نقرأ في القرآن العظيم آيات عدة تتوعّد المفسدين وتنفّر من الفساد، من ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {.. ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين}، {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}، {.. وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}، {إن الله لا يصلح عمل المفسدين}، {ولا تبغ الفساد في الأرض أن الله لا يحب المفسدين}، {والله لا يحب الفساد}، {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}، إلى غيرها من الآيات الكريمات البينات.
وإن العاقل ليعجب كيف يوجد في المسلمين فاسد وهم يقرأون هذه الآيات في صلواتهم وخارجها تعبُّدا، معتقدين أنها كلام رب العالمين؟!. ولكن هذه صورة من صور اللا فعالية التي يعاني منها المسلمون منذ قرون متطاولة. وهذا ما نبّه عليه وقرره الأستاذ الكبير مالك بن نبي رحمه الله في قوله: ”إن المجتمع الإسلامي يعيش طبقا لمبادئ القرآن، ومع ذلك فمن الأصوب أن نقول: إنه يتكلم تبعا لمبادئ القرآن، لعدم وجود المنطق العملي في سلوكه الإسلامي” [شروط النّهضة، ص103 - مشكلة الثقافة، ص124]. وبون شاسع جدا بين أن نعيش وفق مبادئ القرآن وبين أن نكتفي بترداد آيات القرآن الكريم!.
على كلٍ ليست مشكلتنا مع الفساد والمفسدين في هذه الجزئية فقط، أي تلاوة آيات الوعيد الواردة في الفساد والمفسدين ثم العمل بعملهم أو التطبيع معهم، بل ثمّت زوايا كثيرة تتعلق بهذا الموضوع الخطير، وعلى رأسها مسألة جوهرية هامة جدا، هي تضييق معنى الفساد وحصره في زاوية واحدة فقط، فالذي شاع في الاستعمال والاهتمام عند عامة الناس وخاصتهم ونخبتهم هو الكلام على الفساد المالي، والاهتمام بالفساد المالي، ومحاربة الفساد المالي... وكأن الفساد لا يكون إلا في المال!. وقد يكون هذا الحصر للاهتمام في الفساد المالي لأهميته في حياة الناس، وقد يكون لقلة الوعي بخطورة أنواع الفساد الأخرى، وقد يكون لوثة من لوثات المادية الطاغية التي جعلت عامة الناس لا يهتمون إلا بالأمور المادية البحتة!، وقد يكون لغير ذلك أو لكل ذلك.
والحق أن الفساد ملة واحدة!، وهو يقوي بعضه بعضا، فالفساد المالي، والفساد الأخلاقي والفساد الديني، والفساد الاجتماعي، والفساد السياسي، والفساد العلمي... كلها فساد، وكلها خطر، وكلها ذات أثار سلبية، وهي متضامنة مع بعضها البعض، يمهّد كل فساد منها لشيوع أنواع الفساد الأخرى، ويغذيها ويتغذى عليها؛ ولهذا من السذاجة أن ننتظر تقلص حجم الفساد إذا حاربنا نوعا منه حربا حقيقية أو سطحية، وأغفلنا الأنواع الأخرى. وهذه السذاجة تزداد فداحة إذا لم ننتبه إلى ترابط أنواع الفساد وتساندها وتعاضدها.
قد يحتاج كل نوع من أنواع الفساد إلى وقفات طويلة، ومعالجات عميقة، وسيكون ذلك مستقبلا بتيسير الله تعالى، أما هذه الكلمة فأريد فيها التنبيه إلى الفساد العلمي والتعليمي وخطورته وآثاره السيئة، والتي أراها أخطر من آثار الفساد المالي. ذلك أن العلم والتعليم له دور كبير في صناعة الإنسان الصالح فإذا فسدَا كان ذلك كارثة على أجيال متعاقبة لا على جيل واحد.
إن الفساد العلمي والتعليمي ينتج لنا شبه إطارات، غير كفأة، وقابلة للتماهي مع كل أنواع الفساد وصوره، ومُنتجة له في كثير من الأحاين. فالمسؤول الفاسد لا شك أنه خاض في الفساد العلمي والتعليمي وتشربته نفسه قبل توليه المسؤولية، ورجل الأعمال الفاسد لا ريب أنه خاض في الفساد العلمي والتعليمي وتشربته نفسه قبل أن يصير رجل أعمال، وهكذا القاضي الفاسد، والمحامي الفاسد، والإعلامي الفاسد، والإمام الفاسد، والدركي الفاسد، والإداري الفاسد، والشرطي الفاسد، والطبيب الفاسد... إلخ، كل هؤلاء وغيرهم هم نتاج الفساد العلمي والتعليمي وفسادات أخرى لا تخفى.
ثم أن هذا الفساد العلمي والتعليمي شاع وانتشر حتى صار معروفا لا تنكره الناس إلا قليلا قليلا. وتنوعت صوره وتكاثرت بشكل رهيب، فمنها: تهاون الأساتذة والمعلمين في التحصيل بعد ظفرهم بمناصبهم مما أثّر أثرا كبيرا على العملية التعليمية، ومنها المحسوبية والوساطات (المعرفة) في التوظيف مما يؤدي إلى ضعف المستوى وشغل هذه المناصب الحساسة من ضعيفي المستوى، ومنها الغش الذي انتشر بين الطلبة كانتشار النار في الهشيم فلم يسلم منه إلا القليل، ومنها خيانة الأمانة من بعض الأساتذة والمعلمين الذين يسمحون للطلبة بالغش في الامتحانات الحاسمة كالبكالوريا، ومنها سرقة البحوث العلمية كرسائل الدكتوراه وبحوث الماستر (هذه خاصة) والمقالات العلمية التي زادت بشكل مخيف في الآونة الأخيرة، ومنها عدم تصحيح بعض الأساتذة للامتحانات، ومنها التدخلات والوساطات من أجل إنجاح طالبة أو طالب، ومنها تساهل المجالس التأديبية والإدارات مع حالات الغش، ومنها.. ومنها... وكل هذا الذي ذكر وما لم يذكر مما يعرفه القريب والبعيد سوسٌ ينخر في قيم الأمة ومقوّماتها، وهذا السوس الخبيث أن لم يكن يُرى في أكثر أحواله فإن آثاره بارزة ظاهرة في واقعنا، نعاني منها ونشتكي وإن غفل أكثرنا عن سببها المنتج لها. بل كثيرون يشاركون فيها ثم يشتكون من آثارها!.
ومن نافلة القول ختاما: أن مَن يقترف هذا الفساد العلمي التعليمي هو فاسد مفسد مثله مثل باقي المفسدين أن لم يكن أسوأ منهم؛ لأنه يقترف فسادا خبيثا في مجال شريف نبيل!.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة
الخبر
28/01/2026 - 22:42
الخبر
28/01/2026 - 22:42
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال