ثقافة

سيد أحمد أڤومي.. عملاق الفن الجزائري في ذمة الله

ترك خلفه مسيرة فنية حافلة.

  • 13105
  • 4:37 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

انتقل إلى رحمة الله،  اليوم، الفنان القدير سيد أحمد أڤومي، عن عمر ناهز 86 سنة، حسب ما أعلنه، ديوان حقوق المؤلف والحقوق المجاور.

وترك الفنان واسمه الحقيقي، أحمد مزيان، بصمة عميقة في تاريخ السينما والمسرح الجزائريين، وهو من مواليد 5 أكتوبر 1940 ببولوغين بالعاصمة.

واستهل مشواره الفني في ستينيات القرن الماضي.

شارك الراحل في أكثر من 50 عملا بين المسرح، التلفزيون والسينما، وكان آخر أبرز ظهور له في السلسلة الرمضانية "عاشور العاشر"، أين لعب دور الوزير "قنديل".

وفي السينما شارك في الفيلم العالمي "Z" المنتج بالتعاون بين فرنسا والجزائر سنة 1969 ومن إخراج المخرج الشهير، كوستا غافراس.

وقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر رحيله ونعاه الفنانون والكتاب والمثقفون وعامة الجمهور، معبرين عن حزنهم العميق برحيل الإيقونة و الفنان المبدع أقومي الذي أمتع الجمهور لسنوات بأجمل الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية وحفر اسمه بالذهب في قلوب الجزائريين الذين عشقوا براعته في تقمص الأدوار، وشخصيته القوية التي تفرض وجوده و تفرده في كل الأعمال التي يشارك فيها.

كان أقومي صوتا حرا لا يهادن، دفع ثمن مواقفه الجريئة، منع من العمل المسرحي، ونقل إلى إدارة دار الثقافة بتيزي وزو في محاولة لإسكاته، وواصل المقاومة، هاجر إلى فرنسا عام 1994 بعد اغتيال رفيقه عبد القادر علولة، لكنه ظل مرتبطا بجمهوره ووطنه.

قال عن نفسه يوما: "جئت إلى المسرح حين أدركت أن الخيال يستطيع أن يغير الواقع… لم أكن أمثل، كنت أعيش". وها هو يرحل تاركا خلفه إرثا فنيا وذاكرة نضالية، وسيرة رجل ظل حتى آخر لحظة وفيا لخشبته وضميره.

المسرح.. الجذور والانطلاقة

يعتبر أڤومي واحدا من أبرز رموز الحركة المسرحية الجزائرية، حيث قدم ادوار خالدة على الخشبة و مثل مع كبار الفنانين منهم الراحل عبد القادر علولة، ومن أبرز المسرحيات التي شارك فيها: "أبناء القصبة"، و"الجثة المطوقة" لكاتب ياسين، و"الحياة حلم"، و"الشيوخ"، و"حسان طيرو"، و"المرأة المتمردة"، و"عنبسة"، و"الريح"، و"احمرار الفجر"، و"الرجل صاحب النعل المطاطي".

ومسرحية "أبناء القصبة" لعبد الحليم رايس، التي جسد فيها أڤومي شخصية "توفيق"، كانت من أهم أعماله المسرحية، تتناول المسرحية عائلة جزائرية بسيطة في حي القصبة العتيق خلال الثورة التحريرية، حيث يمثل كل فرد فيها شريحة اجتماعية من المجتمع الجزائري: المجاهدة مريم، الطفل حميد، المهمش عمر، والأب حمدان الذي يجسد صبر الآباء وافتخارهم بتضحيات الأبناء.

وقد شكلت شخصية توفيق، الشرطي الذي يخفي نشاطه الثوري، محورا أساسيا في بناء النص الدرامي.

أما "الجثة المطوقة"، فقد كانت علامة فارقة في المسرح الجزائري، حيث وضعت الشخصيات في قلب الثورة وحركت الصراع الدرامي بأشكاله المختلفة، مبرزة عظمة الثورة بعمق فني رائد.

السينما.. حضور دولي و تألق عالمي

ترك أڤومي على الشاشة الكبيرة، بصمة واضحة في أكثر من خمسين فيلما، جزائريا و عربيا وأجنبيا، ومن أبرز الأعمال السينمائية التي شارك فيها نجد: فيلم "زاد Z  " للمخرج كوستا غافراس عام 1969، الذي يعد الفيلم الجزائري الأجنبي الوحيد الحاصل على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي عام 1970.

شارك في الفيلم إلى جانب أڤومي كوكبة من الممثلين الجزائريين أبرزهم حسان الحساني. كما شارك في أفلام بارزة مثل: فيلم "منطقة محرمة" لأحمد لعلام (1974)"الخارجون عن القانون" لتوفيق فارس (1976)، و"مواسم من فولاذ" (1983)، و"مواسم من فولاذ" لغوثي بن ددوش (1983 )، و"طاحونة السيد فابر" لأحمد راشدي (1983)"خريف... أكتوبر في الجزائر" لمحمد لخضر حمينة (1993)، وفيلم "وقائع سنين الجمر" لنفس المخرج و "ضفة الأخرى من البحر" لدومينيك كابريرا (1997)، و"الحياة المضمونة" لألان راوست(1998)، و"الطاحونة" لأحمد راشدي، "قصر الغوربي" لبشير درايس( 2006) و"موريتوري" لعكاشة تويتة (2007)، و"كان يا ما كان في واد" لجمال بن صالح (2005)، و "الإيطالي" (2010) لأوليفييه بارو و"تيمقاد" لفابريس بن شاعوش (2016) و غيرها من الأعمال التي ابدع فيها الراحل.

التلفزيون.. الوزير قنديل وذاكرة الأجيال

وفي التلفزيون ترك الراحل بصمة لا تمحى لدى الجيل الذهبي من خلال أفلام ومسلسلات يخلدها التاريخ منها فيلم "الليل يخاف من الشمس" سنة 1965، "أطفال نوفمبر" سنة 1975،"كحلة وبيضاء" لعبد الرحمن بوغرمة 1980، "ريح الغضب" لمايكل رايبورن كابريل،"عيسات إيدير" 2009 ، كما شارك في مسلسل "موعد مع القدر" (2007) مع المخرج جعفر قاسم، وهو عمل اجتماعي ودرامي يعالج تراجيديا العشرية السوداء في الجزائر.

أما في السنوات الأخيرة فقد عرف الجيل الجديد من الجمهور الجزائري والعربي الراحل أڤومي، من خلال شخصية "الوزير قنديل" في السلسلة الفكاهية "عاشور العاشر"، و قال أڤومي عن هذه الشخصية إنه يؤدي دورا يشبه "ميكيافيلي" القصر، في إشارة إلى إيمانه بمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، وقد حظيت الشخصية بمساحة أكبر في الجزء الثاني من العمل، حيث لعب قنديل دورا محوريا في الاغتيالات السياسية داخل "المملكة العاشورية".

كما شارك في عدة مسلسلات منها: مسلسل  "يما" شارك في أجزاء هذا العمل الدرامي وأبدى فخره الكبير بالمشاركة فيه، و مسلسل "الدامة" أين سجل حضورا مميزا في هذا العمل الدرامي الذي نال إشادة واسعة، كما أبدع في تقديم دوره في مسلسل "مشاعر"، وكان له حضور مميز في مسلسل "جمعي فاميلي"،  و"الرايس قورصو" أين أطل على الجمهور في هذا العمل التاريخي الكوميدي.

و لم يقتصر إرث أڤومي على الأداء التمثيلي، بل امتد إلى المجال الإداري، حيث تولى إدارة دار الثقافة والمسرح بمدينة تيزي وزو، ثم دار الثقافة بعنابة وقسنطينة بين عامي 1974 و1975، وصولا إلى إدارته للمسرح الوطني الجزائري. و مديرا للمسرح الجهوي وهران.

وقد شكلت هذه التجارب محطة مهمة في مسيرته، حيث جمع بين الحس الفني والمسؤولية الإدارية في زمن كانت فيه المؤسسة الثقافية الجزائرية تتشكل وتتصارع مع تحديات الممارسة الفنية الحرة.

تكريمات تليق بمسيرة استثنائية

عبر مسيرته الحافلة، حصد سيد أحمد أڤومي العديد من التكريمات، منها جائزة "أفانين الجزائر" في طبعتها الأولى عام 2024، تقديرا لمساره الفني الثري وأعماله الخالدة. كما خصصت له الدورة السادسة عشرة من المهرجان الوطني للمسرح المحترف في ديسمبر 2023 تكريما خاصا، وحملت الدورة اسمه، تقديرا لكونه "نموذجا للمبدع المحترف". و كان آخر تكريم للراحل في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي في دورته الـ 13  سنة 2025.

يقول عنه النقاد إنه "فنان بمعايير عالمية" و"صاحب كاريزما لافتة وحضور قوي". أما هو فكان يرجع الفضل دائما لجمهوره، مؤكدا أن "الشعب الجزائري دقيق في نقده، ما يحفز ويدفع الفنان إلى المزيد من العطاء".