اسلاميات

أخطار تهدّد مجتمعنا: الانحلال الأخلاقي وظهور الفجور

إن مظاهر الانحلال الأخلاقي التي تحاصرنا نذير شؤوم

  • 20
  • 3:47 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

هناك أمم أبادتها قوارع مدوية: فيضان، زلزال، عاصفة، بركان، حروب مدمرة، بيد أن كثيرا من الأمم كان هلاكها بألغام صامتة تنشأ وتتكاثر في مجتمعها بهدوء أو بصخب، ثم تهلك هذه الأمم التي تظهر فيها تدريجيا، حتى تذوي شجرتها، وتنهار نهائيا شيئا فشيئا.

هذه الألغام هي الفواحش والمعاصي الناتجة عن الانحلال الأخلاقي، وظهور الفجور وعلو أهله، هذا ما حدث لكثير من الإمبراطوريات العظمى في التاريخ، وهذا ما حدث لكثير من الدول الكبرى في القديم والحديث، وهذا ما تومئ إليه آيات قرآنية كثيرة، كقوله جل شأنه: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} سورة الأنعام:6، {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من واق} سورة غافر:21، وكلمة ذنوبهم في الآيتين تشمل أنواعا من المعاصي والشرور، من الكفر بالله تعالى، وتكذيب الرسل، ومعاندة الحق، والظلم والاستكبار والتعدي على حقوق الخلق، ومنها بلا شك ولا ريب: الإسراف في الفسوق والفجور. وهذا التقرير الرباني لا يتقبله المتغربون والحداثيون الذين يريدون جرّ الأمة إلى الحضيض البهيمي الذي وصل إليه الغرب، تحت شعارات براقة جوفاء، خداعة بلهاء كالتطور والحرية والتقدم (والتحضر)، وغيرها من المصطلحات التي يلوكها قطيع التغريبين والحداثيين عندنا. مع أن تاريخ الدول والأمم أكبر شاهد على تلك الحقيقة القرآنية.

يقول ول ديوارنت في بيانه لسبب سقوط إمبراطورية الفرس والرومان في كتابه الشهير ((قصة الحضارة)): “وأهمل الأباطرة شؤون الحرب، وانغمسوا في الشهوات، وتردت الأمة في مهاوي الجمود والفساد. ويكاد اضمحلال فارس أن يكون في جملته وتفاصيله صورة معجلة من سقوط روما؛ فقد اقترن فيه عنف الأباطرة وإهمالهم بفساد أخلاق الشعب وانحلالهم”، وما يقرره القرآن العظيم هو الحق المطلق البين، لا يحتاج لشهادة ديورانت ولا غيره، ولكن ماذا نفعل مع المتغربين والحداثيين وهم لا يؤمنون إلا بما يقولوه (القاوري)؟!
إن من سنن الله تعالى الغالبة القاهرة ما قررته الآية الكريمة: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرنها تدميرا} سورة الإسراء:16، فهلاك الأمم والدول يمرّ عن طريق الفسوق، الذي يمر هو الآخر عن طريق الترف، ذلك أّن ظهور الفجور والفسوق في مجتمع ما، وشيوع الترف وما يؤدي إليه من سرف، تقتل في الناس الفضائل، وتنشر بينهم الرذائل، فتذهب رجولة الرجال بسبب الخنوثة، ويذهب حياء النساء بسبب الاسترجال، ويذهب مع ذلك الغيرة على الأعراض، وتضمحل أخلاق المروءة والكرامة والعزة والإباء والرحمة، خاصة بين الشباب، الذي يصير عبدا لشهواته، ولا غاية له في الحياة إلا العب من الملذات، مُنَعَّما مُتْرفا، يضيع وقته في سفاسف الأمور، ولا ترتفع همته للعظائم، فلا يبني بلدا في حال السلم، ولن يحمي وطنا في حال الحرب!. يقول ديوارنت مرة أخرى متحدثا عن دمار روما وسقوطها: “وقصارى القول: إن روما لم يغلبها على أمرها غزو البرابرة لها من خارجها بل غلبها تكاثر البرابرة في داخلها. وعجل الفساد الخلقي هذا الانحلال. ذلك أن صفات الرجولة التي نشأت من بساطة العيش وتحمل المشاق ودعمها إيمان قوي، نقول: إن هذه الصفات قد أضعفها بهرج الثروة وحرية عدم الإيمان. فقد أوتي الناس من أهل الطبقتين الوسطى والعليا في ذلك الوقت الوسائل التي يتمكنون بها من إرضاء شهواتهم والخضوع لما يحط بهم من غوايات”.

ومن لطيف ما ذكره أيضا في كلامه عن سقوط بابل وهو يصف شبابها: “فكان الشبان يصبغون شعرهم ويقصونه، ويعطرون أجسامهم، ويحمّرون خدودهم، ويزيّنون أنفسهم بالعقود والأساور، والأقراط، والقلائد”؛ وكأنه يصف بعض شبابنا اليوم، وهم يذرعون الطرقات في رقة ولطف، وقد غرقوا في عبادة أجسادهم ومظهرهم، فهما مبلغهم في هذه الحياة.

إن مظاهر الانحلال الأخلاقي التي تحاصرنا نذير شؤوم، وإن البرامج التي توصف بأنها ثقافية أو فنية وما هي إلا برامج لحرب الحياء، وتعزيز الانحلال الأخلاقي، وإذاعة العري والفسق، وتغيير قيم الحياء والإيمان، ونشر مبادئ التحرر المتفلت من الشرع والقيم والأخلاق في مجتمعنا، ولا نتيجة لها إلا القتل البطيء لكل مقومات القوة في الأمة، والأمر العجاب أنها تمول بمال الأمة!، وترصد لها ميزانيات ضخمة يبخل بمثلها على الأمور الجادة والنافعة والبانية لمجد الأمة.

وإن انجذاب الناس للنشاطات اللاأخلاقية، والفعاليات التي تغذي الانحلال الأخلاقي، وتبح فيها العفة والحياء والغيرة ذبحا، هو مؤشر خطير يجب على أهل الرأي والفكر والثقافة أن يكثفوا جهودهم ويتكاتفوا متعاونين لكبحه وإصلاحه، وفضح الداعين له والداعمين له من عبّاد الغرب ومرتزقته؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حمئة الانحلال الأخلاقي والرذائل، والفسوق والفجور. ولنا في الغرب عبرة، فقد سار في طريق الانحلال الأخلاقي خطوة خطوة، إلى أن وصل إلى قاع الحضيض، إذ صارت أكثر مواليدهم خارج إطار الأسرة، وصار الرجل يتزوج الرجل والمرأة تتزوج المرأة، فهل يريد التغريبيون والحداثيون لنا أن نصل إلى هذا الدرك النتن؟! بعد أن أكرمنا الله بالإسلام: {لقد خلقنا الإنسان في أحسنِ تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} سورة التين:4-6.

إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة