقت، وتنتقل بسرعة بين النقاط. كلما كان العنصر أقل حركة، قل تعرضه لخطر التلف أو الضياع. هذا جزء من فلسفتنا في إدارة المخاطر.

ما هي أنواع الشراكات التي أبرمتموها حتى الآن مع المتاجر الإلكترونية أو العلامات التجارية أو الشركات؟

نحن في طور إنهاء شراكات مع فاعلين رئيسيين في السوق، خاصة في قطاعات النسيج، المكملات الغذائية، واللوازم المكتبية. تعاوننا مع الشركاء لا يقتصر على النقل فقط، بل يمتد إلى التطوير التقني.

على سبيل المثال، واجهتنا شركة مختصة في بيع الملابس بمشكلة معقدة تتعلق بعملية الاستبدال، حيث يريد الزبون تجربة منتج واستبداله بآخر. إدارة هذه العملية لوجستياً وتقنياً معقدة للغاية. بسبب قربنا من الزبون، قمنا بتطوير أدوات تقنية خصيصاً لحل هذه الإشكالية، مما أظهر مرونة كبيرة في التكيف مع احتياجات السوق.

كيف يتم تحديد الأسعار؟ هل هي ثابتة أم مرنة حسب المسافة أو الحجم؟

نحن نتميز بتقديم تعريفة واحدة (flat rate) تغطي كامل المنطقة الشمالية للبلاد. نحن من بين الشركات التي تقدم أقل أسعار التوصيل في السوق.

هذه الميزة مهمة جداً للتاجر الإلكتروني، لأنه يحتاج إلى معرفة التكلفة الثابتة لتوصيل كل شحنة بشكل مسبق، ليدرجها في نموذج أعماله بسهولة. إذا كان السعر يتغير حسب المسافة أو الحجم، يصبح حساب التكاليف معقداً ويخلق حالة من عدم اليقين، وهذا ما نسعى لتجنبه من خلال نموذج التسعير الموحد.

ما هي الرسالة التي تود توجيهها للقراء والمتعاملين في قطاع التجارة الإلكترونية، خاصة فيما يتعلق برؤية Near Delivery ودورها في السوق؟

أود التأكيد على نقطة أساسية، وهي أن Near Delivery لا تأتي لتكون  فاعلا منافساً أو بديلاً عما هو موجود، بل هي فاعل مكمل (acteur complémentaire) في السوق. نحن نقدر عالياً كل الجهود التي بذلها رواد قطاع التوصيل والتجارة الإلكترونية في الجزائر، الذين تحلوا بالشجاعة لخوض هذا المجال وفتح الطريق أمامنا. هم من أسسوا الطريق، ونحن اليوم نحاول أن نضيف حلقة جديدة تكمل المسار.

نحن نؤمن بأن نجاح هذا القطاع يعتمد على نظام بيئي متكامل (écosystème) يقوم على ثلاثة أطراف رئيسية: التاجر الإلكتروني، شركة التوصيل، والمستهلك المواطن. إذا تخلف أي طرف عن أداء دوره بوعي ومسؤولية، فإن وتيرة التطور ستتباطأ.

أما بالنسبة لنا، فنحن نتحمل أيضاً مسؤولية اجتماعية، وهي المساهمة في دفع قطاع التجارة الإلكترونية نحو الأمام، وتقديم حلول تعالج بعض الإشكاليات التي كانت قائمة، مثل مرونة مواعيد التسليم، وتوسيع خيارات استلام الشحنات، ودعم أنماط الدفع الجديدة. نحن منفتحون للتعاون مع جميع شركات التوصيل الأخرى، لأن نجاح أي نموذج جديد هو نجاح للسوق بأكمله.

وفي النهاية، نحن نعمل من أجل تثبيت ثقافة جديدة تقوم على التكامل والثقة، وبما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز التحول الرقمي في البلاد.