اسلاميات

ترشيد الاستهلاك في الطاقة والمياه توجيه شرعي ومطلب اقتصادي

ليس مجرد خيار تقشفي بل هو منهج حياة متوازن

  • 14
  • 2:54 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

يُعدّ ترشيد الاستهلاك ركيزة أساسية تجمع بين الامتثال للتوجيهات الشرعية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي للمجتمعات والأفراد، فهو ليس مجرد خيار تقشفي بل هو منهج حياة متوازن يحمي الموارد من الهدر ويضمن استدامتها للأجيال القادمة. إن ترشيد استهلاك الكهرباء والماء في بلادنا ليس مجرد مشروع اقتصادي أو بيئي، بل هو أمانة شرعية ووطنية.

تنظر الشريعة الإسلامية إلى الأموال والموارد كنعَم ومستخلفات بيد الإنسان. وقد وضعت ضوابط دقيقة تحكم السلوك الاستهلاكي؛ ومن هذه الضوابط:

- تحريم الإسراف والتبذير: نهى القرآن الكريم بشدة عن تجاوز الحد في إنفاق المباحات وعن وضع المال في غير موضعه، واعتبر المبذرين إخوانا للشياطين، قال تعالى: {ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}.
- فرض الوسطية والاعتدال: دعت النصوص الشرعية إلى التوازن؛ حيث لا يقع المسلم في البخل والتقتير ولا في السرف والترف، كما ورد في وصف عباد الرحمن: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}. وقد ضرب النبي صلّى الله عليه وسلم أبلغ مثال في ذلك عندما قال لسعد رضي الله عنه، وقد رآه يتوضأ: “ما هذا السرف”؟ قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: “نعم، وإن كنت على نهر جار”.

- شكر النعم بالحفاظ عليها: يعدّ الحفاظ على موارد الطاقة والمياه والأغذية وجها من وجوه شكر الله، بينما يؤدي الاستهلاك الأعمى إلى زوال هذه النعم، كما تعد شكرا للمنعم وحفظا للأمانة واستدامة للخير، ومن شكر الطاقة ألا نحولها إلى استهلاك عبث.
- مقاومة النزعات الاستهلاكية: وذلك بتدريب النفس على ضبط الرغبات الفورية لعدم الوقوع في فخ الشراء العشوائي، تماشيا مع مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “أَوَكُلّما اشتهيتَ اشتريتَ”؟.

وتنظر الشريعة إلى الأفعال بالنظر إلى مصالحها ومفاسدها ومآلاتها، ولذلك فإن ترشيد الطاقة يقوم على مبدأ جامع هو: تحصيل المصالح وتقليل المفاسد؛ وتضبط ذلك قواعد كبرى، منها: “لا ضرر ولا ضرار”؛ فلا ينبغي أن تتحول راحة الفرد إلى ضرر عام.
كما أكد علماء الإسلام، عبر العصور، على حرمة الإسراف ووجوب الاقتصاد في الاستخدام؛ فقال الإمام ابن القيم: “الاقتصاد في النعمة أفضل من الإسراف فيها، والإسراف في الحلال مفسدة”.
وأكدت المجامع الفقهية أن الإسراف في استخدام الموارد العامة كالكهرباء والماء من أنواع التعدي على المال العام، وهو محرم شرعا، وهذا يشمل حق الأرض والموارد الربانية على الإنسان، والمسلم مطالب بألا يُسرف في استخدامها وأن يحافظ عليها لغيره من الناس وأبنائه من بعده.
ومن الناحية الاقتصادية الحديثة، يمثل الترشيد آلية وقائية وعلاجية لمواجهة الأزمات المعيشية والاختلالات الهيكلية:
-مواجهة التضخم والغلاء: يساهم ضبط الاستهلاك في تقليل الطلب الزائد على السلع، ما يؤدي تلقائيا إلى كبح جماح ارتفاع الأسعار.
- تخفيف العبء عن ميزانية الأسرة: يسمح بتوجيه الفائض المالي نحو الادخار أو الاستثمار في مجالات حيوية كالتعليم والصحة.
- تخفيض الضغط على المرافق العامة: يُقلل ترشيد الطاقة والكهرباء والمياه من تكاليف الإنتاج والصيانة على مستوى الدولة.
- تحقيق التنمية المستدامة: يضمن بقاء الموارد الطبيعية وحماية البيئة من التلوث الناتج عن النفايات الاستهلاكية المفرطة.
إن غرس ثقافة الترشيد في الأبناء وأفراد الأسرة والمجتمع ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل هو عبادة وخلق نبيل يربطهم بالله ويجعلهم أكثر وعيًا ومسؤولية. وإذا نشأوا على هذه العادة، فإنهم سيحملونها معهم في حياتهم المستقبلية، ليكونوا أفرادا نافعين لأسرهم ولمجتمعهم.
وإن للترشيد في الاستهلاك آثارا اجتماعية واقتصادية نلخصها في:
ـ تعزيز روح المسؤولية المجتمعية: فالترشيد يعكس وعي المجتمع بمسؤولياته تجاه مقدرات الوطن ويعزز قيم التعاون والتكافل بين أفراده.
ـ الحدّ من الأزمات والخلافات: فالاستخدام الرشيد يقلل من فرص نشوب الأزمات المرتبطة بنقص الموارد، ويحد من التوترات الاجتماعية الناتجة عن التنافس على الخدمات الأساسية.
ـ نشر ثقافة القدوة: ذلك أن التزام الأسر والمؤسسات بالترشيد يغرس في النشء سلوكيات إيجابية ويعزز من ثقافة المحافظة على المال العام.
ـ نشر الوعي البيئي والوطني: حيث يعزز الترشيد الشعور بالانتماء الوطني ويشجع على المشاركة في مبادرات الاستدامة.
ـ خفض فاتورة الإنفاق الحكومي: حيث يخفف ترشيد الاستهلاك العبء على موازنات الدولة ويتيح إعادة توزيع الدعم ليشمل أكثر فئات المجتمع احتياجا.