خسر بعض المواطنين الجزائريين الكثير من أموالهم بحر الأسبوع الماضي فيما يسمى بالتسويق الهرمي، وذلك بسبب وضع مدخراتهم في شركات وهمية لتوظيف المال طمعا في الربح السهل، وفيما يلي تبيان لحكم الشرع في مثل هذه المعاملات المشبوهة شرعا وقانونا.
يطلق مصطلح التسويق الهرمي أو الشبكي على نموذج عمل غير مستقر قد يبدو قانوني في البداية، هدفه جمع المال من أكبر عدد من المشتركين، بينما يكون المستفيد الأكبر هو المتربع على رأس الهرم، كما يطلق على عمليات الاحتيال هذه اسم ”خدعة بونزي” نسبة إلى مبتكرها الأول الإيطالي تشارلز بونزي.
وتتلخص صورة هذه المعاملات في إقناع الشركة لشخصٍ ما بشراءِ سلعة أو منتج على أن يقوم بإقناعِ آخرين بالشراء ليُقنِع هؤلاء آخرين بالشراء وهكذا، وكلما زادت طبقات المشتركين حصل المشترك الأول على مبالغ أكثر، وكل مشترك يقنع من بعده بالاشتراك مقابل مبالغ مالية.
والظاهر أن نظام التسويق الشبكيِ للشركات العالمية يتعامل بهذا الأسلوب في تسويق منتجاتها فإنه -والحال هذه- تقترن به عدة محاذير شرعية يمكن إبرازها على النحو الآتي:
اشتمال هذه المعاملة على الغَرَر والميسر والمقامرة المحرَّمة شرعا، ذلك لأن المشترِك لا يُسهم في التسويق الشبكي إلا بغرض العوض الماليِ على جلب الزبائن المشترِكين، وتزيد عمولته ويربح أكثر كلما أحضر عددا أكبر من الزبائن وحقَّق شروط الشركة، أو قد تنقص عن المبلغ الأول الذي دفعه، وإذا ما فشل في مهمته خسر المبلغ كله، وبين حالتيِ الربح والخسارة يجهل المشترك -حال إسهامه في التسويق الشبكي أو الهرمي- هل يكون غانما أو غارما؟ وهذه الجهالة تجرُّه -في تعامله هذا- إلى الولوج في باب الغَرَر المنهي عنه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ”نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغَرَر”.
اشتمال هذه المعاملة على الربا الخفي وهو ربا البيوع بقسميه: ربا الفضل وربا النسيئة، ذلك لأن المعلوم أن البضاعة التي هي محل التسويق الشبكي ليست مقصودة في ذاتها، وإنما هي مستعملة كقناعٍ يُتذرَّع به للحصول على المبالغ المالية من عمولات الزبائن التي قد تفوق تلك البضاعة، ويؤكد معنى عدم إرادة تلك البضاعة في حد ذاتها أن ثمنها المعروض في الشركة أغلى من قيمتها الحقيقية في السوق. فإذا تقرر أن البضاعة أو السلعة ليست مقصودة في ذاتها تأكد أن المقصود الحقيقي من هذا التعاملِ هو تسويق العمولات لا البضاعة أو السلعة، فيُسهِم المشترك بدفعِ قليلٍ من المال ليحصل على مال أوفر منه بكثيرٍ، فتتجلى صورة المبادلة على حقيقتها على الوجه التالي: بيع عمولة نقدية بعمولة نقدية مع حصول التفاضل بينهما والنسيئة تحت قناعِ أو ستارِ البضاعة أو السلعة أو المنتج الذي تقوم بتسويقه تلك الشركات. وقد أجمع أهل العلم على تحريم ربا البيوع بضربيه: الفضل والنسيئة، ومن مستند هذا الإجماعِ قوله صلّى الله عليه وسلم: ”لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز”.
اشتمال هذه المعاملة على ظلم العبد لأخيه والغش والخداع، ذلك لأن التسويق الشبكي يعتمد في ترويج منتجه أو سلعته على الدعاية المغرية التي تخدع المشارِكين بها وتُغريهم بتحصيلِ أرباحٍ كبيرة وعمولات فاحشة في مقابل مبلغٍ يسيرٍ وهو ثمن المنتج الذي تتوخى به الشركات في الأصل -من خلال التسويق والمتاجرة المقنَّعة- تجميع أكبرِ قدر من المشتركين، الأمر الذي يُفضي -في الغالب الأعم- إلى وقوعِ أكثرية المشارِكين من الطبقة الدنيا من الشبكة الهرمية ضحية في شرك هذا الأسلوب التسويقي الماكر بالغش والتلبيس، في حينِ تتحقق أطماع الطبقة العليا الغانمة على حساب الأكثرية الغارمة، وهذه المعاملات تدخل -بلا شك- في عموم قوله تعالى: ”ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”، كما تشمله النصوص الشرعية الناهية عن الغش والتدليس والتلبيس على الناس ونحو ذلك، وقد ورد في الحديث: ”من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه”.
ولنعلم أن شرط الاستثمار المباح ثلاثة شروط: 1- أن يستثمر المال في أعمال مباحة، فلا يجوز استثمار المال في السلع المحرمة والمعاملات الربوية أو القمار والغرر والغش والخداع ونحو ذلك مما هو محرم. 2- عدم ضمان رأس المال، فلا تلتزم الشركة برد رأس المال في حال الخسارة إلا إذا حصل منها تعد أو تفريط. واشتراط ضمان رأس المال في الاستثمار يجعل العقد عقد قرض في الحقيقة وما جاء منه من فوائد يعتبر ربا محضا. 3- أن يكون الربح محددا متفقا عليه من البداية، لكنه يحدد كنسبة شائعة من الربح لا من رأس المال، فيكون لأحدهما مثلا الثلث أو النصف أو 20% من الأرباح، ويكون الباقي للطرف الآخر. ولا يصح العقد إن كان الربح مجهولا غير محدد، وقد نص الفقهاء على أن المضاربة والشركة تفسد في حال جهالة نسبة الربح. وهذه الشروط غير متحققة في شركات التسويق الشبكي (الهرمي).
وفي الختام نهيب بالسلطات التشريعية والتنفيذية في بلادنا التصدي ومنع مثل هذه الشركات واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة للتصدي لهذه الظاهرة.
الخبر
04/01/2026 - 23:08
الخبر
04/01/2026 - 23:08
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال