اسلاميات

استشهد صوت المقاومة... ولن تموت المقاومة

المقاومة حق ثابت حتى تعود الأرض لأهلها، ويُطرد المعتدون وإن طال مكثهم

  • 106
  • 4:50 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

حين مات سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصاب الصحابة ما أصابهم من هول الصدمة، حتى أن سيدنا عمر رضي الله عنه قام فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد توفي، وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مات. وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فقال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية: ”وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين”.
فرجع للصحابة الكرام أنفسهم ووعيهم واستوعبوا الصدمة، وانطلقوا يواصلون المسير حتى بلغ الإسلام المشارق والمغارب، وهكذا الحال مع المقاومة الإسلامية المباركة على أرض فلسطين المباركة، ستستمر وإن استشهد صوتها الشجي ورمزها الملثم، الذي لم يعرف الناس وجهه، ولكن لامس صوتُه الصادق شغاف قلوبهم، فتشربوا خطاباته الفريدة حبا له، وإيمانا بحق فلسطين الخالد، وصمودا على خط المقاومة والجهاد والاستشهاد، وجعلوا من صورته رمزا يغيظ الكفار والمحتلين والمتخاذلين، يهيم به الأطفال قبل الكبار، ويُرفع في ملاعب كرة القدم كما يرفع في مسيرات الأمم، بل يرفعه نساء الأوروبيين ورجالهم قبل أن ترفعه المسلمات والمسلمين...
إن المقاومة حق ثابت حتى تعود الأرض لأهلها، ويُطرد المعتدون وإن طال مكثهم، وإن الجهاد روح تسري في هذه الأمة، غرسته فيها وتغذيه آيات الذكر الحكيم، وأحاديث النبي المجاهد الشهيد عليه السلام وتقويه قصص البطولة والفداء من بدر إلى طوفان الأقصى: ”والجهاد ‌ماضٍ ‌إلى يوم القيامة، مُذ بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلم إلى آخر عصابة من المسلمين، لا ينقض ذلك جور جائر، ولا عدل عادل” رواه الطبراني.
وفي تاريخ الجزائر عبرة، فقد مات واستشهد أبطال وقادة المقاومات الشعبية واحدا تلو الآخر، منذ وطئت أقدام الكفر والبغي الفرنسي أرضنا حتى بدايات القرن العشرين، والمقاومات الشعبية مستمرة، تهدأ هنا لتنفجر بالعز هناك وهنالك، ورجالها ونساؤها يستشهدون واحدا إثر واحد، ثم ماذا؟ ورثنا نحن الجزائريين روح المقاومة والجهاد جيلا فجيلا، وتشربّنا معاني الرجولة والبطولة خالفا عن سالف، حتى جاء الجيل الفريد، جيل نوفمبر الخالد، فلقّن فرنسا المجرمة والحلف الأطلسي الإرهابي دروس التاريخ، وأفهم الأمم أن الشعوب لا تموت، وأن الشهداء لا يذهب دمهم هدرا ولا سدى، بل هو سقي للنفوس، وسقي للعزة، وسقي للرجولة، وسقي للحرية، ووقود يمد المقاومة والثورة حتى النصر، وهكذا الحال مع فلسطين الحبيبة، هي تقدم الثمن الغالي لتحقيق الهدف العالي، وإنه لأقرب مما نتصور: ”ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا”.
ولقد استشهد قبل أبا عبيدة الكثير من القادة والمجاهدين، فكان ماذا؟، كان أن تحوّل استشهادهم مدرسة يتربّى عليها الأجيال من الرجال والأبطال، استشهد القسام فصار مدرسة واستشهد حسن البنا فصار مدرسة، واستشهد أحمد ياسين فصار مدرسة واستشهد يحيى عياش فصار مدرسة، واستشهد فتحي الشقاقي فصار مدرسة، واستشهد السنوار فصار مدرسة، واستشهد كثيرون فصاروا مدارسا ودروسا، واستشهد أبو عبيدة وقد كان مدرسة، وسيبقى مدرسة، ولا نامت أعين الجبناء.
نعم إن ما يؤلم في فقد أبي عبيدة وإخوان الصدق من رجال حماس والقسام والجهاد وباقي فصائل المقاومة هو أننا نفقد الرجال في زمن عز فيه الرجال، في وقت الأمة أحوج ما تكون فيه إلى الرجال، وهي تئن وتشتكي من غلبة أشباه الرجال في كل الميادين، وصناعة رجل بحق تحتاج جهودا وبذلا، فكيف بجيل من الرجال الأفذاذ؟، وكيف الحال والأثر حين يفقد هذا الجيل من رجال الله في وقت قصير؟، كيف والأمة لاهية لاغية عابثة، لا تتألم للفقد، ولا تدرك الحال ولا المآل لفقد هؤلاء الأخيار الأطهار في هذا الزمن المفصلي الذي تمرّ به الأمة والبشرية؟
إن ما يؤلم في فقد أبي عبيدة وإخوان الصدق من المجاهدين هو أنهم استشهدوا في ظل خذلان الأمة لهم، صُمّت آذانُها عن سماع خطاباتهم وشكواهم، وفي ظل اصطفافها مع الصهاينة والأعداء من أمريكان دعما وتواطأ وتآمرا على المقاومة، وإن أكبر درس يجب أن تحفظه الأمة من ملحمة طوفان الأقصى وشهدائها الشموسِ النيرة: أن العدو مهما بلغت قوته وسلاحه فهو ضعيف دون مساعدة الخونة له. فقد عجز العدو عجزا مذلًا عن افتكاك أسير واحد من يد الأبطال، وفشل في الوصول إليهم إلا عن طريق التفاوض كما أكد الملثم في خطاباته، رغم كل القوة والتكنولوجيا، ورغم دعم كل مخابرات العالم حتى الدول العربية، ولكنه استطاع أن يغتال قادة الجهاد واحدا تلو آخر بسبب الخونة الموجودين في أرض غزة ولبنان، ”اللهم إلا السنوار رحمه الله الذي استشهد عرضا” وما قدموه له من معلومات دقيقة عن تحرك المجاهدين والقادة، إضافة طبعا لخيانة المسؤولين العرب المعلومين، من الذين تخندقوا مع الكيان الصهيوني من أول يوم، وهذا درس بليغ للأمة أن تقوية الصف الداخلي وقمع الخونة والخيانة والحركى من أهم عوامل الانتصار على العدو الخارجي في كل زمان، ويجب على كل مسلم العمل على جهاد الخونة والحركى في كل زمان وفي كل مكان، ”هم العدو فٱحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون”.
إن الملثم رحمه الله نال ما تمناه، فطال ما ردد مع إخوانه: الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، وقد حقّق الله له مُناه لصدقه، فمن ”صدَق الله صدقَه” رواه النسائي والحاكم. نحسبه كذلك ولا نزكي أحدا على الله، وكما بدأنا بموقف الصحب الكرام مع وفاة النبي الكريم صلّى الله عليه وسلم، أختم بموقفهم مع إشاعة استشهاده في غزوة أحد، فقد ”انتهى أنس بن النضر رضي الله عنه وهو في ميدان المعركة إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟، قوموا فموتوا ‌على ‌ما ‌مات ‌عليه ‌رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل” رواه البيهقي.
وهكذا سيكون شعار أجيال فلسطين والأمة القادمة: قوموا فموتوا على ما مات عليه الملثم وإخوانه، فهو طريق الإيمان، وطريق الرجولة، وطريق العزة، الذي يوصلنا إلى الصلاة في باحات المسجد الأقصى، والرتع في بحبوحة الجنة: ”ولتعلمن نبأه بعد حين”.
* إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة